وصفات الخبراء وثوابتهم د . راشد الشاشاني

 

حديثنا لا ينطبق على مجال دون غيره ، إنّه يمتدّ إلى مناحي الحياة جميعها ، حتى الأحاسيس .
حين تتعامل مع مشكلة ما ؛ تجد نفسك امام اضطرار اللجوء إلى مُعين يرشدك إلى ما ينبغي فعله ، بالطبع هذا هو الواقع ، لكنّنا نُنكر إطلاقه ؛ من حيث أنّ هناك فعلاً من يُعينك ، او يمكنه تحديد مشكلتك وبالتالي حلّها . هذا الأمر يُعيد فكرة الخبير أمام ملامح تفكيرنا بمجموع قواعد ” الخبرة ” أو التعاليم عموما مهما كان مصدرها .

كثيرة تلك القصص التي تحدّث الناس فيها عن حلّ أزمة استفحل تعقيدها ، بسرّ بسيط أخرجه إلى العلن شخص ما ، سواء في سياق مدح وتلميع هذا ” الخبير ، العارف ، المتنبيء ، .. الخ ” او في سياق تسويق فكرة بغرض آخر ، ربّما التشجيع . ليس هذا ما نريد قوله ؛ إنّما هي الفكرة التي تراود كلّ الناس حول جدارة أيّة فكرة _ مهما كانت قداستها _ بحل مشكلاتهم . سيّما عندما يتسائلون ؛ في ذوات أنفسهم :
أين ذهب التزام معايير وصفة ما وقد حصل ما كنّا نخشاه ؟
أين ذهب التحوّط في عدم ظلم إنسان كي لا نُظلم وقد ظُلمنا ؟
أين ضاعت أيّام استهلكها التفرّغ للدعاء ولم نجد نتيجته ؟
كيف حدث عكس ما توقّعته لنا أبراجنا ؟
كيف فُسّر المنام بعكس تاويله ؟
لماذا سرنا في خطة نجاح فلان ، ولم نصل إلى ما وصل إليه ؟

إلى آخر هذه الأسئلة التي لا آخر لها . ما يمكننا فعله : هو الإجابة على سؤال يُعفي الناس من متابعة أسئلة كهذه ، الأهمّ من ذلك يُعفيهم من متابعة من يسوقهم إلى أوهامهم تلك . السؤال هو : هل يمكن وضع قاعدة ؟
أو بتعبير أوضح ؛ هل يمكن صياغة حكم واحد لكلّ الناس في ذات الحالة ؟

مثلاً : هل يمكن تحديد مصير ملايين الناس ، وما سيحدث معهم في ذات اليوم ؛ وفقا ل (12) مساقاً ؛ هي عدد الأبراج التي يتابعها هؤلاء يوميّاً .
حين تعرف أنّ احوال شخص واحد من هؤلاء ، وفي يوم واحد ، بل في ساعةٍ واحدة ؛ تتغيّر مرّات ومرّات ، يمكنك استنتاج : أنّ شيئاً كثيراً من الجهل وراء الاعتقاد بهذه القاعدة ، لا يعني هذا أن لا قيمة لها ؛ فقد تكون موجّها لأمر ما ، لكنّك غِبتَ عن الأمرين معاً ، ما قلته عن الأبراج ينطبق على كل قواعد الدنيا ، حتّى السماويّة منها . بالنسبة لأهميّة التوجيه : فقد تجد في كلّام العرّافة ما لا تجده في كلّ مواعظ الدنيا وواعظيها .
قصص الصبر مثلا : تنتهي عند جميع قاصّيها بالفوز ، التعويض ، أخذ الحقّ … الخ ، لكنّها في الحقيقة لا تأتي بكلّ هذا ، بل تنتهي بالبؤس ولعنات الشؤم ، إنّها لا تُضيف للقوي إلّا قوّةً ، وللضعيف إلّا ضعفاً وهزالاً وتسليماً للقويّ .

غير ذلك من الأمثلة كثير : ما تَفعَله مسرحية تراكم الأحداث هذه هو : ولادة قصّة هجينة ؛ تَخدِمُ الحالةَ الراهنة ؛ التي تحكم ظروف سرد القصّة . لكنّ هذا لا يكفي لأخذها مفعولها ، بل ينبغي لها الإقتران بِفَهمِ المتلقّي لها ، هذا الإقتران يولّد حالةً جديدةً من التوالد المسرحي هذا ، هذه الحالة بمجموعها : الأوّل والثاني ؛ هي أيضا مشهدٌ جديد .

هذا المشهد يولد اختلافاتٍ عدّة بين كلّ متلقٍّ وتعامله مع القصة ، بل بين متلقٍّ واحد والقصّة على امتداد زمان وَصلِه بها وتغيّر فهمه لها .

إذاً ؛ كيف يمكن لقصّة ، موعظة ، وصفة ، … الخ أَن تحدّد شكل المشكلة ، وأن تضع تبعاً لذلك حلّها ، ولا تنسى أنّ ظاهرةً كهذه ؛ تجعل مستحيلاً معها السماح لحلٍّ واحدٍ بمواءمةِ أَكثَرَ من مشكلة ، بل ذات المشكلة في أكثر من لحظة .

مثالٌ تطبيقيّ أوّل : لا يخفى على أحدكم كيف يستجيب شخص لعلاجٍ دوائيٍّ ما ولا يستجيب آخر ، بل ذات الشخص لا يستجيب لذات الدواء في وقت آخر .

فكّر في عدم الإستجابة من هذه الزاوية ؛ فالكلّ يُخطئ حين يُبرّر ذلك بتقدّم العمر ، العمر لا يتقدّم ؛ بل تتغيّر المراحل ، أنت : طفلٌ ، شابٌّ ، وشيخ في ذات اللحظة ؛ وفقا لنظريّتنا في ” وحدة الزمن “.

مثالٌ تطبيقيٌّ ثانٍ : فشلت كلّ وصفات خبراء الأسرة ، علم الاجتماع ، النفس ، الجريمة ، التنمية البشرية …. الخ . في حماية الأسرة ضدّ أزماتها الاجتماعيّة ، بالذات تلك التي تحكم ربّ الأسرة بزوجته من جهة ، وبأبنائه من جهة ثانية . ففي حين تركّزت كل الجهود حول صياغة قاعدة اقتصاديّة يُمكنها نسبِةُ المشكلة إليها وحلّها مع اجتياز مفاصلها ، أو أخرى إجتماعيّة ؛ وتفكيك التصادم بين عناصرها ، أو قاعدةٍ ثقافيّةٍ يمكن إزالة متاعبها …. الخ .

غابت كل هذه الدراسات عن أصل هويّة الوجود ؛ وهي ” الحريّة ، التي نحدّد إطارها في مسار بحثنا هذا بالإجابة على سؤال مفاده : كيف يكون الشخص هنا حرّاً وعبداً في آنً معاً ؟
هذا ؛ علاوة على أنّها _ أي الدراسات _ جَهلت بإمكانيّة حصر كلّ هذه المشكلات ضمن قاعدة .

إذا أردنا تحديد فهمنا بشكلٍ أدقّ ؛ يمكننا الإطلال على هذه الزاوية من جهة العمل في إطار الأسرة ، فكيف لربّ الأسرة أن يكون خاضعا لأوامر ودهاليز إرضاء رئيسه ؛ في ذات الوقت الذي يفرض فيه سيطرته ، المنعكسة عن وَضع الخضوع هذا ؛ بطريقةً تنقلب فيها إلى محاولةِ ربِّ الأسرةِ _ دون أن يشعر أحياناً ولو حاول تجاوز ذلك _ تقمّص دور الرئيس ؟
تزداد صورة القاعدة هذه تعقيداً ؛ حين تكون المرأة عاملة كذلك ، بل وتزداد حين تعجز عن إطلاق حكمها على أشخاص الأعمال الحرّة وعلاقتهم بأنفسهم أو بغيرهم من الفئات.
ما يعني بحثنا في هذه الصور ؛ تلك الروابط بين كلّ القواعد السابق الإشارة إليها ، ومحاولات الناس _ من كلّ الفئات _ التفلّت منها في صورة التزامها ، بمعنى الإستعانة بها في كلّ مرحلة وعند كلّ لحظة تتغيّر فيها المصلحة .

من هذا المنظور ؛ هل ننتهي إلى فكرة مفادها أن القواعد تكذب أم أنّها هي الكذب ذاته ؟
حتى تلك التي يُقال أنّها صادقة أو ثابته أو أنّها الحقيقة ، لا يُمكنها التفلّت من حصارنا هذا .