الأمين العام للشبكة العربية للإبداع والابتكار
لم تكن النسخة الثانية من قمة «الذكاء الاصطناعي نحو المستقبل 2026» في تونس مجرد فعالية جديدة تُضاف إلى الأجندة العربية؛ فقد نجحت المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات في بناء مساحة جادة جمعت صُنّاع القرار والخبراء والمستثمرين والمبتكرين والمؤسسات الأكاديمية حول واحد من أكثر الأسئلة تأثيرًا في مستقبل منطقتنا: كيف نصوغ مستقبل الذكاء الاصطناعي عربيًا؟
وقد عكست القمة، بحجم المشاركة ونوعية الحضور وعمق النقاشات، جهدًا تنظيميًا وفكريًا يستحق التقدير، بقيادة معالي المهندس محمد بن عمر، المدير العام للمنظمة، وفريق عمل أدرك أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفًا تقنيًا مؤجلًا، بل قضية تنمية واقتصاد وتعليم وسيادة ومستقبل أجيال.
ومن هنا، فإن أفضل وفاء لنجاح القمة هو البناء على زخمها، والنظر إليها بوصفها بداية لمسار عربي أوسع، لا محطة تنتهي بانتهاء جلساتها. فالمنجز الحقيقي لأي قمة يبدأ بعد مغادرة القاعات، عندما تتحول الأفكار إلى شراكات، والتوصيات إلى برامج، واللقاءات إلى فرص ملموسة.
لقد أصبح واضحًا أن العالم العربي لا يعاني نقصًا في العقول أو الأفكار أو الطاقات الشابة؛ بل يمتلك رصيدًا بشريًا قادرًا على المنافسة عالميًا. إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في المسافة الفاصلة بين الفكرة والسوق، وبين البحث العلمي والتطبيق، وبين المبتكر وأول مستثمر، وبين المشروع الواعد وأول جهة تمنحه فرصة الاختبار.
وفي هذه المسافة تحديدًا نفقد كثيرًا من المشروعات العربية، لا بسبب ضعفها، بل لأنها تُترك وحيدة في أكثر مراحلها حساسية. فالمبتكر لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الإشادة بفكرته، بقدر حاجته إلى بيئة تصدّق بها عمليًا: تحتضنها، وتختبرها، وتحمي حقوقها، وتساعدها على الوصول إلى التمويل والسوق.
وتتقاطع هذه الرؤية مع ما يؤكد عليه سعادة الدكتور طلال أبو غزالة، رئيس مجلس أمناء الشبكة العربية للإبداع والابتكار، في توجيهاته الدائمة بضرورة انتقال العالم العربي من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، والاستثمار في التعليم والعقول الشابة، وبناء قدرته على المشاركة في صناعة التكنولوجيا لا الاكتفاء باستخدامها. وهي مرتكزات نراها ضرورية لأي مشروع عربي جاد في الذكاء الاصطناعي.
ومن خلال عملنا في الشبكة العربية للإبداع والابتكار، واحتكاكنا المباشر بالمبتكرين ورواد الأعمال في عدد من الدول العربية، نرى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى منظومة عربية مترابطة للذكاء الاصطناعي والابتكار، تستثمر ما صنعته قمة تونس من حوار وثقة وعلاقات، وتمنحه إطارًا عمليًا دائمًا.
ولا نقصد بذلك إنشاء كيان بيروقراطي جديد، بل آلية تنفيذية مرنة يمكن أن تقودها المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات، بالتعاون مع مؤسسات العمل العربي المشترك والشبكات المهنية والجامعات والقطاع الخاص وصناديق الاستثمار.
بوابة عربية موحدة للابتكارات والمشروعات الواعدة
تتيح حصر مشروعات الذكاء الاصطناعي العربية وتصنيفها وتقييم جاهزيتها، وربطها بالخبراء والمستثمرين والأسواق، وفق معايير مهنية واضحة وشفافة.
مسار عربي للتمويل المبكر
الفجوة الأخطر ليست دائمًا في تمويل الشركات الكبرى، بل في تمكين المشروع من الانتقال من النموذج الأولي إلى المنتج القابل للاختبار والاستثمار. وهنا تظهر الحاجة إلى أدوات تمويل أكثر جرأة، تتفهم طبيعة الابتكار ومخاطره، ولا تطلب من الفكرة الناشئة أن تقدم ضمانات مؤسسة ناضجة.
فتح المؤسسات أمام التجارب التطبيقية
ينبغي أن تتحول الحكومات والشركات والجامعات إلى مختبرات حقيقية للحلول العربية. فالمبتكر يحتاج إلى أول فرصة اختبار، وأول عميل، وأول عقد يمنحه الثقة والقدرة على النمو. وقد تكون المشتريات الحكومية المبتكرة إحدى أهم الأدوات القادرة على صناعة سوق حقيقية للتكنولوجيا العربية.
منظومة واضحة لقياس الأثر
نحتاج إلى قياس النجاح بعدد المشروعات التي انتقلت إلى السوق، وحجم الاستثمارات التي استقطبتها، وعدد الحلول التي تبنتها المؤسسات، والوظائف التي خلقتها، والمشكلات التي أسهمت في حلها.
فالذكاء الاصطناعي ليس سباقًا في اقتناء أحدث التقنيات، ولا منافسة في عدد الاستراتيجيات المعلنة، بل قدرة على تحويل التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية وتنموية وإنسانية.
كما أن مستقبل الذكاء الاصطناعي العربي لا يمكن أن يكون عادلًا إذا بقيت الفرص محصورة في عدد محدود من المدن والمراكز الاستثمارية. إن الشاب المبدع في قرية أو مدينة بعيدة يجب أن يمتلك فرصة الوصول إلى التدريب والتمويل والأسواق نفسها التي يمتلكها من يوجد بالقرب من المستثمرين وحاضنات الأعمال.
فالابتكار لا يعترف بالجغرافيا، لكن الفرص ما زالت تفعل.
ومن هنا، فإننا نحتاج إلى نموذج عربي يضمن وصولًا أكثر عدالة إلى المعرفة والبنية التحتية والبيانات والتمويل، ويحول التنوع بين دولنا من فجوة إلى مصدر قوة وتكامل.
ولا ندعو إلى استنساخ تجارب الآخرين، بل إلى بناء نموذج يستجيب لأولويات مجتمعاتنا واحتياجاتها الفعلية؛ نموذج يوجه الذكاء الاصطناعي نحو تطوير التعليم والصحة والزراعة والمياه والطاقة والخدمات الحكومية، ويحفظ لغتنا وذاكرتنا الثقافية، ويصون بياناتنا، ويضع الإنسان في قلب التحول الرقمي.
إن القضية ليست: هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟ فقد أصبح جزءًا من الحاضر، وليس وعدًا بالمستقبل. القضية الحقيقية هي: هل سنشارك في صناعته، أم سنظل مستهلكين لما يصنعه الآخرون؟ وهل سنستخدمه لمعالجة تحدياتنا، أم سنكتفي باستيراد حلول صُممت لبيئات وأولويات مختلفة؟
لقد منحتنا قمة تونس مساحة للحوار، وجمعت أطرافًا كان لا بد أن تلتقي، ووضعت أسئلة المستقبل في مكانها الصحيح. والمسؤولية الآن مسؤوليتنا جميعًا: أن نحمي هذا الزخم، وأن نحوله إلى تعاون مؤسسي مستدام، يربط المبتكر بالجامعة والمستثمر والحكومة والسوق.
ونحن في الشبكة العربية للإبداع والابتكار نضع إمكاناتنا وعلاقاتنا ومبادراتنا في خدمة هذا المسار، ومستعدون للعمل مع المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات وشركائها على تطوير إطار تنفيذي يستثمر مخرجات القمة، ويترجمها إلى فرص ومشروعات وشراكات عابرة للحدود.
إن قمة تونس لم تُغلق النقاش، بل فتحته في اللحظة المناسبة. وقد يكون أهم ما أنجزته أنها أعادت تأكيد أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في منطقتنا لا ينبغي أن يُصاغ بعيدًا عنا.
وإذا كانت القمة قد نجحت في جمع العقول والرؤى حول طاولة واحدة، فإن طموحنا للمرحلة المقبلة هو أن نجمع الإرادة والتمويل والفرصة في مشروع عربي واحد؛ لأن المستقبل لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، بل تصنعه المجتمعات التي تعرف ماذا تريد منها، وتملك الشجاعة لتستثمر فيها، والإرادة لتحويلها إلى أثر.
لقد بدأت قمة تونس حوار المستقبل، وحان الوقت لنبني معًا مساره العربي.