مكاور تحتضن “المسيح” لهاندل.. الموسيقى تجمع الأديان وتحكي قصة المكان للعالم

 

بقلم رزان عبدالهادي

في مشهد استثنائي امتزج فيه التاريخ بالموسيقى، والإيمان بالثقافة، احتضن موقع مكاور التاريخي مساء السبت عرض رائعة “المسيح” (Messiah) للمؤلف العالمي جورج فريدريك هاندل، في أمسية أقيمت تحت رعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال، وبحضور سمو الأميرة رجوة بنت علي بن نايف، وسفير الاتحاد الأوروبي لدى الأردن بيير-كريستوف تشاتزيسافاس، ووزير السياحة والآثار الدكتور عماد حجازين، إلى جانب عدد من الوزراء والمسؤولين والأعيان والشخصيات الوطنية والسياسية والدينية، وسفراء وممثلين عن دول أجنبية، وحضور جماهيري كبير تجاوز 2500 شخص.

وأقيم العرض في الهواء الطلق، قبالة قلعة مكاور التاريخية القائمة على رأس الجبل، وفي مشهد بانورامي يطل على البحر الميت، بالتزامن مع غروب الشمس، ليشكل المكان بحد ذاته جزءًا من العرض، وليس مجرد خلفية له.

وجاء اختيار “المسيح”، وهي واحدة من أشهر روائع الموسيقى الدينية في العالم، لما تحمله من مضامين ترتبط بالإيمان والخلاص والرجاء، في موقع يرتبط تاريخيًا باستشهاد القديس يوحنا المعمدان، في خطوة تفتح الطريق أمام برنامج ثقافي وروحي طويل الأمد وصولًا إلى إحياء الذكرى العالمية للقديس يوحنا المعمدان عام 2030.

وشكّل الحفل، بحسب ما عكسه الحضور وطبيعة المكان والرسالة التي حملها، صورة لافتة عن الأردن كمساحة للقاء الأديان والثقافات والحضارات؛ إذ اجتمع في موقع ذي رمزية مسيحية تاريخية جمهور من الأردنيين والأجانب، ومسلمون ومسيحيون، إلى جانب موسيقيين وفنانين من الأردن وأوروبا، في مشهد حمل رسالة تتجاوز حدود الموسيقى إلى قيم الحوار والتعايش والسلام.

ورأى مهتمون بالشأن السياحي أن الحفل، في ظل ما تشهده المنطقة من ظروف جيوسياسية وأحداث بالغة الحساسية، حمل رسالة أردنية إلى العالم مفادها أن الثقافة والفن والموسيقى يمكن أن تكون جسورًا للحوار، وأن الأردن قادر على تقديم نفسه كمساحة آمنة للقاء الإنساني، والتنوع الديني والثقافي، والسلام.

إلى ذلك، لم يكن الحفل مجرد أمسية موسيقية، بل حمل أيضًا بُعدًا سياحيًا ذكيًا ومنظمًا؛ إذ أتاح لآلاف الحاضرين من الأردن وخارجه التعرف عن قرب على أحد المواقع التاريخية والدينية المهمة في المملكة، والاستماع إلى قصة المكان المرتبطة بالقديس يوحنا المعمدان، في تجربة تجمع بين السياحة الدينية والثقافية والتاريخية والترفيهية.

ومن الجدير ذكره أن الحفل نظمته جمعية أصدقاء مهرجانات الأردن، في تجربة عكست أهمية توظيف المواقع التاريخية والأثرية في تقديم تجارب ثقافية وسياحية متكاملة، لا سيما أن مكاور تمتلك مقومات فريدة؛ فالجبل، والقلعة، والمشهد المطل على البحر الميت، والتاريخ، ورواية يوحنا المعمدان، كلها عناصر يمكن أن تتحول إلى تجربة سياحية متكاملة إذا جرى تقديمها للعالم بطريقة صحيحة ومدروسة.

وفي حديثه خلال تواجده مع الصحفيين المتوجهين إلى مكاور، شدد سفير الاتحاد الأوروبي لدى الأردن بيير-كريستوف تشاتزيسافاس على أهمية حماية الموقع والحفاظ عليه، مؤكدًا دعم الاتحاد الأوروبي لجهود صون وتطوير المواقع التاريخية في الأردن، ومن بينها مكاور، لا سيما أن الاتحاد الأوروبي كان من الجهات الداعمة لهذا الحدث.

وأشار السفير إلى أهمية حماية الموقع وتعريف الزوار بأهميته التاريخية والثقافية، ضمن مفهوم مستدام للحفاظ على التراث، مؤكدًا أهمية رواية قصة المكان وتقديمها للزوار باعتبارها عنصرًا أساسيًا في جذب السياح وتعزيز تجربتهم.

وبحس المهتمين أيضا فإنه هنا تحديدًا تكمن أهمية مكاور؛ فالموقع الأثري المفتوح على الطبيعة لا يمثل مجرد حجارة وآثار، وإنما يحفظ بين جنباته رواية تاريخية ودينية تمتد لقرون، ما يجعل حمايته والحفاظ على عناصره الأثرية والطبيعية مسؤولية وطنية وثقافية، بالتوازي مع ضرورة تقديم قصته بصورة واضحة وجاذبة للسائح. فالسائح لا يبحث فقط عن موقع يزوره، وإنما عن قصة يعيشها وتجربة يتذكرها.

وكان وزير السياحة والآثار الدكتور عماد حجازين قد أكد أن الأردن سيبقى واحة للأمن ومنارة للسلام والاستقرار والاعتدال والتعايش الديني، مشيرًا إلى مكانة المملكة كموطن لعدد من أهم مواقع الحج والتراث المسيحي في العالم، والتزامها بالحفاظ على هذا الإرث الديني والثقافي المشترك.