إشهار رواية “خيط البارود” لزياد محافظة في بيت الخيال بتورنتو

 

استضاف المركز الثقافي “بيت الخيال” في مدينة تورنتو الكندية، مساء السبت 5 أيلول سبتمبر 2026، حفل إشهار ومناقشة رواية “خيط البارود”؛ أحدث أعمال الروائي الأردني زياد محافظة، وذلك ضمن فعاليات الموسم الثقافي الجديد للمركز و”سلسلة حوارات تورنتو”.

وخلال الحفل، الذي شهد حضوراً نوعياً من الكتّاب والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والأدبي في كندا، استهلّ الكاتب الفلسطيني عبدالله الخطيب الأمسية بتقديم المشاركين، فيما تناول الروائي التونسي كمال الرياحي، مدير “بيت الخيال”، الروايةَ في قراءة نقدية، وأدارت الأديبة اللبنانية أسين شلهوب حواراً مع الروائي محافظة، أعقبه نقاش مفتوح مع الحضور.

وقال الرياحي في ورقته النقدية التي عنونها “طغاة في منتجع العزلة.. هشاشة الديكتاتور في رواية خيط البارود”: يأخذ الروائي زياد محافظة في روايته الجديدة ثيمةَ الديكتاتورية إلى منطقة أخرى من التخييل، حين يحشد عدداً من الطغاة المعزولين في مكان واحد، ليبحث في مصائرهم بعد السقوط والعزل، منقباً في ما يتبقى من الديكتاتور حين يفقد سلطته ويصبح مجرد فرد في مواجهة ماضيه.

وأشار إلى أن هذه الرواية تندرج ضمن تيار الرواية السياسية في الظاهر، ولكنها تنخرط أكثر فيما يمكن تسميته بـ “الرواية النفسية السياسية”، إذ لا يعني الروائي هنا محاكمة هؤلاء المخلوعين بقدر ما يطمح في التوغل في نفسياتهم وعقولهم لمعرفة التحولات التي طرأت عليهم إثر العزل والنفي.

وتوقف الرياحي عند تقنيات السرد التي وظّفها محافظة في روايته، ولا سيما اشتغاله على الرمز والمفارقة والمزج بين الواقعية الرمزية والواقعية السحرية، مستشهداً برمزية “الظل” في الرواية الذي يتحول من امتداد لسطوة الحاكم واستبداده إلى علامة على أفوله وموته الرمزي حين يفقده في المنفى. وأشار الرياحي في ختام كلمته إلى أن الروائي محافظة يواصل بهذه الرواية مشروعه في كتابة الرواية السياسية وملاحقة ديكتاتورية الفرد والحزب، وفضح تاريخ الاستبداد كما فعل في رواياته السابقة.

من جانبه قال محافظة خلال الحفل إن “خيط البارود” تأتي امتداداً لمشروعه الروائي، والمعني بتفكيك العلاقة الشائكة والمعقدة بين السلطة وأدواتها وإخفاقاتها من جهة، وخيبات الفرد العربي وانكساراته من جهة أخرى، علاوة على استقصاء ما تخلّفه التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى من آثار عميقة في حياة الإنسان ووعيه وذاكرته.

وأضاف أن الرواية لا تنشغل بالسلطة باعتبارها مفهوماً سياسياً مجرداً، بقدر ما تتقصّى أثرها في الإنسان وتحولاته، سواء أكان ممارساً لها أم واقعاً تحت سطوتها.

وأوضح محافظة أن “خيط البارود” تنظر إلى شخصياتها بعد انقضاء زمن القوة، حين يغدو الماضي أكثر حضوراً، ويجد الإنسان نفسه وحيداً في مواجهة ذاكرته؛ إذ تتجاوز الرواية بعدها السياسي المباشر إلى بناء فضاء إنساني يتيح الاقتراب من أسئلة الذنب والخوف والوحدة والندم والذاكرة، مشيراً إلى أن فقدان السلطة ليس سوى نقطة البداية للكشف عن طبقات أكثر تعقيداً في شخصيات اعتادت رؤية العالم من موقع القوة، قبل أن تجد نفسها في مواجهة ماضٍ ثقيل لا سبيل إلى الفكاك أو الخلاص منه.

وفي حديثه عن مشروعه الروائي، أشار محافظة إلى أن أعماله الروائية انشغلت، بدرجات وصيغ مختلفة، بأسئلة السلطة والحرية والعزلة والاغتراب والهزائم الفردية والجماعية، لافتاً إلى أن الأدب لا يقدّم بالضرورة إجابات عن هذه الأسئلة، لكنه يستطيع إعادة طرحها من مناطق أكثر إنسانية والتباساً، بعيداً عن الأحكام الجاهزة والتفسيرات المباشرة.

وأضاف أن الفرد العربي، بأحلامه وطموحاته وانكساراته، حاضرٌ في كتاباته باعتباره شاهداً على تحولات كبرى لم يكن دائماً قادراً على التأثير في مساراتها؛ فهو في كثير من الأحيان يقف بين تاريخ ثقيل وحاضر مرتبك ومستقبل غير واضح، حاملاً معه خيباته الصغيرة والكبيرة، ومحاولاً في الوقت نفسه العثور على معنى شخصي للنجاة.

وشهدت الأمسية حواراً مفتوحاً حول التجربة الروائية لمحافظة، والعوالم التي تتحرك فيها “خيط البارود”، وما تطرحه من أسئلة حول السلطة والإنسان والذاكرة والمصير المبهم، إلى جانب موقع الرواية ضمن مشروعه السردي والذي ظلّت تحولات المجتمع والفرد العربي وعلاقته بالسلطة والتاريخ والحاضر المبهم، من بين أبرز هواجسه وتجلياته.

وتأتي أمسية تورنتو في سياق الحضور النقدي البارز الذي رافق رواية “خيط البارود” منذ صدورها عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمّان، وما أثارته من قراءات قاربت عوالمها وأسئلتها من زوايا متعددة. وتمثل الرواية، وهي العمل الروائي التاسع لزياد محافظة، حلقة جديدة ونوعية في مسار روائي ممتد، ظلّ معنياً بتحولات الإنسان والمجتمع، وبأسئلة السلطة والحرية والهوية والذاكرة والعزلة والاغتراب.
***