ما زالت القدس تقف في قلب المعادلة التاريخية بوصفها نقطة التقاء بين وعد الألوهية في آخر الزمان، وصدام الحضارات والأديان، وآمال الإنسانية في أن تكون يومًا «دار السلام». وبين هذا وذاك، تبقى القدس شاهدةً على التاريخ منذ أن شُيّدت، وفق الروايات، على يد الملائكة بمنطوق القداسة، ما جعلها «قدس الأقداس»؛ أي المكان الطاهر المطهَّر…وقد أُعيد بناؤها بعد الطوفان على يد النبي الملك العادل سليمان عليه السلام، حاملةً صرح مُلكه ودعاءه الذي اقترن بعناوين ثلاث: مُلكٌ لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وحُكمٌ يقوم على العدل، ومغفرةٌ تُرجى لكل من يدخل حاضرتها. ومن هنا، تشكّلت رمزية القدس في وجدان الأديان السماوية، فغدت موضع إجماع ونبراسَ وحدة، كما جعلها موقعها الجغرافي شاهدًا على الزمان، بما وثّقته الكتب السماوية من دلالاتٍ ومعانٍ عميقة.
غير أنّ القدس اليوم تشهد مظاهر تهويدٍ غير مسبوقة في التاريخ، في ظل مناخاتٍ صهيونيةٍ عنصرية تسعى إلى اختزال المشهد في فئةٍ محدودة، فيما تبتعد بوصلة الاهتمام العربي عنها، نتيجة انشغال العديد من المجتمعات العربية بقضايا الاستقرار الداخلي، واستقطابات التجاذبات الإقليمية، وانعكاسات التعددية القطبية على أولويات القرار. وهكذا، تقف القدس بين ثقل الميراث التاريخي وضغط التحولات السياسية، تنتظر لحظة توازن تعيد لها موقعها الطبيعي بوصفها مدينةً جامعة، لا ساحة صراع، وفضاءً للسلام، لا عنوانًا للانقسام.
لم تعد القدس في سياقها المعاصر مجرد مدينةٍ تقع في قلب الصراع، بل غدت معيارًا يُقاس عليه اتجاه التاريخ، وبوصلةً تحدد مسارات التحول في الإقليم والعالم. فهي لم تكن يومًا قضية جغرافيا بقدر ما كانت قضية معنى، ولا مسألة حدود بقدر ما كانت مسألة هوية وشرعية ورواية.
في ظلّ المتغيرات الدولية المتسارعة، تتبدّى القدس اليوم بوصفها نقطة ارتكاز في إعادة تشكيل موازين القوى، حيث لم يعد الصراع عليها محصورًا في إطار عربي–إسرائيلي تقليدي، بل أصبح جزءًا من هندسة سياسية أوسع، تتداخل فيها المصالح الكبرى، وتُعاد من خلالها صياغة التحالفات وفق منطق النفوذ لا المبادئ…لقد فرضت التحولات في النظام الدولي، مع تراجع الأحادية القطبية وصعود تعددية ملتبسة، واقعًا جديدًا انعكس مباشرة على مكانة القدس. فالولايات المتحدة لم تعد اللاعب الوحيد القادر على فرض رؤيتها، فيما تسعى قوى أخرى كروسيا والصين إلى توسيع حضورها في الشرق الأوسط، ليس انطلاقًا من مركزية القضية الفلسطينية، بل من بوابة المصالح الاستراتيجية. وهنا، تتحول القدس من رمز ديني وتاريخي إلى ورقة ضمن لعبة أمم تتجاوز حدود الإقليم.
على المستوى الإقليمي، لم تعد المواقف تجاه القدس على نسقٍ واحد. فالتباين في أولويات الدول العربية، بين من يرى في الاستقرار الداخلي أولوية قصوى، ومن ينشغل بإعادة تموضعه في معادلات الإقليم، أضعف من مركزية القدس في القرار السياسي العربي. وفي المقابل، نجحت إسرائيل في استثمار هذا التباين لتعزيز واقعٍ ميداني جديد، يقوم على فرض السيادة التدريجية، وتغيير معالم المدينة ديموغرافيًا وجغرافيًا.
غير أن القدس، رغم كل ذلك، لم تفقد قدرتها على إعادة إنتاج ذاتها كقضية جامعة. فهي لا تزال تختزن في وجدان الأمة العربية والإسلامية معنى الانتماء، كما تملك من الرمزية ما يجعلها قادرة على كسر الاصطفافات وإعادة ترتيب الأولويات عند كل منعطف حاد. وهذا ما يفسر بقاءها حاضرة في لحظات الانفجار الشعبي، حتى حين تغيب عن حسابات السياسة الرسمية…
في هذا السياق، يبرز الدور الأردني بوصفه أحد أعمدة الثبات في معادلة القدس. فالرعاية الهاشمية للمقدسات لم تكن يومًا مجرد التزام تاريخي، بل تمثل إطارًا قانونيًا وسياسيًا يحفظ هوية المدينة ويمنع انزلاقها الكامل نحو واقع مفروض. كما
أن هذا الدور يعكس فلسفة أعمق في إدارة الصراع، تقوم على حماية الثوابت دون الانجرار إلى مغامرات غير محسوبة.
إن قراءة القدس في ظل المتغيرات تفرض علينا تجاوز المقاربة التقليدية التي تكتفي برصد الأحداث، نحو فهمٍ أعمق لبنية التحول ذاته. فالقضية لم تعد فقط في ما يحدث داخل
المدينة، بل في كيفية توظيفها ضمن استراتيجيات كبرى
تعيد تشكيل الإقليم. وهنا، يصبح السؤال الجوهري: هل تبقى القدس موضوعًا للصراع، أم تتحول إلى أداة في هندسته؟
وستبقى القدس أكثر من مدينة وأكثر من قضية وتشكل اختبار دائم لوعي الأمة وقدرتها على تحويل الرمز إلى مشروع، والتاريخ إلى فعل، والانتماء إلى سياسة. وفي زمن المتغيرات الكبرى حيث لا تُقاس قيمة القدس بما يُفرض عليها، بل بما تمثله في الوجدان، وبما يمكن أن تُنتجه من مستقبل، وهذا ما جعلها “بوصلة التوجه وعنوان الحل” من منظور محاضرتي فى ندوه مهرجان جرش الثقافي وهو يسلط الضوء على القدس عبر ندوة ثقافيه فى المكتبه الوطنيه تحمل عنوان القدس فى ظل المنغيرات .
من ندوة القدس فى ظل المتغيرات
مهرجان جرش الثقافي