الزعبي و الجالودي يكتبان : من البيروقراطية التقليدية للمتحدثين الرسميين إلى الذكاء الاصطناعي، (فرح) ترسم الملامح الجديدة للتواصل الحكومي الرقمي، فهل يمكن إسناد المسؤولية القانونية للحكومة عن أعمال ناطقها الرقمي إذا صدر عنه فعل يرتب مسؤولية قانونية؟

 

الدكتور حسام الجالودي والدكتورة مرح الزعبي يكتبان في بحثهم القانوني المعنون بـ” المسؤولية الجزائية عن جرائم كيانات الذكاء الاصطناعي” حول مدى مسؤولية الحكومة عن أعمال ناطقها الرقمي (فرح).
يثير استخدام الحكومة لشخصية افتراضية قائمة على الذكاء الاصطناعي مثل فرح سؤالاً قانونياً مهماً مفاده على من تقع المسؤولية إذا صدر عن الناطق الرقمي فعلٌ يرتب مسؤولية قانونية ؟
وفقاً للقواعد العامة في قانون العقوبات الأردني لا تتمتع كيانات الذكاء الاصطناعي حالياً بشخصية قانونية مستقلة وبالتالي لا يمكن مساءلة فرح جزائياً بذاتها وإنما يجب البحث عن الشخص الطبيعي أو الجهة القانونية التي تقف وراء تصميمها أو برمجتها أو تشغيلها أو استخدامها ومدى توافر الوعي والإرادة والخطأ والعلاقة السببية .
وهنا تبرز خصوصية الحالة الحكومية إذ إن المادة (74/2) من قانون العقوبات وفقاً لما خلص إليه البحث تستثني الدائرة الحكومية والمؤسسة الرسمية أو العامة من مسؤولية الشخص المعنوي عن أعمال رئيسه أو أعضائه أو مديريه أو ممثليه أو عماله ومن ثم لا يكفي مجرد القول إن فرح ناطق رقمي للحكومة لإسناد المسؤولية الجزائية إلى الحكومة كشخص معنوي، بل ينبغي تحديد الشخص الطبيعي المسؤول عن الفعل ودوره ومدى توافر أركان الجريمة بحقه
وعليه فإن استقلال «فرح» تقنياً في إنتاج المحتوى أو الردود لا يعني استقلالها قانونياً فالذكاء الاصطناعي قد يكون هو المنفذ المادي للفعل، لكن المسؤولية تظل مرتبطة بالبشر والجهات التي أنشأته أو أشرفت عليه أو استخدمته إلى أن يتدخل المشرّع بنظام قانوني خاص ينظم المسؤولية عن أفعال كيانات الذكاء الاصطناعي
وبعبارة مختصرة فان الحكومة لا تُسأل لمجرد أن «فرح» ناطقها الرقمي، ولا تُسأل «فرح» بذاتها وإنما العبرة بمن يملك قانوناً سلطة إنشاء النظام أو تشغيله أو توجيهه وبمدى ثبوت الخطأ أو القصد والسببية وفقاً للقانون .

أما في نطاق المسؤولية المدنية هل النظام الرقمي (فرح) يدخل في مفهوم ونطاق المادة 291 من القانون المدني ؟

المادة (291)من القانون المدني تتحدث عن أشياء تتطلب عناية خاصة للوقاية من ضررها أو آلات ميكانيكية، والفقه القانوني الذي تناول المادة (291) يربطها بالأشياء المادية والآلات الميكانيكية مع اختلاف نطاق الأشياء بحسب طبيعتها والظروف المحيطة بها.

ويثار هنا تساؤل مفاده حول مدى إمكانية إخضاع الأنظمة الرقمية بحسب طبيعتها المادية ، أو التقنية والوظيفة التي تؤديها لأحكام المسؤولية عن الأشياء والآلات المنصوص عليها في المادة (291) من القانون المدني؟

فإذا أمكن تكييف النظام الرقمي بحسب طبيعته المادية أو الآلية ووظيفته ضمن نطاق الأشياء أو الآلات التي تتطلب عناية خاصه للوقاية من ضررها ؟ أمكن البحث في مسؤوليه من تتوافر له سلطة التصرف والحراسة الفعلية عليه عن الأضرار التي يحدثها في الحدود التي رسمها النص، غير أن إعمال هذا الحكم لا يؤدي بذاته إلى قيام المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي العام استناداً لما ذكرته سابقاً ، ومن ثم فإنه ينبغي التمييز بين المسؤولية المدنية الناشئة عن حراسة الأشياء أو الآلات وبين المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي. فضلاً عن المسؤولية الجزائية الشخصية التي قد تترتب على الشخص الطبيعي متى توافرت بحقه أركان الجريمة وشروط إسنادها.

الخلاصة
الدولة أو الجهة العامة قد تُبحث مسؤوليتها المدنية باعتبارها صاحبة السيطرة أو الحراسة على النظام إذا انطبق وصف المادة (291) من القانون المدني.
بالمقابل تمنع المادة (2/74)عقوبات إسناد المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي الحكومي أو المؤسسة الرسمية العامة.
والنتيجة أن الدولة لا تُسأل عن أعمال الناطق الرقمي (فرح)… مع مراعاة أن هذا لا يعني حصانة الموظف أو المدير أو المسؤول الطبيعي إذا ارتكب فعلًا يشكل جريمة وتوافرت بحقه شروط المسؤولية الجزائية.