باحث اقتصادي متخصص في شؤون الطاقة
في عالم يزداد انقساماً بين الولايات المتحدة والصين، أرى أن واحدة من أذكى المساحات التي تتحرك فيها السياسة الأردنية اليوم هي محاولة أن يصبح الأردن مكاناً يمكن أن تلتقي فيه مصالح القوتين الاقتصادية، بما يخدم المصلحة الأردنية أولاً.
ومن هنا أقرأ زيارة الدولة التي بدأها جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين؛ كحلقة في دبلوماسية اقتصادية أوسع يقودها الملك، هدفها تحويل الرصيد السياسي والاستراتيجي الذي راكمه الأردن طوال عقود إلى استثمار ومصانع وبنية تحتية وصادرات وفرص عمل. وفي حديثه قبيل الزيارة، وضع الملك بنفسه عناصر المعادلة: موقع الأردن وموارده وكفاءاته البشرية واستقراره وشبكة اتفاقياته التجارية، في مقابل القوة الصناعية والتكنولوجية والانتشار العالمي للصين.
ولعل أكثر ما يوضح هذه السياسة أن زيارة بكين تأتي بعد نحو أسبوعين من بدء تطبيق اتفاقية التجارة المتبادلة الجديدة بين الأردن والولايات المتحدة اعتباراً من الأول من آب/2026، لتضاف إلى اتفاقية التجارة الحرة التاريخية التي وقّعها الأردن في بدايات عهد الملك عام 2000، وكانت أول اتفاقية تجارة حرة تعقدها الولايات المتحدة مع دولة عربية. وفي عالم تعود إليه الحمائية والرسوم الجمركية، استطاع الأردن مجدداً المحافظة على معاملة تفضيلية مهمة في السوق الأميركية.
وهنا تحديداً تظهر قيمة التحرك نحو الصين: الأردن لا يملك ترف الاختيار اقتصادياً بين واشنطن وبكين، ولا مصلحة له في ذلك. مصلحته أن يستفيد من علاقته الاستثنائية مع الولايات المتحدة، ومن القوة الصناعية والاستثمارية والتكنولوجية الصينية في الوقت نفسه، ضمن قواعد واضحة تحمي شراكاته ومصالحه الوطنية.
الأرقام تقول إن أمامنا فرصة ضخمة، لكنها تكشف أيضاً الخلل الذي ينبغي تصحيحه. ففي عام 2025 بلغت الصادرات الصينية إلى الأردن نحو 6.29 مليارات دولار، مقابل نحو 430 مليون دولار فقط من الصادرات الأردنية إلى الصين. وتمثل الصين نحو 20% من واردات الأردن، وهي أكبر حصة لدولة واحدة.
لذلك أعتقد أن جلالة الملك يذهب في هذه الزيارة نحو فكرة أعمق في العلاقة الاقتصادية مع الصين: استيراد المصنع الصيني نفسه؛ رأس المال والتكنولوجيا وسلاسل الإنتاج والخبرة، بدلاً من الاكتفاء باستيراد البضائع.
أن تأتي الشركات الصينية لتصنّع في الأردن، وتشغّل الأردنيين، وتستخدم الفوسفات والبوتاس والسيليكا والثروات والمواد الأولية الأردنية، وتبني صناعات تحويلية مرتبطة بها، وتستثمر في الطاقة والتخزين والنقل واللوجستيات والتكنولوجيا. عندها يتحول الأردن من سوق للمنتج الصيني إلى شريك في إنتاجه.
فالرهان ليس على زيادة حجم التجارة مع الصين بقدر ما هو على تغيير طبيعتها: من استيراد المنتج إلى استقطاب القدرة على إنتاجه.
وهنا يجب أن تكون المعادلة دقيقة: الأردن ليس بوابة للالتفاف على القواعد التجارية الأميركية، ولا ينبغي أن يكون كذلك. فالفرصة الحقيقية والأكثر استدامة هي إنتاج صيني بقيمة مضافة أردنية حقيقية: عمالة أردنية، وموردون محليون، ونقل للمعرفة والتكنولوجيا، واستخدام للموارد المحلية، ومنشأ مستوفٍ للقواعد، وصادرات قادرة على الوصول إلى أسواق المنطقة والعالم.
ولدينا اليوم نموذج يوضح كيف يمكن للدبلوماسية الملكية أن تتحول إلى مشروع على الأرض. فمشروع سكة حديد ميناء العقبة باستثمارات تقارب 2.3 مليار دولار ضمن الشراكة الأردنية الإماراتية سيقيم شبكة بطول نحو 360 كيلومتراً تربط مناطق إنتاج الفوسفات والبوتاس بميناء العقبة، بما يخفض كلفة النقل ويرفع تنافسية أهم ثروات الأردن التصديرية. والمشروع امتداد لإطار استثماري أكبر بقيمة 5.5 مليارات دولار جرى توقيعه بحضور جلالة الملك والرئيس الإماراتي.
وهذه هي الفكرة التي أعتقد أن الأردن بحاجة إلى البناء عليها مع الصين: أن نعرض الأردن نفسه كمشروع استثماري متكامل؛ ثروات على الأرض، وميناء في العقبة، ومشاريع نقل وربط، وطاقة متجددة، وموقع يتوسط أسواق المنطقة، واتفاقيات تجارية تفتح أسواقاً تتجاوز كثيراً حجم السوق الأردني، إلى جانب تقاطع الأردن مع مشاريع إقليمية للنقل والطاقة يمكن أن تعزز دوره كممر اقتصادي بديل في منطقة تتزايد فيها مخاطر الممرات التقليدية.
فقيمة الموقع الأردني تتضاعف عندما يتحول إلى طرق وممرات اقتصادية تخفض كلفة وزمن ومخاطر انتقال السلع والطاقة، وتربط الأسواق وسلاسل الإمداد في المنطقة.
نحن بحاجة إلى ذلك بشدة. فالنمو الحقيقي المتوقع للاقتصاد الأردني في 2026 يدور حول 2.7%، فيما لا تزال البطالة بين الأردنيين عند مستويات تتجاوز 21%. وهذه الأرقام تقول إن الاستقرار، على أهميته، تزداد قيمته الاقتصادية عندما يتحول إلى استثمارات وإنتاج وفرص عمل وصادرات وإيرادات، ويمنح الدولة مساحة أكبر لتقليص العجز ووضع الدين على مسار أكثر استدامة.
فالمصنع يوظف العمالة ويخلق حوله سلسلة من الموردين والنقل والخدمات والتجارة. والمشروع الاستثماري الكبير يرفع الطلب على الشركات الأردنية، ويزيد الصادرات، ويولد دخلاً جديداً، ويرفع إيرادات الدولة، ويمنحها قدرة أكبر على التعامل مع العجز والمديونية.
ما يلفتني في رؤية جلالة الملك هنا هو محاولة استثمار ما يملكه الأردن فعلاً. فنحن لسنا دولة نفطية، ولا نملك سوقاً بمئات الملايين، لكننا نملك شيئاً آخر له قيمة كبيرة في هذا الإقليم الملتهب والعالم المضطرب: دولة مستقرة، وموقعاً استراتيجياً، وثروات قابلة للتصنيع، ورأس مال بشرياً مميزاً، وعلاقات دولية نادرة في اتساعها وتوازنها.
والسياسة الذكية هي تحويل هذه المزايا السياسية والجغرافية من رصيد للدولة إلى أصول اقتصادية منتجة.
لهذا أعلّق شخصياً آمالاً كبيرة على زيارة الصين. وقياس أثرها سيكون بقدر ما سنراه على الأرض: كم مصنعاً سيقام؟ كم استثماراً سيبدأ؟ كم أردنياً سيعمل؟ وكم معرفة وتكنولوجيا ستنتقل إلى الأردن؟
وكم دولاراً سنوفر على الأردن عبر تقليص الاستيراد، وكم دولاراً سيدخل من الإنتاج والتصدير؟
هنا يصبح معنى الدبلوماسية الاقتصادية مختلفاً.
أن يكون الأردن صديقاً لواشنطن وشريكاً لبكين، وأن يحوّل جلالة الملك المكانة السياسية بين الكبار إلى قوة اقتصادية يشعر بها الأردني في دخله وعمله وحاضره ومستقبله.
وهذا، في تقديري، هو الرهان الأهم في زيارة جلالة الملك إلى الصين.