الأردن وفلسطين..شراكة استراتيجية في التنسيق والتعاون الثنائي د. سليمان عيسى جرادات

رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراة في الوظيفة العمومية / فلسطين

منذ عقود طويلة، شكلت العلاقات الأردنية–الفلسطينية نموذجًا متقدمًا للعلاقات القائمة على وحدة التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك، وترسخت بين الشعبين الشقيقين روابط عميقة تجاوزت الأبعاد السياسية والرسمية، لتشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإنسانية ، وقد بقيت القضية الفلسطينية في صميم الموقف الأردني، باعتبارها قضية مركزية لا ترتبط بالفلسطينيين وحدهم، وإنما بأمن واستقرار المنطقة ومستقبلها.

وقد حرصت القيادتان الأردنية والفلسطينية ممثلة بجلالة الملك عبد الله أبن الحسين والرئيس محمود عباس على المحافظة على قنوات التواصل وترسيخ التنسيق المستمر، وتعزيز العلاقات الثنائية بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين، ويعزز الموقف العربي الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين.

وتبرز أهمية العلاقات الأردنية–الفلسطينية بصورة أكبر في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات سياسية وأمنية متسارعة، وما تواجهه القضية الفلسطينية من تحديات متزايدة، وقد كان الأردن، على الدوام، حاضرًا في مختلف المحافل الإقليمية والدولية للدفاع عن الحقوق الفلسطينية، ورفض الإجراءات الأحادية التي تهدد فرص السلام، والتأكيد على ضرورة وقف التصعيد والانتهاكات اليومية بحق المواطنين الفلسطينيين وحماية المدنيين وإنهاء الاحتلال وفق المرجعيات الدولية.

ان موضوع القدس يمثل مكانة محورية في العلاقات الأردنية–الفلسطينية، لما للمدينة المقدسة من أهمية دينية وتاريخية ووطنية، ولما تمثله من جوهر القضية الفلسطينية، ويؤكد الأردن بقيادته الهاشمية باستمرار أهمية الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والدور الذي تضطلع به المملكة في رعاية المقدسات، بما ينسجم مع مكانة المدينة وخصوصيتها.

إن العلاقة بين الأردن وفلسطين لا تقتصر على التنسيق السياسي، بل تمتد إلى مجالات اقتصادية وتجارية وتنموية متعددة، الأمر الذي يفرض العمل على توسيع آفاق التعاون ورفع مستوى التبادل التجاري والاستثماري، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، بما يعزز قدرة الاقتصادين على مواجهة التحديات ويفتح فرصًا جديدة أمام القطاع الخاص في البلدين بالرغم من الظروف التي تعيشها القضية الفلسطينية .

وفي هذا السياق، فإن تطوير العلاقات الاقتصادية الأردنية–الفلسطينية يمثل ركيزة مهمة في بناء شراكة أكثر فاعلية، من خلال تشجيع الاستثمارات المشتركة، وتعزيز التعاون في القطاعات الإنتاجية والخدمية، والاستفادة من الإمكانات المتاحة لدى الجانبين، بما ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين ويدعم فرص التنمية والتشغيل.

ولا شك أن الموقف الأردني من القضية الفلسطينية يستند إلى رؤية واضحة تعتبر أن تحقيق السلام العادل والشامل لن يكون ممكنًا من دون تمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة ، ولذلك يواصل الأردن تحركاته السياسية والدبلوماسية للتأكيد على ضرورة إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، والحفاظ على حل الدولتين، باعتباره السبيل الأكثر واقعية لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة.

كما أن الأردن وفلسطين يشتركان في مواجهة تداعيات الأزمات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة، الأمر الذي يجعل استمرار التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي بينهما ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار دبلوماسي، فاستقرار الأردن يرتبط بصورة وثيقة باستقرار فلسطين والمنطقة، والعكس صحيح، وأي مقاربة للقضية الفلسطينية تتجاهل المصالح المشتركة والروابط التاريخية بين الشعبين ستبقى ناقصة وغير قادرة على إنتاج سلام مستدام.

وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية، تزداد الحاجة إلى موقف أردني–فلسطيني منسق، قادر على حماية المصالح الوطنية، وتعزيز الحضور العربي في المحافل الدولية، وحشد الدعم الدولي لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ، كما تبرز أهمية توحيد الجهود السياسية والدبلوماسية لمواجهة محاولات تهميش القضية الفلسطينية أو اختزالها في ملفات إنسانية وأمنية بعيدًا عن جوهرها السياسي المتمثل في إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

إن مستقبل العلاقات الأردنية–الفلسطينية مرهون بقدرة البلدين على تحويل عمق الروابط التاريخية إلى مشاريع وبرامج تعاون عملية ومستدامة، وأن تنتقل العلاقة من التنسيق في مواجهة الأزمات إلى بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، تشمل الاقتصاد والاستثمار والتعليم والثقافة والطاقة والنقل وغيرها من المجالات.

وفي المحصلة، فإن الأردن وفلسطين أمام مسؤولية تاريخية مشتركة، عنوانها الحفاظ على عمق العلاقة بين الشعبين، وتعزيز التعاون الرسمي والشعبي، ودعم القضية الفلسطينية في مختلف المحافل، والعمل من أجل السلام العادل الذي يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة، ويؤسس لمنطقة أكثر أمنًا واستقرارًا.

فالعلاقة الأردنية–الفلسطينية ليست علاقة عابرة تفرضها الظروف السياسية، وإنما هي علاقة متجذرة في التاريخ والجغرافيا والإنسان، وستبقى المصالح المشتركة ووحدة المصير أساسًا لتطويرها وتعزيزها، بما يخدم الأردن وفلسطين ويعزز فرص السلام والاستقرار في المنطقة.