برز في تاريخنا كثير من العلماء العرب في مختلف المجالات، وأهمهم من برز في العصر العباسي، حيث كانت بغداد عاصمة العالم المتحضر والمتعلم، ومن بعدها قرطبة الأندلس، حيث برز عدد من العلماء والفلاسفة العرب، لذلك لا يمكن أن نتهم العقل العربي بأنه عقل بياني عرفاني أدبي، لا عقل علمي برهاني سببي.
فالعلم في حد ذاته تجريبي برهاني، يحافظ على النزاهة العلمية وعلى دقة وصارمة علمية، لا تقبل بالخرافة ولا بالغيبيات.
لم يستمر الخط العلمي الذي انتهجه نخبة من العلماء في الحضارة العربية الإسلامية، بل تعرض للهجوم والاستبداد الديني الذي حرمه من الاستمرار في التقدم والازدهار، فقد تعرضت الحاضنة المجتمعية العلمية إلى التقلص والاندثار تحت وطأة الجهل والتراجع الحاد لمكانة العقل، فحل بدل ذاك التفكير العلمي الدقيق والمنظم تفكير ديني دوغمائي تعصبي الطابع والتوجه.
من جراء هذا الإهمال لمكانة العقل العلمي، لم يدخل ولم يتعرف الوطن العربي على الثورة العلمية الحديثة التي بدأت مع كوبرنيكس وغاليليو وكبلر ونيوتن في القرن السادس والسابع عشر في أوروبا، ولم يشهد نتائجها العلمية والصناعية والعسكرية، ولم يتبنَّ المنهج العلمي التجريبي الجديد الذي انتهجته أوروبا مع الثورة العلمية، لذا بقي هذا العالم في سبات عميق لا يعرف شيئاً عما حدث في العالم، ولا ما حدث من تطور كبير في العلم، إلا بعد أن أيقظت مدافع نابليون مصر والعالم العربي من نومه الطويل في نهاية القرن الثامن عشر، فوجد هذا العالم نفسه متخلفاً عن العالم، وعن مسيرة الحضارة الإنسانية، وعن العلم، وعن العقل نفسه الذي شيد حضارة جديدة سميت بالحضارة الحديثة.
حاول العقل العربي إبان استيقاظه أن يلتحق بمسيرة الحضارة الإنسانية، مع مبادرات قام بها محمد علي باشا في مصر بإرساله بعثات علمية وعسكرية إلى فرنسا بالذات، محاولاً أن يبني دولة حديثة، إلا أن كثيراً من العقبات اعترضت طريقه، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي، ووقفت السلطنة العثمانية وحلفاؤها من الدول الأجنبية دون طموحاته، ولم يستطع إنجاز ما حلم به من تحديث لمصر وللعالم العربي.
إلا أن أخذ بعض المفكرين العرب من رواد النهضة المبادرة الشخصية للقيام بنهضة أدبية وإصلاح ديني وعلمي للعالم العربي، ومحاولة الالتحاق بالعالم الغربي، إلا أن العقل العربي بقي قاصراً عن استيعاب التقدم العلمي الكبير الذي حققته أوروبا في أربعة قرون متلاحقة، أكسبتها القوة العسكرية والتحكم بمصير الأجزاء الأخرى من العالم، ومنها الوطن العربي، بل إنها ذهبت بعيداً في غطرستها العسكرية بحيث استعمرت أجزاء كبيرة من دول العالم.
حققت النهضة العربية التي بدأت في أواسط القرن التاسع عشر بعض الاختراقات والإصلاحات الحديثة، ولكنها لم تستطع نقل العالم العربي إلى مرحلة جديدة تماماً، بل بقي التقليد والعقلية القديمة والجهل والتعصب الديني وما قبل العقلية العلمية هي المسيطرة على أجزاء كبرى من العالم العربي.
ومع ذلك لم يستطع العالم العربي تجاهل وسائل الحداثة ومنتوجاتها في القرن العشرين، فدخلت إلى هذا العالم تلك الوسائل الاستهلاكية من منتوجات الحداثة، وطورت نوعية الحياة في العالم العربي، ولكنها لم تطور العقل ذاته الذي استهلك الحداثة، ولكنه لم ينتجها، ولم يدخل إلى عمق الأسباب التي طورتها، ولم يعرف تماماً العقل العلمي الذي أنتجها.
لا يشكو العقل العربي من خلل عضوي، ولا يمكن أن يكون قاصراً عن استيعاب العلم ولا المنهج العلمي، بل هو عقل مثل باقي العقول البشرية، قادر على اكتساب المعرفة الحديثة والمنهج العلمي، إلا أننا نعرف أن الظروف والتأثيرات المجتمعية والسياسية هي التي تؤسس وتحرض العقول على الإنتاج العلمي، إن العلم إنتاج مجتمعي لا فردي، ترعاه المؤسسات والدولة نفسها، لتكون جماعات علمية قادرة على هضم العلم وإنتاجه، للأسف لم يصل العالم العربي حتى اليوم إلى اتخاذ القرارات السياسية الحازمة في سبيل التأسيس ورعاية هذه الجماعات العلمية الوحيدة القادرة على الالتحاق بالركب العلمي والتكنولوجي الحديثين المعاصرين.
هل هناك وسيلة أخرى للترقي والتقدم سوى العلم في العصر الحديث؟ الجواب “بلا” قاطعة، كيف ننتظر نحن العرب وعلى ماذا يراهن حكامنا إذا لم نتخذ من العلم نبراساً، ومن التكنولوجيا الحديثة وسيلة لتقدمنا وازدهارنا، لتتقدم مجتمعاتنا ودولنا وشعوبنا، نحن بحاجة إلى قرارات سياسية حازمة مدعومة من المجتمع لبناء قاعدة علمية قوية تساهم في تطوير حياتنا وتفتح لنا أبواب المستقبل، لنشارك الحضارة الإنسانية في إنجازاتها العلمية، والتي تبغي تطوراً ورفعة وخدمة البشرية كافة.
- د. جورج الفار