أكد مساعد الأمين العام في حزب نماء، الدكتور محمد حسن الطراونة، أنه على الرغم من المساعي الرسمية والخطوات التشريعية المتقدمة لدفْع عجلة التحديث السياسي في الأردن، إلا أن المتابع للمشهد يرى بوضوح فجوة عميقة بين الأحزاب والشارع، موضحاً أن الأحزاب ما زالت تبدو وكأنها تغرد في وادٍ والجمهور في وادٍ آخر، ولتشخيص هذه الحالة والوقوف على أسباب عزوف المواطن الأردني عن الانخراط الحقيقي في العمل الحزبي، لا بد من تفكيك عدد من العقبات الهيكلية والسياسية التي تحول دون بناء قواعد شعبية حقيقية.
وأشار الطراونة إلى أن تشخيص أزمة غياب الحاضنة الشعبية للأحزاب يعود إلى تداخل عدة عوامل ثقافية وإعلامية وتشريعية أنتجت مشهداً حركياً يفتقد للحشد والـتأثير الفعلي، وفي مقدمة ذلك غياب الوعي الحزبي وضعف الإعلام؛ فالشارع الأردني يعاني من تراكمات تاريخية ومخاوف موروثة تجاه العمل الحزبي، مما يتطلب جهداً تراكمياً لتبديد هذه الهواجس وبناء وعي يعيد صياغة مفهوم الحزب كأداة للمواطنة الفاعلة، يضاف إلى ذلك قصور الإعلام الرسمي وغير الرسمي الذي لم ينجح بمختلف وسائله في تقديم رواية جاذبة ومقنعة حول أهمية الأحزاب، وظل التعاطي الإعلامي مع هذا الملف نخبوياً أو بروتوكولياً دون النزول إلى لغة المواطن البسيط واهتماماته اليومية.
وأضاف أن العائق الثاني يتجلى في البنية الداخلية للأحزاب وتمركز السلطة، إذ أدت بعض بنود وتطبيقات قانون الأحزاب إلى إضعاف دور الهيئة العامة والقاعدة الحزبية في اتخاذ القرار وتوجيه بوصلة الحزب، مما يشعر العضو العادي بأنه مجرد رقم تكميلي لتلبية شروط الترخيص وليس شريكاً حقيقياً، إلى جانب تفرد الأمين العام بصلاحيات واسعة في معظم الأحزاب تحولها إلى مؤسسة الرجل الواحد وتقضي على مبدأ الديمقراطية الداخلية والعمل المؤسسي، مع تهميش قيادات الصفين الثاني والثالث وإقصاء الكفاءات الشابة عن مراكز صنع القرار وصناعة السياسات، ما يؤدي إلى جمود الحزب ونفور فئة الشباب.
وبيّن الطراونة أن منظومة القوانين الانتخابية وآليات الترشح تشكل معضلة إضافية، وتحديداً في طريقة ترتيب الأسماء في القائمة الانتخابية الحزبية وخاصة القائمة الوطنية، والتي تخضع في كثير من الأحيان لحسابات النفوذ والمصالح الضيقة بدلاً من الكفاءة الحزبية والقبول الشعبي، مما يفقد القواعد الحزبية والجمهور الحماس لدعم هذه القوائم، فضلاً عن عزلة القيادات الحزبية عن الشارع وعدم وجود المساحة الكافية والحرية المرنة للاحتكاك المباشر مع قضايا الشارع الأردني وهمومه المعيشية، مما يعزز الصورة الذهنية بأن الحزبيين يعيشون في أبراج عاجية بعيدة عن نبض المواطن.
وعن سبل الحل، طرح الطراونة خارطة طريق لإنقاذ التجربة الحزبية للانتقال بها من حالة النخبوية بلا جمهور إلى الشعبية المؤثرة عبر مسارات متوازية، مشدداً على أن التحول الجذري يبدأ من الداخل، فمن غير الممكن أن يثق المواطن بحزب يطالب بالديمقراطية على مستوى الدولة بينما يفتقدها في لائحة نظامه الداخلي وهيكليته التنظيمية، وهو ما يستدعي إعادة الاعتبار للهيئة العامة بتعديل الأنظمة الداخلية للأحزاب للحد من الصلاحيات المطلقة للأمين العام، وتفعيل دور الهيئات العامة في المحاسبة واختيار القيادات بآليات ديمقراطية شفافة، إلى جانب تمكين الصفين الثاني والثالث وتصميم برامج تأهيل حقيقية للشباب ومنحهم أدواراً قيادية علنية لتمثيل الأحزاب أمام الرأي العام.
واختتم الدكتور محمد حسن الطراونة تصريحاته بالدعوة إلى تطوير الخطاب الإعلامي والاتصالي عبر بناء منظومة إعلامية حزبية ورسمية حديثة تخاطب هموم الأردنيين الاقتصادية والاجتماعية بوضوح وتسقط الشعارات الإنشائية الجافة، مع ضرورة الاحتكاك المباشر بقضايا الشارع وخروج الشخصيات الحزبية من المكاتب المغلقة إلى الميدان لتبني القضايا الخدمية والمعيشية والعمالية ليكون الحزب هو المدافع الأول عن حقوق المواطن، بالتوازي مع مراجعة وتطوير آليات تشكيل القوائم باعتتماد معايير موضوعية ومعلنة لترتيب الأسماء تقوم على الكفاءة والنشاط الحزبي الميداني، لضمان عدالة التمثيل وإعادة الثقة للناخبين بصندوق الاقتراع.