ريڤا فتاة لطيفة. جمالها هادئ؛ لا يقتحم القلب عنوة، لكنه قد يتسلل إليه برفق، كنسمة عابرة لا تترك أثرًا صاخبًا. وإذا سارت في الطريق، مرت كألف فتاة عادية، فلا يتوقف عندها نظر أحدهم بشكل خاص.
كانت ريڤا تدرك ذلك جيدًا، ولذلك تعلمت استخدام فنون مطبخ الجمال، كما يستخدم المصورون فلاتر الصور وبرامج تحسينها؛ تضيف لمسات صغيرة هنا، وتخفي عيوبًا هناك، لعل الصورة التي يراها الآخرون تقترب قليلًا من الصورة التي تحلم بها عن نفسها.
ورغم بساطة حياتها، كانت فتاة عملية ومثابرة، لا تمل البحث عن السعادة. لكنها كانت ترى السعادة بصورة مختلفة عن الآخرين؛ كانت في نظرها سوارًا ذهبيًا يلمع حول المعصم، وورقة نقدية جديدة تفوح منها رائحة البداية، وكانت قمة السعادة أن يأتي فارس أحلامها خلف مقود سيارة لامبورجيني بيضاء؛ فلم تعد الفرسان في أحلام الفتيات يمتطون الخيول البيضاء كما في الحكايات القديمة.
ولأنها كانت تؤمن أن الأحلام تحتاج إلى مكان تنتظر فيه تحققها، افتتحت محلًا صغيرًا تبيع فيه المظلات والقبعات الملونة والشالات الحريرية المطرزة، المزينة بورود برية حمراء وصفراء وزرقاء. أسمته «مرفأ الأحلام». كانت تقضي فيه معظم وقتها؛ تبيع للزبائن أشياء جميلة، بينما كانت في داخلها تبيع نفسها حلمًا أكبر: أن يأتي اليوم الذي تلتقي فيه بفارسها، وأن تنجح أخيرًا في رسم الخطة التي تقودها إليه.
كان يُفرحها أن تبيع وشاحا لفتاة أو مظلة لسيدة؛ لكن أن يدخل شاب يسأل عن قبعة أو ربطة عنق تليق به فهذا ما يصنع لها يومها. كانت تضع البضائع أمامه، وتشرح أسرار الأناقة وسحر الطراز، ولا تبالي لو استنزف منها ذلك وقتًا طويلًا؛ فربما عاد مرةً أخرى للزيارة.
في يوم ربيعي تطايرت فيه حبوب الطلع، وانتشر عبق الأقاحي، كانت يد القدر ترتب لها لقاءً صغيرًا حلمت به كثيرًا.
دخل عليها كما يدخل المساء إلى شرفات المدينة؛ بلا ضجيج، وبلا إعلان. كان طويل القامة، نحيلًا قليلًا، يرتدي ثيابًا بسيطة لكنها مرتبة بعناية، كأن النظام عادة قديمة لا يتكلفها. لم يكن وسيمًا بالمعنى المألوف، غير أن في وجهه شيئًا يجعل من يراه مرة يرغب في أن يراه ثانية.
كانت عيناه بلونٍ عسلي يميل إلى الخضرة. عندما التقت بهما عيناها، لم تدرِ لماذا خطر ببالها فرس النبي؛ ذلك السكون الغريب الذي يجعل الكائن الجميل يبدو، للحظة، عصيًا على الفهم. وإذا ابتسم، ارتفع طرف فمه الأيسر قبل الآخر، فتبدو ابتسامته ناقصة قليلًا، لكنها صادقة بما يكفي لتربك قلبًا مثل قلب ريڤا.
كان يتحدث بهدوء، وينصت أكثر مما يتكلم، ويعرف كيف يمنح من أمامه شعورًا بأنه الشخص الوحيد في العالم الذي يستحق الإصغاء.
كان يبحث عن شالٍ حريري لسيدة وصفها بأنها سيدة قلبه.
عرضت عليه شالات حديثة الطراز، تستهوي فتيات اليوم، لكنه هز رأسه رافضًا.
ــ أريده لسيدة قديسة.
ــ من تكون؟
ــ إنها أمي.
قالها بابتسامة طفل يفاخر بأمه.
حينها شعرت ريڤا بسرور خفي؛ فالرجل الذي يبدأ حديثه بأمه بدا لها رجلًا يعرف الوفاء.
أخرجت له تشكيلة أخرى، بألوان هادئة وتصاميم بسيطة. وقالت:
ــ هذا كشميري دافئ، وهذا بيج عاجي، وما رأيك بالرمادي؟ لون محايد جميل. وهذا الأزرق الملكي للسيدات الوقورات، وهذا العنابي، وهذا الخزامي.
وضعت أمامه باقة من الألوان الجميلة.
اختار ثلاثة منها: الكحلي، والعنابي، والخزامي.
لفَّتْها في رزمة من ورق الهدايا المزين بقلوب صغيرة.
ناولها بطاقة إلكترونية ذهبية. مدت يدها لتأخذها، فتلامست أصابعهما. لاحظت، دون أن تعرف لماذا، أن إبهامه استقر لحظة فوق ظاهر يدها قبل أن يسحبها. أحست بما يشبه صعقة كهربائية خفيفة، فارتعشت يدها، وانفرجت شفتاها عن آهة صغيرة.
ــ أعتذر لكِ… يحدث معي هذا في الربيع.
ابتسمت بخجل وقالت:
ــ لا عليك، لكننا لا نقبل البطاقات الإلكترونية؛ إما نقدًا، أو تحويلًا إلى المحفظة الإلكترونية.
بعد أن أتم عملية الدفع، ودعها بابتسامة هادئة، ثم خرج.
لم يعدها بشيء، ولم يقل كلمة حب واحدة. خرج كما دخل، هادئًا. لكن ريڤا كانت ترى العالم بعيني قلبها، ولم تكن تعلم أن الشيطان لا يأتينا مرتديًا معطفًا أحمر، ولا تعلو رأسه قرون مدببة؛ بل يختار دائمًا الوجه الذي نحب أن نصدقه.
أعادت ترتيب واجهة العرض وأرجعت القطع إلى أماكنها ثم جلست خلف مكتبها. تحسست الموضع الذي لامسته أصابعه، تصورت ابتسامته، كلماته، وعينيه، ثم انتبهت إلى أثر صغير تحت الجلد حيث لامست أصابعه، كالأثر الذي تتركه البعوضة بعد ليلة لزجة.
في موعدها المعتاد ذهبت إلى سوق الجملة لتتعرف إلى الجديد وتوصي بطلباتها من مورّديها. بعد إتمام مهامها، سارت بتؤدة على الرصيف الظليل، تتأمل السلع المعروضة في واجهات المحال التجارية، عندما استوقفها رجل ينظر إليها بابتسامة مترددة.
— ألستِ… فتاة البوتيك؟
— أجل، أنا هي. كيف استقبلت الهدية؟
— كانت رائعة، شكرًا لكِ.
— يسعدنا أن تنال إعجابك. نرحب بك دائمًا.
— إلى اللقاء إذن.
بعد أيام عاد إلى المحل، وفي يده وردة بيضاء.
— لم أشأ أن أمرّ بيدين فارغتين… هذه لك.
— شكرًا.
تطَلََّع حوله في واجهات العرض.
— أريد ربطة عنق خمرية اللون.
تناولت من رف قريب عدة نماذج عرضتها أمامه.
— تفضل وانتقِ.
اختار إحداها. وضعتها في حقيبة صغيرة.
— هل مازال رقم المحفظة المالية كما كان؟ وضحك.
مد يده تجاهها.
— بالمناسبة، اسمي نبيل.
— أنا ريڤا.
صافحته. كانت قد نسيت تلك الصعقة الكهربائية الصغيرة، لكن ما إن التقت يداهما حتى عادت إليها الرعشة نفسها. هذه المرة أيضًا، استقر إبهامه فوق الموضع نفسه من ظاهر يدها، وبقي هناك لحظة أطول مما اعتادت في مصافحة عابرة. ضحكت بعصبية، بينما كان ينظر إليها بصمت. وعندما أفلتها، شعرت بدوار خفيف، فجلست على مقعدها.
للمرة الثانية، خطر لها فرس النبي.
وجدت على ظاهر يدها حيث استقر إبهامه احمرارًا، وتحت الجلد نتوءًا صغيرًا، يشبه ما تتركه لدغة بعوضة. لكنها لم تتذكر متى ظهر ذلك.
مضت بضعة أيام، ولم يغب نبيل عن خاطرها. وفي نهاية دوام اليوم الذي يسبق الإجازة الأسبوعية، وأثناء ما كانت تغلق بوابة المحل، توقفت سيارة رياضية بيضاء، وقعت عينا ريڤا عليها، فسلبت الفخامة لبها. واتسعت عيناها وهي تحدق في شعار الثور الذهبي الهائج الذي يعلن عن ماركة السيارة. خرج السائق ودار حول السيارة ليفتح الباب المواجه لها، ثم ينظر إليها ويبتسم.
— تفضلي.
— من؟ نبيل!
تقدمت ثم دلفت إلى المقعد في ذهول.
— هل تقبلين دعوتي إلى فنجان قهوة هذا المساء؟
لم ينتظر جوابها؛ فقد قرأ الموافقة في ابتسامتها المرتبكة. انطلقت السيارة، وانفرج سقف السيارة ليدخل هواء الليل ويداعب خصلات شعرها. أسرعت دقات قلبها وغاصت في مقعدها وقد تذكرت لامبورجيني البيضاء التي كانت تسكن أحلامها، وهمست في سرها: ما أجمل أن أكون سيدة هذا العالم!
دارت السيارة حول المدينة ثم توقفت في كراج فندق فخم، نزل وفتح لها السيارة ودعاها للنزول. قادها برفق إلى ركن هادئ، تضيئه الشموع وتحف به باقات الورود. جلسا إلى طاولة منفردة، بعيدًا عن ضجيج القاعة، كأن العالم قد انكمش حتى لم يبق فيه سواهما.
— مفاجأة جميلة
— أنا رجل المفاجآت. ضحك
جاءت القهوة، رشفت من فنجانها ثم سألت:
— ما طبيعة عملك؟
— أبيع وأشتري .. من هنا وهناك.
— ماذا…
قاطعها قائلا:
— لا أحب أن أفسد جلستنا معا بالحديث عن أشغالي. أحب سماعك
— أنا فتاة حالمة.
تحدثت كمن هي في غيبوبة، وعيناه تسلبان روحها.
مد يديه وأحاط برسغيها برفق، ثم وضع إبهاميه فوق موضع النبض، كأنه يقيسه. لم تستغرب؛ ظنتها عادة غريبة عنده، أو حركة عفوية ممن اعتاد لمس اليد أثناء الحديث.
انتبهت من شرودها، تشعر بضعف شديد وإرهاق، وكان قلبها يخفق بسرعة؛ لكنه لم يكن ذلك الخفقان الذي يصنعه الحب.
— حان وقت العودة إلى المدينة.
— يبدو أن التعب غلبكِ. نمتِ ونحن نتحدث، فلم أشأ أن أوقظكِ. سأوصلكِ إلى البيت.
أرشدته إلى عنوانها.
تلك الليلة نامت نوما عميقا أشبه بمن فقد وعيه.
في اليوم التالي، لم تستيقظ إلا بعد الظهيرة بقليل. كانت غارقة في العرق، لكنها تشعر ببرد يتسلل إلى عظامها.
ودقات قلبها سريعة. وقفت أمام المرآة، لاحظت أن وجهها مصفرّ لا حياة فيه، وكأنها نزفت كثيرا.
ذهبت إلى المطبخ تحاول أن تتناول شيئًا يرد إليها بعض قوتها. صبَّت كوبًا من العصير، وأخذت قطعة كعكٍ هشة، وجلست على أحد المقاعد. كانت تقضم منها لقمة صغيرة، ثم تدفعها إلى جوفها بجرعة كبيرة من العصير.
ماذا يحدث لي؟ أهي عدوى؟ كان يفترض أن أكون في قمة النشاط والسعادة، لا أن أشعر بهذا الوهن كلما اقتربت السنارة من السمكة.
ابتلعت بعض الفيتامينات، ثم آثرت أن تستلقي قليلًا، تقضي الوقت في متابعة حلقات من مسلسل قديم، حتى غلبها نوم ثقيل.
بعد أيام قليلة، استعادت شيئًا من نشاطها. عادت إلى «مرفأ الأحلام» كما كانت، وإن بقي في جسدها إرهاق خفي لا تعرف له سببًا.
ومع ذلك، كانت تنتظر نبيلًا بلهفة أكبر من انتظارها لأي زبون.
لم يطل انتظارها.
في مساء يومٍ من أيام منتصف الأسبوع، توقفت سيارته الرياضية البيضاء أمام المحل. ترجل منها مبتسمًا.
ــ ما رأيكِ في سهرةٍ الليلة؟
ابتسمت معتذرة.
ــ لست مستعدة هكذا… أحتاج إلى فستان يليق بسهرة.
ــ إذن سأمر عليكِ في الثامنة، وأنتظر أمام المنزل.
ــ اتفقنا.
في الثامنة تمامًا، كانت إلى جواره. قادها إلى مقهى هادئ تعزف فيه فرقة صغيرة مقطوعات لأغانٍ قديمة.
ــ اشتقت إليكِ.
ابتسمت وهمست:
ــ وأنا أيضًا.
رفعت كأس العصير إلى شفتيها. قفزت الفقاعات تداعب أنفها، فضحكت ضحكة قصيرة.
ظل يتأملها لحظة، ثم قال:
ــ ريڤا… هل تقبلين أن نبدأ حياتنا معًا؟
نظرت إليه مذهولة.
ــ بهذه السرعة؟
ــ ربما يبدو الأمر كذلك، لكنني سأغادر بعد أيام في رحلة عمل إلى أوروبا تستغرق أسبوعين. وعندما أعود… أريد أن نقيم حفلة صغيرة نعلن فيها ارتباطنا.
احمر وجهها خجلًا، ولم تجد ما تقوله.
ابتسم وقال:
ــ يكفيني الآن أن تعديني بالتفكير.
انطلقت موسيقى راقصة، فمد يده إليها.
راقصته بخفة، وضحكا كطفلين هربا من المدرسة. ثم هدأت الموسيقى، فاقتربت منه وأسندت رأسها إلى كتفه. كانت إحدى يديه تستقر على خصرها، بينما راحت الأخرى تمر برفق على عنقها، تداعب خصلات شعرها. كلما لامست أصابعه جلدها، تسلل إليها دفء غريب، تبعه خدر لذيذ لم تعرف له تفسيرًا.
عند باب منزلها، ودعها على وعد أن يمر إلى البوتيك قبل سفره.
بعد أيام، كانت قد أغلقت باب المحل، وجلست ترتب حسابات ذلك اليوم، عندما سمعَتْ طرقًا خفيفًا على الزجاج.
رفعَتْ رأسها، فابتسمت.
كان نبيل.
أسرعت إلى الباب، فتحته، ثم أغلقه هو خلفه بهدوء.
احتضنها، فألقت برأسها على كتفه. ابتعد عنها قليلًا، ثم رفع يديه إلى جانبي عنقها. استقر إبهاماه فوق موضع النبض في الشريان السباتي، كما لو أنه يتحسس خفقان قلبها.
رفعت عينيها إليه، وانفرجت شفتاها في انتظار قبلة.
شعرت بدفء يديه… ثم بخدر لطيف يسري في عنقها.
أغمضت عينيها.
ولم تفتحهما مرة أخرى.
في صباح اليوم التالي، جاء عامل المقهى المجاور يحمل فنجان القهوة الذي اعتادت أن تطلبه كل صباح. دفع باب المحل بعد أن وجده مواربًا، ونادى بصوت مرتفع:
ــ صباح الخير…
ساد الصمت.
كانت ريڤا جالسة خلف مكتبها، ساكنة، شاحبة، جافة كورقة شجر ذاب خريفها.
وجاء في تقرير الطبيب الشرعي أن سبب الوفاة ظل مجهولًا. لم تُكتشف أي إصابات قاتلة، سوى علامتين دقيقتين على جانبي العنق، وأثر صغير على ظاهر إحدى اليدين، تشبه آثار لسعات حشرات. أما النقص الحاد في كمية الدم، فلم يجد التقرير له تفسيرًا.
سعيد ذياب سليم