سنتحدّث عن ” التغييب ” أو في أحد معانيه التخدير التي تشير إلى مغادرة الواقع وفقا للمفهوم التقليدي للواقع ، ليس فقط التخدير الطبي ، الذي يعدّ واحداً من تطبيقات هذه النظريّة ، بل كلّ ما يمكن تصنيفه ضمن حالة الاستعانة بتجاوز الألم ، الألم لا ينتج عن ضربة أو جرح جسدي فقط ، بل أشدّ منه هو ذلك الناتج عن ضربة أو جرح نفسي ، يُصيب الشعور ، لكن في هذا الأخير المقصود منه يفوق غير المقصودة حدّةً ؛ خلافاً للألم الجسدي.
بناء على ما تقدّم تكون كلّ وسائل رفع الألم أو إلغاء الإحساس به ” التغييب ” ضمن نطاق حديثنا ؛ وهي تشمل : المواد المخدّرة ، سواء أكانت لغاية طبيّة أم غيرها ، الأدوية ، المشروبات على أنواعها ، حتى الخيال والأفكار ، بل والأحلام أيضا ، نقصد أحلام التخطيط للمسقبل وأحلام النوم معاً ، لن نتحدّث عن سبب حصول الألم هنا ، فهو ذو نطاقٍ مستقلّ ، سنبدأ من مرحلة ما بعد حدوثه ؛ فهو قد حدث وانتهى الأمر ، ما علينا هو تجاوز قسوة معايشته .
في كلّ صور ” التغييب ” التي تحدّثنا عنها ؛ يسعى الإنسان ذاته أو من يتعامل معه إلى إزاحة التدبير العقلي من مرحلة إلى أخرى ، المرحلة الراهنة لا تكون صالحة لاتخاذ قرار ما ، يريد عقل الإنسان الانفصال عن مداهمة الألم ؛ ليقرّر بعد ذلك البحث في سببه وفي كيفيّة التعامل معه .
ينبغي علينا الانتباه إلى أنّ هذه الأحوال كلّها : خروج المريض من عمليّته الجراحيّة وانتهاء مفعول التخدير ، خروج المصدوم من صدمته الأولى وانتهاء فكرته حولها ، انتهاء موقف الذهول وهدوء ما بعده ، ابتعاد الحدث النفسي مدّة من الزمن …. وهكذا . كلّ هذه الحالات كانت كفيلة بخلق تراكم مرحلي بين الفترة السابقة وتلك اللاحقة . أهميّة هذا التفريق ليست في العودة إلى الحالة السابقة للصدمة أو الضربة أو غيرها ، فالعودة هذه باتت مستحيلة في كلّ حال .
غير أنّ أهمية مراقبة هذا التراكم المرحليّ ، تعني : أنّنا أمام حالة جديدة ؛ تختلف عن تلك الحالة التي كان من المفترض أن تكون راهنة ؛ فيما لو لم تحصل هذه الصدمة ، الضربة ، المرض … الخ . بمعنى : تغيّر مسار الحياة تماماً ، بما يفرضه هذا من تغيير في حسابات الشخص ذاته ، ومَن هم حوَلَه أيضا ؛ في التعامل مع ظواهر الدنيا ، ومع الآخرين كذلك .
من أمام صورة الجديد الغريب ؛ هذا يتعيّن علينا إدراك أن هناك تراكماً آخر ؛ بدأ منذ لحظة الهروب نحو ” التغييب ” بل هناك مرحلة أخرى يجب أن ينتبه لها الجميع ؛ سابقة على مرحلة الهروب هذه ، وهي : مرحلة التساهل ، أو التقبّل لحدوث أمر ما مع ترجيح عدم حصوله , هذا يعني أن الانسان تصوّر سابقا ، في واحدةٍ من حالات هذه التركيبة ؛ أنّ ألماً ما بات على مشارف ذاته ، لكنّه ظل يلوذ براحة ما ، أو حلاوة ؛ أبقَتهُ أسيراً لترجيح عدم حصول الألم .
التصوّر بحد ذاته تحوّط تحطّمه الذات حين تذهب إلى ” تغييب تمهيدي ” وهي ترجّح طَرحَ المخاوف ، أو تقلّل من شأن تأثيرها ، الأمر قد يختلف في حالة عدم تصوّر الألم السابق هذا لكنّه يتّحد معه في أنّ رسالة من نو ع ما وصلت إلى هذا الشخص لكنّه تجاهلها لمرّات ومرّات ، قد يتخّذ الجهل وضعف الخبرة شكل ” عدم التصوّر” لكنّ فارقاً بين الحالتين يكمن في خطورة الإرتداد الذاتي على النفس ؛ بحيث تُعاقب النفس ذاتها في ” التغييب التمهيدي ” لعلّة تقصيرها بحق ذاتها ، سيّما مع تحذيرها ، بينما تجد في الثانية ملاذا ،ً قد تبحث فيه عن ذريعة تساعدها في القفز مرّة أخرى في مسار ” التغييب “.
إذا عُدنا إلى مرحلة الهروب بعد حدوث ، الألم نجد : أنّ طريقاً طويلاً ؛ يسير مبتدئا من عندها ، يمكن تقسيمه إلى مراحل ؛ تبني بعضها فوق البعض الآخر ، بما يعني : أنّ بناءً جديداً في حياة الإنسان قد بدأ تشكّله ، وهو يعني بالضرورة تغييراً في ذاته ، نفسيّته ، بل شكل جسده حُكماً .
في تقسيمات هذه المرحلة ؛ التي تبدأ بالتعامل مع ” المغيّبات ” من أجل تغييب قدرة الإحساس بالألم ؛ تمرّ بعد مرحلة التفكير بالتعامل معه وما يحتضنه من تردّدات تعني : اتخاذ قرارات لم تكن في تصوّر صاحبها قبل ذلك ؛ لتضاعف هذه الذات مغامرَتها حين تقرّر التعامل ، أو حتّى عدم التعامل مع هذه ” المغيّبات ” ، مروراً بأزمة نتائج اتخاذ أحد هذين القرارين ، وردّة فعل الذات والآخرين تجاه ذلك ، لن تنتهي عند حد إنهاء حالة التعامل هذه ، أو أثر القرار بعدم التعامل .
نقف مباشرةً عند حالة العودة من رحلة المتاعب هذه ؛ لنجد أنّ الشخص قد وصل إلى حدّ اللّاعودة ، هذه اللّاعودة مستحيلة في كلّ الأحوال ، لكنّها تحوز هنا شكلاً غريباً ، تعني هذه الغرابة في واحدةٍ من صورها : أنّ سير هذا الشخص لم يكن كغالب أقرانِه ، وهو على ذلك يعني : أنّ التعامل معه ، وتعامُلَهُ هو معهم ، ومع غيرهم ؛ لن يكون اعتياديّاً ، لاحظوا أنّ اعتياديّا لا تعني بالضرورة موفّقاً ” صحيّاً عند غيرنا ” فقد يكون العكس تماماً ، بمعنى أنّ الأكثر صحّة هو ذلك الذي نتحدث عنه لا غيره .
حالة اللّاعودة هذه تحتّم في نتائجها : أنّ التراكم الذي تسبّبت به مراحل التقسيم السابقة ؛ صوّرت شخصاً جديداً لم نكن نعرفه من قبل . يعني هذا بالضرورة : أنّ هذا الشخص ذاته تصوّر شخصاً واحد على الأقل بصورة غير تلك التي تأمّل أن يراه فيها ، هنا انتبهوا أنّنا قلنا : ” تأمّل ” هذا يقودنا إلى الحديث عن الانطباع الأوّل الذي يطبع صورة فوريّة لدى الشخص عمّن يرتبط به بعلاقة ما ،مهما كان نوعها أو مستواها ، حتى ولو كانت شراءً من بقّالة ؛ هذه اللحظة يرى فيها الشخص وجها يراه عند الخيبة ؛ التي يرى فيها وجهه في عين من رآه أوّل مرّة ، نسي بعدها انطباعه الأول أو ربّما نسياه كلاهما لكنّه كان حاسماً ” حقيقيّا ” .
أخيراً عليكم أن تعلموا أن صورة الشخص التي تغيّرت عند ” صاحب الضربة أو الصدمة ” لا تتغيّر وحدها ، بل تتغيّر معها الأماكن والتفاصيل المرتبطة بذلك الشخص وكل ما يمكن أن يشبه تفاصيله ومتعلّقاته ولو كانت ممّا يكره ، وهي أمور لا يمكن لعدٍّ أن يُحصيها ، من هنا تبدأ فكرة الثورة عموماً ” الثورة كأصل على الخضوع لسيطرة ما ” .
أخيراً ؛ ينبغي التذكير بأنّ كلّ مخلوق يتعامل مع هذا النوع من ” الغيّبات ” رغما عنه ؛ فهو يفعل ذلك على الأقلّ في نومه ، النوم واحدة من حالات ” غيبوبة الذات ” على أن لا تعني الغيبوبة انفصالاً عن الواقع أو الدنيا ، أو أن تعني : أنّها من الخيال أو تُشابهه ، على أساس من أنّ الخيال نقيض للواقع ، الأمر ليس كذلك .
من هنا راقبوا وأنتم تستغربون كلام مفسّري الأحلام ؛ الذين لا نقرّ لهم عملهم هذا ، كيف تحيا تفاصيل مناماتكم في داخلكم دون أن تفهموا مرماها ؛ إلّا قليلا وربّما بعد زمن . قد يقود إلى فهمٍ كهذا ” تغييب مرادف ” قد يتخّذ شكل اتخاذ قرارات ، يكون الهدف منها الهروب من الراهن ، لا تحقيق النتيجة الأولى ، التي كانت تهدف إليها خطة السير الأصلية ، هذا ينطبق على كلّ آلام النفس مهما كان مصدرها ، هذه الآلام قد تأخذ شكل الحنين والإشتياق .