بعد نحو ستة أشهر من الحرب مع إيران، تبدو الإدارة الأمريكية أمام معضلة عسكرية وسياسية متزايدة، بعدما بدأت واشنطن تدرك أن التفوق الجوي والقدرة على تدمير الأهداف لا تعني بالضرورة القدرة على تحقيق أهداف سياسية سريعة أو فرض شروطها على طهران.
وبينما يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التهديد بمزيد من التصعيد، تكشف نقاشات داخل القيادة العسكرية الأمريكية عن قلق متزايد من حدود القوة الجوية، وتراجع مخزونات الذخائر والصواريخ الاعتراضية، ومخاطر الانتقال إلى مرحلة أكثر اتساعاً من الحرب.
وبحسب مصادر نقلت عنها شبكة «CNN»، فإن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أبلغ كبار مستشاري ترمب بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى إيجاد مخرج من الحرب، محذراً من أن الخيارات العسكرية المتاحة لتصعيد الصراع قد تأتي بنتائج عكسية، وأن القوة الجوية وحدها قد لا تكون قادرة على تحقيق الأهداف التي أعلنها الرئيس الأمريكي.
وقال أحد المصادر إن كين «يبحث عن مخرج»، في موقف ناقشه مع مسؤولين بارزين، بينهم مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ونائب الرئيس جي دي فانس.
القوة الجوية أمام سقفها
جوهر المعضلة الأمريكية يتمثل في الخلاف حول مدى قدرة القصف الجوي على حسم الحرب.
ففي الوقت الذي يرى فيه ترمب أن الضربات الجوية يمكن أن تجبر إيران على القبول باتفاق بالشروط الأمريكية، يرى كين ومسؤولون آخرون أن هذا الاحتمال بات ضعيفاً.
وكان كين قد لخّص المأزق خلال جلسة استماع أمام المشرعين بالقول إن «للقوة الجوية حدوداً».
وفي ظل ذلك، طلب ضابط في فرع الاستخبارات بالقيادة المركزية الأمريكية من محللين عسكريين تقديم أفكار «جديدة وإبداعية وغير تقليدية» للضغط على إيران ومعاقبتها.
وجاء ذلك بالتزامن مع تقييمات تفيد بأن حملة القصف حول مضيق هرمز وصلت إلى حدود فاعليتها، وأن معظم الأهداف المتاحة جرى استهدافها، ما يعني أن استمرار النهج ذاته قد لا يحقق نتائج إضافية ملموسة.
مخزون أمريكا يتآكل
الخطر الأكبر لا يتعلق فقط بالنتائج العسكرية، بل بقدرة الولايات المتحدة على مواصلة الحرب لفترة أطول.
وبحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، انخفض مخزون صواريخ «باتريوت» الاعتراضية من نحو 2330 صاروخاً قبل الحرب إلى ما بين 759 و827 صاروخاً، فيما تراجع مخزون صواريخ «ثاد» من 452 إلى ما بين 234 و278 صاروخاً.
وكان قادة عسكريون أمريكيون قد حذروا ترمب قبل اندلاع الحرب من تداعيات الحرب الطويلة على مخزونات الأسلحة، خصوصاً في ظل التزامات الولايات المتحدة العسكرية تجاه إسرائيل وأوكرانيا.
ومع استمرار المواجهات، تصاعدت المخاوف داخل المؤسسة العسكرية من وصول مخزونات بعض الذخائر وأنظمة الدفاع إلى مستويات خطرة.
ضربة منشآت الطاقة قد تشعل المنطقة
وفي وقت هدد فيه ترمب مراراً بضرب البنية التحتية للطاقة في إيران، حذر مسؤولون من أن مثل هذه الخطوة قد لا تدفع طهران إلى الاستسلام، بل قد تفتح الباب أمام رد إيراني يستهدف منشآت الطاقة في دول الخليج.
وكان حلفاء واشنطن في المنطقة قد حذروا الإدارة الأمريكية من التداعيات المحتملة لأي تصعيد واسع، خصوصاً مع تراجع مخزونات أنظمة الدفاع الجوي المتطورة.
وبذلك تجد واشنطن نفسها أمام معادلة صعبة: التصعيد قد يوسع الحرب ويستنزف المخزونات، بينما التراجع دون إنجاز سياسي واضح قد يتحول إلى هزيمة سياسية للرئيس الأمريكي.
البحث عن «نصر رمزي»
وفي ظل هذه المعضلة، يركز كين ومسؤولون أمريكيون على البحث عن مخرج يمنح ترمب نصراً رمزياً يمكن تسويقه داخلياً، من دون إغلاق الباب أمام تسوية دبلوماسية محتملة، بما في ذلك اتفاق يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز.
وبينما تؤكد وزارة الحرب الأمريكية أن الجيش الأمريكي «الأقوى في العالم» وأنه يمتلك القدرات اللازمة لتنفيذ ما يقرره الرئيس، تكشف تحركات القادة العسكريين أن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع أمريكا تدمير مزيد من الأهداف؟
بل أصبح: هل تستطيع واشنطن تحويل هذا التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية قبل أن تتحول الحرب إلى استنزاف مفتوح؟
«وهم الحرب القصيرة»
وتعيد التطورات الحالية إلى الواجهة ما يصفه باحثون بـ«وهم الحرب القصيرة»، أي الاعتقاد بأن التفوق العسكري والتكنولوجي قادران على تحقيق نصر سريع بأقل كلفة، قبل أن تتحول الحرب إلى صراع طويل يستنزف الموارد ويصعب الخروج منه.
وتشير تحليلات أمريكية إلى أن الضربات الجوية، مهما اتسع نطاقها، قد تتمكن من إضعاف البنية التحتية الإيرانية، لكنها لا تضمن القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية أو إسقاط النظام.
وتبرز هنا المقارنة بين حرب الخليج عام 1991، التي حققت هدفاً عسكرياً محدوداً وواضحاً، وبين حربي العراق وأفغانستان، اللتين تحولتا إلى مشاريع طويلة لإعادة تشكيل الأنظمة والمجتمعات وانتهتا بنتائج بعيدة عن الأهداف الأولية التي وضعتها واشنطن.
وفي المقابل، ترى تحليلات أخرى أن استمرار الحرب قد يعزز نفوذ الحرس الثوري داخل إيران، إذ تمنح المواجهة الطويلة المؤسسة العسكرية مبررات إضافية لتشديد قبضتها الأمنية وتعزيز موقعها داخل النظام.
وبينما يستمر ترمب في التلويح بالتصعيد، تبدو واشنطن أمام اختبار أكثر تعقيداً من مجرد التفوق العسكري: كيف تنهي حرباً بدأت بضربات قوية، قبل أن تتحول تلك الضربات نفسها إلى عبء استراتيجي وسياسي واقتصادي؟
ففي الحروب، قد يكون تدمير الهدف أسهل بكثير من تحقيق النصر.