سليم النجار
كتابة رواية بلسان امرأة ليست مهمة سهلة؛ إذ ينبغي أن تقنع الكاتبة قارئها بأن الوعي الذي يتحرك بين السطور، ثم ينضج بعد ذلك، لديه ما يكفي ليجعلنا نعيد اكتشاف العالم بعينها، وربما أيضًا أن نعيد التواصل مع إنسانيتنا.
رواية «كحقلي مليء بالفراشات!» الصادرة عن دار فضاءات ـ عمّان ـ ٢٠٢٠، تخطو نحو طريقين: طريق السذاجة باسم البراءة، أو أن تضع على لسان امرأة…
سعت ياسمينة في سردها، منذ بداية الرواية، إلى عمل فراغات بين سطورها، بل بين مقاطعها، تنطوي على شيء غير مرئي: «من أنا بالضبط بعد كلّ هذا العمر؟ أنا لا شيء، لا أحد!» (ص٧).
وجعلت الروائية فراغاتها إشارات تؤدي إلى فراغات؛ إطلاقًا، هكذا تؤرخ الغياب. كيف يمكن لـ«السرد» القصصي أن يتحول إلى رواية؟ يكمن السر في الفراغ الذي أشارت إليه الكاتبة بـ«الفراشات»، غير المرئية بين الحدث الروائي، لكنه مرئي على مستوى السرد بشكل مختلف نوعًا ما؛ أي إن الفراشة قد تأتي بخبر، أو مفهوم، أو قيمة اجتماعية: «الحرب التي بدأت على شكل ثرثرة سرّية بين الناس وتحولت إلى قضية!» (ص١١).
يتمثل الفراغ في رواية ياسمينة في إرادة دفع عفوية نحو الحرب؛ ذلك تحديدًا ما يجعل «السرد» نوعًا من البتر مع المستعمر الفرنسي، فالثورة الجزائرية هي أداة الوصل مع الناس، وما المستعمر الفرنسي إلا حالة طارئة ومؤقتة. فالثورة، بهذا المعنى، إنذار داخلي لعمل فعل لمشهدية صورتها الكاتبة على الشكل التالي: «وما الذي جرى لي لأسمح للحرب أن تقترب مني، وتشتعل نارها في قلبي؟» (ص٣٠).
هذا التشكيل للحرب هو، في حد ذاته، غياب، لكنه غياب قائم على فوهة كأنها تكسر العزلة المجهولة التي كانت رمزيتها الاستعمار الفرنسي؛ فالحرب هي المناط بها محو هذا المجهول، وإن كان معلومًا على مستوى الحياة اليومية، لكنه مجهول على صعيد الثورة. فليس من الضروري أن يكون المجهول غير معلوم، بل كأنه غير موجود إلا من خلال إلغاء الإنسان الجزائري. وفي هذه الحالة، يكون دور الثائر الجزائري محو هذا المستعمر من ذاكرته، وطرده من الأرض والعقل: «الحرب والحوارات اليومية والهموم التي حولتها الثورة إلى نتائج!» (ص٣٥).
وهكذا، فإن الروائية لم تمضِ في بكاء الأطلال، بل رسمت زمنًا قادمًا بكل ما يحمل من أزمات اقتصادية واجتماعية؛ فالثورة تحقق حلم التخلص من المستعمر، والباقي هموم يعيشها المواطن الجزائري، دون ذكر التفاصيل؛ لأن الأولوية لتحرير الأرض من المستعمر الفرنسي.
تضع الكاتبة تقنيات تأخذ شكل الخطاب المباشر، للتهدئة والتأني، ليتمكن القارئ من القيام بالتأمل والاستدلال، كما يقدم النص إشارات بالغة التحفيز: «آه أيتها الجزائرية العنيدة! كم أحبك» (ص٤١).
ما قصدتُه بالاستدلال أن المطالب الحياتية تكون خارج المعقول والمألوف، لنسج استعارات صادمة تتشكل منها مشاهد لا تكبح الرغبة في تجاوز ما هو متعارف عليه داخل المجتمع الجزائري، وهو يعيش تحت هيمنة الاستعمار الفرنسي. هذه السطوة الاستعمارية، التي تفرض ثقافتها ومفاهيمها، هي، حسب رؤية صالح، نص شرير فرضه الواقع: «مع ذلك تجرأ وطلبها من أبي الذي ثار غاضبًا! قالت الحكاية إن والدي أمر بربط “بوعلام” من رجليه إلى شجرة سرو قريبة من البيت!» (ص٤٨).
وظفت الروائية السؤال كتقنية تخدم النص، وقد يكون السؤال أقل الأسئلة مكرًا. نحن هنا أمام نموذج نوعي للطريقة التي تدعونا من خلالها المؤلفة إلى مغامرة غير محسوبة، إلا أنها، في الوقت نفسه، تدعونا إلى التساؤل: «يا إلهي، أيعقل أن يتحول السي السعيد، الإقطاعي الفاسد و”المدلل”، إلى ثائر قومي، وبطل من أبطال جبهة التحرير؟» (ص٥٤).
هذه الحكاية لها ثلاثة مظاهر: زمن الحكاية، وزمن الخطاب، وزمن القراءة. أما زمن الحكاية فهو زمن الثورة، وزمن الخطاب هو تبدل الحدث من حدث استعماري إلى حدث تصنعه الثورة، وأما زمن القراءة فهو خاضع لوعي المتلقي المتشكل من إدراكه أنه أمام خطاب سردي يجعل الحكاية هي المطلوب قراءتها: «في ليلة مدهشة جاءني الوطن على شكل امرأة مغمورة بالتساؤل والغرور» (ص٥٧).
وإذا كنا نعيد عدّ المشاهد الروائية في الرواية، فلا بد من التوقف قليلًا عند قدرة الكاتبة على سرد الأحداث بسرعة وقلة الوصف. إنه سرد تحتل فيه الحركة حيزًا مهمًا، قائمًا على التخيل لدى المتلقي، وفي الوقت نفسه دعوة للقارئ إلى التقاط أنفاسه: «كانت الحربة عادية ثورية» (ص٨٦).
إن البعد الوصفي للسرد هو عملية تنقل بين أزمنة متقاربة، لكنها لا تعطي المعنى نفسه. غير أن هناك مقاطع تتقارب في المفهوم، أي التنميط و«التمطيط»، وهو ما يقارب حركة التمثيل للثوار الذين يحملون عنوان الحرب؛ إذ لا بد من أدوات لاكتمال صورة الحرب: «ـ ارتاحوا الآن. أنتم من الآن تابعون لكتيبتنا بانتظار وصول أوامر جديدة!» (ص٩٤).
كما أن الروائية تستخدم تقنية الاستذكار بحماس كبير، لكنها ترصف طريقًا إلى النهاية وهي في رحلة الاستذكار؛ نهاية تبحث عن فضاء حر: «قلتها لأذكرك أن الموتى لا يعودون إلا على شكل أغراض لا حاجة لنا بها سوى للذكرى!» (ص٩٧).
كشفت لنا ياسمينة عن قدرتها على بناء مدماك السرعة، وإن جاءت على شكل وصف قصيدة؛ فهذا التوظيف يأخذنا إلى أن الثورة والمرأة صنوان لفعل التغيير: «لن تستطيع قصيدة أن تصف امرأة!» (ص١٠١).
جعلت الروائية زمن وصفها كأنه خطاب ناتج عن التركيب لا الدلالة، حيث يُجبر المتلقي على التوقف قليلًا لمشاهدة المشهد تخيلًا. إن الوصف، في حقيقة الأمر، خطاب يؤدي إلى نتيجة نصية محددة، تتفاعل مع استجابة القارئ لرغبته: «أمشط شعرها براحتي وأقول أشياء جعلتها تسترخي في حضني! أجدني أحلم بالغد!» (ص١١٧).
الكاتبة تبحث عن فراشتها، والمتلقي هو الآخر يبحث عن مدلول الفراشة في حقل الأمنيات، والاثنان ينحتان سيرورة الحياة، لعل الحقل يكون مُثمرا.