مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
العالم لا يستأذن أحدًا قبل أن يعيد ترتيب أوراقه. خرائط النفوذ تُرسم في الخفاء قبل أن تُعلن، وموازين القوى تتبدل أسرع من قدرة كثير من الدول على الإدراك. واستكمالًا لمسار من المقالات تناول البعد الجيواستراتيجي الرابع للأردن، والدولة الحديثة بين اقتصاد النفوذ والإنتاج، وإرث قرن من الصمود، والعبقرية السياسية في زمن الفوضى، يطرح هذا المقال سؤالًا أكثر إلحاحًا: كيف تُقرأ خارطة الفوضى العالمية نفسها، وكيف يتموضع الأردن داخلها بدل أن يُفاجأ بها؟
فالعالم يعيش اليوم مرحلة انتقالية بين نظامين، ولم يعد يعيش أزمات متفرقة تُدار كل واحدة على حدة، بل دخل ما يمكن تسميته “عصر الفوضى المركّبة”، حيث تتشابك مولّدات الاضطراب فيغذي بعضها بعضًا: ندرة الموارد، والهجرة، والتغير المناخي، والانقسامات في الهوية، والتنافس التكنولوجي. هذا بالضبط ما استشرفه كابلان قبل عقود في “الفوضى القادمة”، حين رأى أن هشاشة الدول ونقص الموارد لا تنتج فوضى عشوائية، بل منظومة اضطراب متكاملة. واليوم تتأكد هذه القراءة: الحرب الروسية الأوكرانية أعادت خرائط الطاقة والغذاء إلى صدارة الحسابات الدولية، والتنافس الأمريكي-الصيني انتقل من التجارة إلى الرقائق والذكاء الاصطناعي، وحرب غزة وإيران والهجمات الإيرانية على دول الجوار والأردن، واغلاق مضيق هرمز واضطرابات البحر الأحمر أكدت أن الشرق الأوسط سيبقى الساحة المحورية في إعادة تشكيل النظام العالمي.
والفارق الجوهري أن الفوضى العابرة أزمة تُحل ثم تُطوى، بينما الفوضى المركّبة بيئة كاملة من الأزمات المتداخلة لا تنتهي بل تتوالد. ولهذا لم يعد السؤال: كيف تمنع الدولة وقوع الأزمات؟ فهذا شبه مستحيل في عالم بهذا التشابك، بل أصبح: كيف تبني قدرتها المؤسسية على قراءة الأزمات قبل وقوعها، والتحرك داخلها بدل الانجرار خلفها؟
وهذا التحول له جذر بنيوي. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بدا أن الهيمنة الأمريكية المنفردة ستُنتج نظامًا أكثر انتظامًا، لكن ما نعيشه اليوم هو ما يصفه إيان بريمر بـ”عالم G-Zero”، أي عالم بلا قائد قادر على إدارة النظام الدولي بمفرده. ويضيف كيسنجر أن أخطر مراحل التاريخ ليست تلك التي يسود فيها نظام واضح، بل تلك التي يتراجع فيها النظام القديم قبل أن يولد الجديد، وهذه الفراغات الاستراتيجية لا تبقى فارغة، إذ تتقدم قوى أخرى لملئها. وهنا يستعيد بريجنسكي راهنيته، إذ رأى أن الجغرافيا ليست قدرًا ثابتًا بل رصيدًا استراتيجيًا لا يمنح دورًا لصاحبه إلا إذا أحسن استثماره؛ فموقع الدولة لا يصنع نفوذها، بل قدرتها على توظيفه. وهذا يفسر جانبًا كبيرًا مما يشهده إقليمنا من حروب بالوكالة، وفاعلين من غير الدول، وشبكات نفوذ عابرة للحدود تعيد رسم موازين القوى من الداخل قبل الخارج.
ولم تعد “خارطة الفوضى” مجرد استعارة، بل أداة تحليل فعلية: من يسيطر على ممرات الطاقة؟ ومن يتحكم بمصادر المياه العابرة للحدود؟ ومن يملك سلاسل الإمداد والبيانات؟ ومن يقود سباق الذكاء الاصطناعي؟ ومن لديه البدائل للخطوط الشبكية؟ هذه الأسئلة، ترسم خرائط النفوذ الفعلية، ما يجعل قراءة الفوضى مهارة استراتيجية لا رفاهية فكرية، إذ تدفع الدول المخطئة في قراءتها الثمن مضاعفًا، لتأخرها في الاستجابة أو تستجيب للمشكلة الخاطئة.
ويمثل الشرق الأوسط النموذج الأوضح لعصر الفوضى، إذ اجتمعت فيه معظم عناصرها: ضعف بعض الدول، وصراعات الهوية، وتنافس القوى الكبرى، وأزمات الطاقة والمياه والهجرة. وقد انتقل الإقليم من الصراع التقليدي بين الدول إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، أصبحت فيها الصراعات الداخلية والحروب بالوكالة أداة رئيسية في إعادة تشكيله؛ فحين تضعف قدرة الدولة على إدارة تحدياتها، تتحول هي نفسها إلى ساحة تنافس بدل أن تكون فاعلًا فيه. وهنا تصبح الدول المستقرة أكثر قيمة من أي وقت مضى، وهنا يأتي الأردن، لا كدولة تكتفي بموقعها الجغرافي، بل كدولة تُترجم استقرارها إلى فعل دبلوماسي متقدم على الأزمة لا لاحق لها.
فمنذ اللحظات الأولى لحرب غزة، تحرك الملك عبدالله الثاني على أكثر من مسار: تحذير مبكر من مخاطر اتساع رقعة الحرب إقليميًا، ودعوة دولية لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين، ومبادرات إنسانية مباشرة، وتنسيق عربي-دولي لوضع أطر سياسية بديلة قبل أن تفرضها موازين القوى على الارض. وعلى المسار الإقليمي، مثّلت دبلوماسية المياه والطاقة نموذجًا مشابهًا لـ”صناعة التوازن”: فمشروعات الربط الكهربائي والمائي وربما النفط والغاز مع دول الجوار، لن تكون صفقات فنية فقط، بل أدوات لتحويل ملفات الندرة إلى شبكات مصلحة متبادلة تقلل فرص تحوّلها إلى ساحة صراع جديدة. كما ان الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس أداة دبلوماسية فريدة، تمنح الأردن موقعًا تفاوضيًا لا تملكه دول كبرى، وتُستخدم بانتظام كقناة تهدئة في اللحظات الأكثر توترًا. وهذه الأمثلة تُبرز أن الدبلوماسية الأردنية، حين تعمل بأقصى فعاليتها، تحاول التموضع داخل الفراغات الاستراتيجية قبل أن تملأها أطراف أخرى.
وهذا بالضبط ما يقود إلى السؤال الأعمق الذي يواجه الدول المستقرة كالأردن: ليس “كيف تصمد؟”، بل: كيف تتحول من “الدولة التي تدير الملفات بعد وقوعها” إلى “الدولة التي تستشرف الاحتمالات قبل تشكّلها؟” وهنا تكمن قيمة أفكار شوارتز، أحد رواد التخطيط بالسيناريوهات، الذي أكد أن الاستشراف لا يعني معرفة المستقبل بيقين، بل بناء قدرة مؤسسية على التعامل مع احتمالات متعددة في آنٍ واحد، بحيث لا تُفاجأ الدولة أيًا كان المسار الذي يأخذه العالم. والتحدي هو الانتقال من “الأردن الذي يحافظ على التوازن” إلى “الأردن الذي يصنع التوازن”، بحيث لا يكون متأثرًا بتوازنات الآخرين فحسب، بل طرفًا مؤثرًا فيها؛ وهذا ما تحاول الدبلوماسية الملكية النشطة تحقيقه ميدانيًا، لكنه يحتاج أن تسنده مؤسسات تدار بالحوكمة الدائمة لا بمبادرات آنية فحسب.
والدولة الاستشرافية، عمليًا، تحتاج إلى أربعة أركان: مراكز تفكير استراتيجية وطنية وحقيقية لا شكلية، تنتج تحليلاً مستقلاً لا تبريرًا لقرارات أو تجميلاً لواقع؛ وقواعد بيانات دقيقة يُعتمد عليها في صناعة القرار لا في تسويقه؛ وربط مباشر بين مراكز البحث وصناعة القرار السياسي؛ واستخدام حقيقي للذكاء الاصطناعي في تحليل المخاطر والتخطيط بعيد المدى، لا كشعار تقني بل كأداة تشغيلية فعلية.
ويبقى الاقتصاد الاختبار الأكبر لمستقبل الدولة. وتقترب هذه الفكرة مما طرحه نيكولاس طالب في مفهوم “مضاد الهشاشة”، حين ميّز بين أنظمة تنهار تحت الضغط، وأخرى تتحمله دون تغيير، وثالثة تخرج منه أقوى. والمطلوب أردنيًا ليس رفع نسب النمو فقط، بل تغيير طبيعته من اقتصاد استهلاكي إلى إنتاجي معرفي عالي القيمة المضافة. وتكتسب “رؤية التحديث الاقتصادي 2033” أهمية خاصة، لكن نجاحها رهن بالتنفيذ لا الإعلان فقط. كما أن رأس المال البشري الأردني، الميزة التاريخية الأبرز، يحتاج إعادة توجيه نحو مهارات يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيلها، فالإنسان الأردني أكبر فرصة استراتيجية إن وُجّه صحيحًا.
والسؤال ليس كيف يتحمل الأردن صدمات الخارطة المتغيرة، من تقلبات الطاقة إلى أزمات المياه إلى تحولات سوق العمل بفعل الذكاء الاصطناعي وغيرها، بل كيف يبني منظومة تتحول فيها كل صدمة إلى فرصة لإعادة الهيكلة لا الترميم. وهذا يفترض قدرة مؤسسات الدولة على طرح أسئلة استباقية: ماذا لو تغيرت خريطة الطاقة العالمية جذريًا؟ وماذا لو أصبحت المياه العامل الأكثر تأثيرًا في استقرار الإقليم؟ وكيف تُبنى المرونة المؤسسية قبل وقوع الصدمة لا بعدها؟
وتتقاطع هذه الرؤية مع الأوراق النقاشية الملكية، التي لم تتعامل مع الإصلاح كاستجابة ظرفية، بل مشروعًا متكاملًا لبناء دولة حديثة تقوم على سيادة القانون وتطوير المؤسسات. فالدولة الاستشرافية لا تُبنى بمعزل عن مؤسسات قوية تستوعب هذه الرؤى وتنفذها، وتبقى المعضلة في تعامل بعض الإدارات التنفيذية مع رسائلها العميقة، إذ الفجوة بين الرؤية والتطبيق هي ما يحدد إن كانت الدولة استشرافية فعلاً أم لا تزال تدير الملفات بعد وقوعها. والاستقرار وحده ليس النهاية المرجوة، بل بداية مشروع أكبر، والموقع فرصة تحتاج من يستثمرها.
فالدول الناجحة لا تسأل ماذا يحدث الآن فقط، بل ماذا يمكن أن يحدث بعد عقد من الزمن على الأقل، وماذا يجب أن نبنيه منذ اليوم استعدادًا له. لقد علّمنا كابلان أن ضعف المؤسسات يقود إلى الفوضى، ونيكولاس طالب أن الأنظمة الذكية تقوى بالصدمات، وبريجنسكي أن الجغرافيا تمنح أدوارًا حقيقية لمن يحسن استثمارها، وكيسنجر أن لحظات انتقال النظام العالمي تحتاج رؤية وقرارًا شجاعًا، وشوارتز أن المستقبل لا يُتنبأ به بل يُستعد له بمرونة. وجميعها تلتقي عند حقيقة واحدة: قوة الدول في هذا القرن ليست فيما تملكه، بل فيما تستطيع أن تتحول إليه بإرادتها.
إن قراءة الأردن ضمن خارطة الفوضى العالمية لا تعني النظر إليه كدولة محاصرة بالتحديات فحسب، بل تعني بناء الأدوات الدبلوماسية والمؤسسية والاقتصادية معًا، والتي تمكّنه من قراءتها باستمرار وهي تتغير. فخارطة الفوضى ليست ثابتة، بل تتجدد بفعل تحولات الطاقة والمياه والتكنولوجيا وموازين القوى، والدولة التي تكتفي برسم موقعها عليها اليوم قد تجد نفسها غدًا خارجها كليًا. أما الدولة التي تبني قدرة مؤسسية دائمة على القراءة والاستشراف وإعادة التموضع، فهي وحدها القادرة على تحويل الفوضى من تهديد دائم إلى مساحة متجددة من الفرص.
وهذا، تحديدًا، هو التحدي المؤسسي الذي يحدد اليوم من سيصنع موقعه في النظام العالمي القادم، ومن سيكتفي بأن يُصنع له. فالأردن أمام فرصة أن يحوّل موقعه إلى نفوذ اقتصادي فعلي، ودبلوماسيته إلى ميزة تفاوضية دائمة لا استثنائية، واستقراره إلى ميزة تنافسية، وإنسانه إلى محرك معرفة وابتكار، لينتقل من دولة تدافع عن نفسها أمام الفوضى إلى دولة تصنع التوازن في محيطها. ولم يختر الأردن جغرافيته، لكنه يملك أن يختار كيف يوظفها، وهذا هو السؤال الذي سيحدد مكانته في العقود القادمة: هل يكتفي بالصمود، أم يجعل من صموده بداية دور جديد؟
غير أن هذا التحول لا تصنعه الدولة وحدها، بل تصنعه أيضًا ثقة شعبها بنفسه وبمؤسساته وبقيادته. والمطلوب من الأردنيين أن يحافظوا على وحدتهم الوطنية وتماسك جبهتهم الداخلية، وأن يثقوا بحكمة الملك ورؤيته الاستشرافية. فتماسك الأردنيين هو الضمانة الحقيقية لتحويل مرحلة الصمود إلى مرحلة المبادرة، ومنطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة الفرص، لينتقل الأردن من دولة تجاوزت العواصف المتلاحقة إلى دولة تؤدي دورًا إقليميًا أكثر تأثيرًا، وتستثمر استقرارها وموقعها ورصيدها السياسي في بناء مستقبل أكثر قوة وازدهارًا.