،جارتنا الصغيرة.. سعيد ذياب سليم

أثناء موجة الحر —في يوليو الماضي— ماتت جارتنا الصغيرة، جارتنا اللطيفة التي تعلقت بها قلوبنا وأثار سلوكها الغريب فضولنا.
لم نكن نعرف يومها أننا سنفتقدها.
دخلت بيتنا ذات يوم زائرة رقيقة، استقرت في غرفة ابنتي. تعيش في وعاء زجاجي صغير، فيه القليل من الماء، ونخلة بلاستيكية، وفي زاوية منه بعض الحصى. سلحفاة نهرية صغيرة.
أثار وجودها ضجة صغيرة في البيت، وفتح بابًا من الأسئلة بين أفراد العائلة. انهالت عليّ أسئلة أحفادي، فأدرت معهم عصفًا ذهنيًا صغيرًا، انتهى بأن قررت إخراجها من وعائها، ظانًّا أنها لا تختلف عن السلاحف البرية. فنحن جيل حكاية السلحفاة والأرنب.
حملتها، وكلي طمأنينة، ووضعتها على كفّي… فانطلقت بسرعة!
سارعتُ إلى وضع كفّي الأخرى، وصرتُ أُبدّل بينهما، وهي تنتقل من كفّ إلى أخرى؛ كأنها تخوض سباق تتابع، أو تعدو على شريط متحرك.
ارتفعت ضحكات الأطفال الصاخبة، لا تخلو من خوف، فرأيت أن أعيدها إلى الوعاء ليعمّ السلام في قلوب الجميع.
بعدها لم أحاول إخراجها مرة أخرى. لكنني كنت أشعر بالشفقة لحالها؛ كانت في وعائها الزجاجي الصغير أشبه بسجين في زنزانة انفرادية.
كانت ابنتي تقدم لها حبيبات من طعامها الخاص، عبر فتحة صغيرة في أعلى الوعاء. وكانت السلحفاة تتريث قليلًا قبل أن تتجه إلى طعامها. هل كانت تتأكد من عدم وجود خطر؟ أم كان حياؤها يمنع انطلاقها؟
لكنها، بعد أن اعتادت وجودنا، صارت تسارع إلى تناول وجبتها.
كنت نادرًا ما أراها في الماء، لكنها تمكث في زاوية محددة من الوعاء، أو تجلس على قمة النخلة البلاستيكية. هل كانت تتلمس تيار هواء يدخل من الفتحة الصغيرة؟ أم كانت تبحث عن مكان مرتفع تكون فيه قريبة من السماء؟
كنت أفكر فيها دائمًا على أنها «هي»، مع أنني لم أعرف يومًا إن كانت أنثى أم ذكرًا. ثم أبتسم من غرابة الأمر؛ كيف استطاع كائن صغير، دخل بيتنا في صندوق هدية، أن يحتل هذا الحيز من أفكارنا؟
مع الأيام أصبح تنظيف وعائها جزءًا من برنامج البيت. كنا نغيّر ماءه كلما تعكر، ونغسل الحصى، ونمسح الزجاج من الداخل والخارج. وإذا تأخرنا يومًا، انبعثت منه رائحة تنبهنا إلى أن جارتنا الصغيرة لم تعد تحتمل الإهمال.
وحين اشتد الحر في يوليو، لم يخطر ببال أحد منا أن تلك الأيام ستكون الأخيرة في حياتها. كانت نباتات الزينة في البيت تذبل واحدةً تلو الأخرى، لكننا لم نربط بين الأمرين. كنا نزيد الماء، ونغلق النوافذ تارة، ونفتحها تارة أخرى، ونظن أننا نفعل الصواب.
ثم جاء الصباح الذي وجدناها فيه ساكنة على غير عادتها.
لم يكن في جسدها الصغير ما يشي بما حدث. لا أثر لجرح، ولا علامة يمكن أن تفسر رحيلها. وقفنا حول الوعاء صامتين. لم يبك أحد، ولم نقم لها وداعًا يليق بمخلوق عاش بيننا أكثر من عام. أفرغنا الوعاء، وواريناها بعيدًا، ثم عدنا إلى أعمالنا كأن شيئًا لم يكن.
لكن شيئًا كان قد تغير.
بقي الوعاء الزجاجي في مكانه، فارغًا إلا من النخلة البلاستيكية التي لم يعد أحد يتسلقها.
وكلما وقع بصري عليه، تساءلت: هل أخطأنا في حقها؟ هل كانت تحتاج إلى وعاء أكبر؟ إلى طبيب بيطري؟ أم ربما كانت تحتاج إلى رفيق يشاركها وعاءها؟ كنت أفكر أحيانًا: هل كان عليّ أن أنشر صورتها كإعلان عن علاقة جادة؟ ثم أتراجع؛ فقد أكون أخلط بين احتياجاتها واحتياجاتنا.
أم أن يوليو وحده كان أقسى من أن يحتمله ذلك الجسد الصغير؟
لا أعرف.
ومنذ رحيل جارتنا الصغيرة، كلما مررت بذلك الوعاء، بدا لي كأنه ما يزال ينتظر ساكنه. وحين يطلب طفلٌ حيوانًا أليفًا، أتذكر ذلك الوعاء أولًا، قبل أن أتذكر السلحفاة.