التسويق الدولي في عصر التحولات العالمية،،،،، من تصدير المنتجات إلى بناء المكانة والقيمة في الأسواق الدولية الدكتورة رندا حسن بلاسمة

دكتوراه في إدارة الأعمال

لم يعد التسويق الدولي في الاقتصاد المعاصر عملية لنقل منتج من سوق محلية إلى سوق أجنبية، ولم تعد قدرته تقاس بحجم الصادرات أو الانتشار الجغرافي وحدهما. فقد تحوّل إلى منظومة استراتيجية تجمع بين فهم الأسواق والثقافات، وتحليل البيانات، وإدارة العلامة التجارية، والابتكار، والتسعير، والقنوات الرقمية، وإدارة السمعة، وبناء الثقة عبر الحدود.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن المنافسة الدولية لم تعد تدور حول المنتج الأفضل وانما حول من يستطيع بناء القيمة الأكثر إقناعًا في ذهن السوق. فقد تمتلك دولة أو شركة منتجًا عالي الجودة، لكنها تفشل في تحويل هذه الجودة إلى حصة سوقية دولية إذا لم تمتلك القدرة على تحديد الأسواق المناسبة، وفهم المستهلك، وبناء العلامة التجارية، واختيار قنوات الوصول، وصياغة عرض قيمة يناسب كل سوق.
ونناقش هنا التحول من التسويق الدولي التقليدي إلى التسويق الاستراتيجي العالمي، ومعضلة التوحيد مقابل التكيف، وصعود البيانات والذكاء الاصطناعي، والعلاقة بين العلامة التجارية للمؤسسة والصورة الاقتصادية للدولة، ثم تنتقل إلى الحالة الأردنية لتطرح سؤالًا أكثر عمقا، وهو هل يكفي أن ينتج الأردن منتجات وخدمات جيدة، أم أنه يحتاج إلى بناء قدرة وطنية منهجية على تسويق القيمة الأردنية عالميا؟

كان أحد الافتراضات التقليدية في الاقتصاد أن المنتج الجيد يستطيع أن يجد سوقه. لكن الاقتصاد العالمي الحديث أظهر أن العلاقة ليست بهذه البساطة. فالأسواق الدولية مزدحمة بالمنتجات، والعلامات التجارية، والمنصات، والرسائل التسويقية، وأصبحت قدرة المستهلك أو المشتري المؤسسي على المقارنة أكبر من أي وقت مضى. لذلك انتقل مركز المنافسة تدريجيا من القدرة على الإنتاج إلى القدرة على الجمع بين الإنتاج والقيمة والهوية والوصول والثقة.
قد تمتلك شركتان منتجًا متقاربًا من حيث الجودة الفنية، لكن إحداهما تستطيع الحصول على سعر أعلى وحصة سوقية أكبر لأنها بنت علامة تجارية موثوقة، وفهمت السوق بصورة أفضل، وقدمت المنتج بطريقة تتناسب مع احتياجات المستهلك. وهنا تظهر الوظيفة الاستراتيجية للتسويق الدولي. فالتسويق لا يبدأ بعد إنتاج السلعة، وإنما يفترض أن يبدأ قبلها بسؤال لمن ننتج؟ وما المشكلة التي نحلها؟ ولماذا سيختارنا العميل الدولي بدلا من عشرات البدائل؟

التسويق الدولي هو عملية تحليل واختيار ودخول وإدارة الأسواق خارج البيئة المحلية للمؤسسة، من خلال تصميم عرض قيمة يراعي الاختلافات الاقتصادية والثقافية والقانونية والتنافسية والتكنولوجية بين الدول. وهذا يعني أن التسويق الدولي يتجاوز الإعلان والترويج ليشمل قرارات جوهرية تتعلق باختيار السوق، والمنتج، والسعر، والتوزيع، والعلامة التجارية، وتجربة العميل، والشراكات المحلية، وإدارة البيانات.
وبهذا المعنى يصبح التسويق الدولي قريبا من الاستراتيجية أكثر من قربه من الإعلان. فالقرار الخاطئ في اختيار السوق لا يمكن أن تعالجه حملة إعلانية ممتازة، كما أن التسعير غير المناسب قد يفشل منتجا جيدا، والعلامة التجارية التي لا تفهم الثقافة المحلية قد تحول حملة تسويقية ناجحة في دولة إلى أزمة سمعة في دولة أخرى.

من أكثر القضايا رسوخا في أدبيات التسويق الدولي العلاقة بين التوحيد العالمي والتكيف المحلي. يقوم التوحيد على تقديم منتجات ورسائل متقاربة عبر الأسواق، بما يحقق وفورات الحجم ويحافظ على هوية عالمية متماسكة. أما التكيف فيقوم على تعديل المنتج أو السعر أو الرسالة أو قنوات التوزيع وفق خصائص كل سوق.
لكن الممارسة الحديثة أثبتت أن الاختيار ليس ثنائيا بالضرورة. فالشركات الأكثر نضجا تستطيع الحفاظ على جوهر عالمي موحد مع تكييف طريقة تقديمه محليا. قد تبقى التكنولوجيا والهوية الأساسية للمنتج واحدة، بينما تختلف اللغة، وأحجام العبوات، والأسعار، والقنوات، وخدمة العملاء، وحتى بعض الخصائص الفنية بين الأسواق. ومن هنا برز مفهوم التفكير عالميا والعمل بذكاء محليا.

يستطيع الاختلاف الثقافي تغيير معنى اللون، والصورة، والكلمة، والسعر، وطريقة التفاوض، وحتى مفهوم الثقة نفسه. فالمستهلك لا يتخذ قراره الاقتصادي في فراغ، انما داخل منظومة اجتماعية وثقافية وقيمية. ولهذا، فإن المؤسسة التي تدخل سوقًا دولية دون فهم الثقافة قد ترتكب خطأ استراتيجيا حتى وإن كانت تمتلك منتجًا ممتازا.
ويزداد الأمر تعقيدًا في التسويق بين الشركات، حيث لا تكفي معرفة احتياجات المؤسسة المشترية، وإنما يجب فهم هياكل القرار والعلاقات المهنية وطبيعة المشتريات والأنظمة التنظيمية والاعتبارات المحلية. وهنا يلتقي التسويق الدولي مع الثقافة في الإدارة الدولية، فالثقافة ليست محيطًا للتجارة وانما هي أحد المتغيرات التي تشكل التجارة نفسها.

أحد أكبر التحولات في الاقتصاد الحديث هو اتساع أهمية الأصول غير الملموسة. فالعلامة التجارية ليست شعارا أو اسما تجاريا، وإنما مخزون متراكم من الثقة والتجربة والجودة والصورة الذهنية.ولهذا يستطيع منتج يحمل علامة قوية أن يحصل أحيانا على سعر أعلى من منتج منافس متقارب في الخصائص الفنية. وهذا الفارق يمثل قيمة اقتصادية حقيقية.
ومن هنا ينبغي للشركات الساعية إلى التدويل أن تتوقف عن النظر إلى التسويق باعتباره تكلفة، وأن تبدأ بالنظر إلى بناء العلامة التجارية باعتباره استثمارا طويل الأجل في أصل غير ملموس. والشركة التي تصدر لعشرين عاما دون بناء اسمها قد تحقق مبيعات، لكنها لا تبني بالضرورة قوة سوقية موازية.

القضية تصبح أكثر أهمية عندما ننتقل من المؤسسة إلى الدولة. فالمستهلك والمستثمر الدولي لا يتعاملان دائمًا مع المنتج بمعزل عن بلد المنشأ. عبارة مصنوع بالمانيا مثلًا اكتسبت عبر الزمن ارتباطات ذهنية بالهندسة والجودة. واليابان بنت صورة قوية في التكنولوجيا والدقة، وسويسرا في مجالات ترتبط بالدقة والجودة والثقة، وكوريا الجنوبية عززت ارتباطها بالتكنولوجيا والثقافة الحديثة.
وهنا يصبح السؤال ما الصورة الاقتصادية التي نريد أن ترتبط بالأردن عالميا؟ هل الأردن مجرد بلد منشا؟ أم يمكن أن تصبح الهوية الأردنية مرتبطة بقيم اقتصادية محددة؟ الكفاءة البشرية، والخدمات المهنية، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيا، والحلول الهندسية، وريادة الأعمال، والسياحة العلاجية، والمنتجات ذات الجودة العالية؟ هذه مسألة قضية تموضع اقتصادي دولي .

أعادت المنصات الرقمية تشكيل العلاقة بين حجم المؤسسة وقدرتها على الوصول إلى العالم. في النموذج التقليدي، كان التوسع الدولي يتطلب مكاتب ووكلاء وشبكات توزيع ورؤوس أموال كبيرة. أما اليوم، فيمكن لشركة صغيرة أن تعرض خدماتها أو منتجاتها أمام أسواق متعددة من موقع واحد.
لكن سهولة الوصول خلقت مشكلة مقابلة وهي شدة المنافسة على الانتباه. فإذا كان الوصول إلى السوق قد أصبح أرخص، فإن الوصول إلى عقل المستهلك أصبح أصعب. ولذلك أصبحت البيانات، وتحسين محركات البحث، والمنصات الاجتماعية، وتحليل سلوك العملاء، والتجارة الإلكترونية، وإدارة تجربة العميل عناصر أساسية في التسويق الدولي.

قد يكون الذكاء الاصطناعي أحد أكبر التحولات التي شهدها التسويق منذ ظهور الإنترنت. فهو يسمح بتحليل كميات هائلة من البيانات، وتقسيم العملاء إلى شرائح أكثر دقة، والتنبؤ بالسلوك والطلب، وتخصيص الرسائل، وتحسين الأسعار، وإنتاج المحتوى، وتحليل الاتجاهات والآراء.
لكن هذا التطور يحمل معه معضلة جديدة. كلما أصبحت عملية التسويق أكثر اعتمادا على الخوارزميات، ازدادت أهمية حوكمة البيانات والخصوصية والشفافية والتحقق من التحيز. كما أن الإفراط في الأتمتة قد يؤدي إلى فقدان أحد أهم مكونات التسويق وهو الفهم الإنساني للسياق والثقافة والثقة. لذلك لن يكون المستقبل للآلة بدل الإنسان، وإنما للمؤسسة القادرة على دمج القوة التحليلية للذكاء الاصطناعي مع الحكم الإداري والإبداع والفهم الثقافي.

دخل عامل جديد بقوة إلى التسويق الدولي وهو الجغرافيا السياسية. فمنشأ المنتج، وموقف الشركة، وموقع مراكز بياناتها، وسلسلة مورديها، والعقوبات التجارية، والقيود على التكنولوجيا، كلها قد تؤثر في قدرة العلامة التجارية على دخول سوق معين. وقد تتغير صورة شركة دولية نتيجة أزمة سياسية لم تكن طرفًا مباشرا فيها.
وهذا يعني أن الإدارة الحديثة للعلامة التجارية العالمية يجب أن تتضمن عنصرا من الذكاء الجيوسياسي. لم يعد السؤال ماذا يريد المستهلك؟ ولكن ما البيئة السياسية والتنظيمية والاجتماعية التي يتحرك داخلها هذا المستهلك؟

يمتلك الأردن منتجات وخدمات ذات قدرة حقيقية على المنافسة في عدد من القطاعات. لكن التحدي في بعض الحالات يكمن في الانتقال من الإنتاج القابل للتصدير إلى العلامة القابلة للتوسع عالميا. هناك فارق بين أن تبيع شركة أردنية منتجا إلى دولة أخرى وبين أن تبني موقعًا مستداما داخل ذلك السوق.الأول عملية تجارية. والثاني استراتيجية دولية.
وهذا يتطلب معرفة دقيقة بالأسواق، وبناء علامات تجارية، واستثمارا في قنوات التوزيع، وإدارة العلاقات، وشهادات الجودة، والامتثال، والتسويق الرقمي، وخدمات ما بعد البيع. لذلك فإن زيادة الصادرات لا ينبغي أن تكون القضية الوحيدة وانما يجب الاهتمام أيضا بزيادة القيمة المضافة والقدرة السوقية للعلامات الأردنية.

لم يكن صعود الشركات الكورية نتيجة القدرة الصناعية وحدها. فقد استثمرت شركاتها في البحث والتطوير والتصميم والعلامات التجارية والتسويق العالمي، حتى انتقلت تدريجيا من منافسة تعتمد جزئيًا على السعر إلى منافسة تقوم على التكنولوجيا والتصميم والقيمة. كما أسهم انتشار الثقافة الكورية عالميًا في تعزيز بيئة أوسع من القوة الناعمة انعكست على الاهتمام بالمنتجات والخدمات الكورية. الدرس للأردن هو جودة المنتج شرط ضروري، لكنها لا تكفي. يجب بناء قصة وقيمة وهوية حول المنتج.

استطاعت سويسرا عبر عقود بناء ارتباط بين اسم الدولة ومفاهيم مثل الدقة والجودة والموثوقية في عدد من الصناعات والخدمات. هذه الصورة ليست مجرد شعار سياحي؛ إنها أصل اقتصادي يؤثر في الطريقة التي تستقبل بها الأسواق بعض المنتجات والخدمات السويسرية. الدرس للأردن هو السمعة الوطنية الاقتصادية يمكن أن تخفض تكلفة إثبات الثقة أمام العميل الدولي.

ربما يحتاج الأردن إلى الانتقال من سياسة ترويج الصادرات إلى مفهوم أشمل هو استراتيجية تسويق القيمة الأردنية عالميًا. والفارق بين الاثنين كبير. ترويج الصادرات يسأل كيف نبيع المزيد مما ننتجه؟ أما الاستراتيجية الثانية فتسأل ما الذي يجب أن ننتجه؟ ولأي أسواق؟ وبأي قيمة؟ وتحت أي هوية؟ ولماذا ينبغي للعالم أن يختار الأردن؟
ويمكن أن تنطلق هذه الاستراتيجية من تحديد عدد محدود من المجالات التي يستطيع الأردن بناء ارتباط دولي واضح بها، ثم توحيد الجهود بين السياسات الاستثمارية والتجارية والتعليمية والسياحية والدبلوماسية الاقتصادية حولها. فالعلامة الوطنية القوية لا تُصنع بحملة إعلامية ولكن يجب ان تكون نتيجة حقيقة اقتصادية جيدة يجري التعبير عنها بذكاء واستمرار.

قد يكون من المفيد إعادة التفكير في مفهوم بلد المنشأ نفسه. ففي الاقتصاد المعرفي، لا تأتي القيمة دائمًا من مكان تصنيع المنتج. قد تُصمم التكنولوجيا في دولة، وتُصنع مكوناتها في خمس دول، ويُكتب برنامجها في دولة سادسة، وتُدار خدماتها من دولة سابعة. لذلك يصبح مفهوم قيمة صُنعت في الأردن أكثر اتساعًا من مجرد التصنيع.
فالقيمة الأردنية قد تكون دواء، أو برمجية، أو تصميما هندسيا، أو خدمة مالية، أو استشارة، أو ابتكارا في المياه والطاقة، أو معرفة طبية، أو محتوى إبداعيا. وهذا التحول مهم لدولة اقتصادها المستقبلي يمكن أن ينافس بدرجة أكبر عبر المعرفة والكفاءة والقيمة المضافة.

ينبغي أن يبدأ النقاش بسؤال أكبر من حجم الصادراتوهو ما الصورة الاقتصادية التي نريد أن يحملها العالم عن الأردن عام 2035؟ ثم تأتي أسئلة أكثر تحديدا، ما القطاعات التي تستطيع بناء علامات أردنية دولية؟ هل تملك الشركات الصغيرة والمتوسطة الأدوات اللازمة لدراسة الأسواق والتسويق الرقمي وبناء العلامة؟ وهل تقيس سياسات دعم الصادرات عدد الصفقات فقط أم استدامة الحضور والقيمة المضافة أيضا؟
ويبرز سؤال مؤسسي أكثر عمقا وهو هل تعمل التجارة والاستثمار والسياحة والثقافة والدبلوماسية الاقتصادية ضمن سردية اقتصادية وطنية متكاملة، أم أن كل جهة تسوق الأردن بصورة منفصلة؟ وأخيرا هل نريد أن يعرف العالم الأردن فقط كموقع جغرافي، أم نريد أن يعرفه بقيمة اقتصادية محددة؟

لقد انتقل التسويق الدولي من هامش العملية الإنتاجية إلى قلب الاستراتيجية الدولية. فالعالم لا يكافئ بالضرورة من ينتج أكثر، وإنما من يستطيع أن يفهم السوق، ويبني الثقة، ويخلق القيمة، ويوصلها بصورة أفضل من منافسيه. وبالنسبة للمؤسسات الأردنية، فإن الوصول إلى الأسواق العالمية يتطلب تجاوز عقلية الصفقة التصديرية نحو بناء حضور طويل الأجل يقوم على المعرفة بالسوق، والعلامة التجارية، والابتكار، والبيانات، والجودة، والعلاقات.
أما على مستوى الدولة، فإن القضية أعمق. ففي عالم تتنافس فيه الدول على التجارة و على الاستثمار والمواهب والتكنولوجيا والانتباه والثقة، تصبح السمعة الاقتصادية أصلًا وطنيًا غير ملموس. ولهذا قد يكون أحد أهم الأسئلة الاقتصادية للأردن في العقد المقبل ما القيمة التي يستطيع الأردن أن يصبح معروفا بها عالميا؟
وحين تستطيع الدولة الإجابة عن هذا السؤال، ثم تجعل سياساتها ومؤسساتها وشركاتها وتعليمها وابتكارها تعمل في الاتجاه نفسه، ينتقل التسويق الدولي من وظيفة لبيع المنتجات إلى أداة لبناء المكانة الاقتصادية للدولة.