حين يخرج رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان إلى الميدان، لا يبدو المشهد كحكومة تنتظر خلف المكاتب، بل كرئيس حكومة يريد أن يرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويختبر على الأرض ما يُقال له خلف التقارير والملفات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ماذا يحدث عندما تنتهي الجولة ويعود الملف إلى الوزير والمسؤول؟ وهل تصل سرعة الرئيس إلى كل مفاصل الجهاز التنفيذي بالسرعة ذاتها؟
المشكلة ليست في نقص التوجيهات، ولا في غياب الخطط، وإنما في المسافة التي قد تنشأ بين القرار والتنفيذ، وبين المسؤول والمواطن، وبين الحكومة والإعلام. فالهاتف الذي لا يُجاب عليه، والرسالة التي تبقى بلا رد، والمسؤول الذي يختفي عندما تصبح القضية موضع سؤال عام، ليست مجرد تفاصيل صغيرة؛ إنها مؤشرات على خلل في ثقافة الإدارة والاتصال، إذا تكررت، تتحول إلى جدار يفصل الحكومة عن الناس.
الصحفي لا يطرق باب المسؤول بحثًا عن مجاملة، وإنما يبحث عن إجابة. والمواطن الذي ينتظر تفسيرًا لقضية تمس حياته اليومية لا يريد خطابًا إنشائيًا، بل يريد مسؤولًا حاضرًا يعرف ماذا يجري، وماذا سيفعل، ومتى سيُنجز. وحين تغيب الإجابة، تبدأ الشائعات بالحديث نيابة عن المؤسسات، وتصبح المساحة الفارغة مفتوحة لكل التأويلات.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة؛ رئيس حكومة يتحرك بإيقاع ميداني سريع، فيما قد يبقى بعض الأداء التنفيذي أسير الإجراءات البطيئة، أو المكاتب المغلقة، أو عقلية أن الإعلام عبء يجب تجنبه بدل أن يكون شريكًا في كشف الخلل وشرح الإنجاز.
إن نجاح أي حكومة لا يُقاس فقط بما يقوله رئيسها، بل بما يفعله فريقها عندما لا يكون الرئيس موجودًا في الغرفة. فالرئيس يستطيع أن يضع الاتجاه، لكن الوزير والمسؤول هما من يحولان الاتجاه إلى فعل، والقرار إلى خدمة، والخطة إلى نتيجة يشعر بها المواطن.
لذلك فإن القضية ليست قضية هواتف مغلقة فحسب، بل قضية مسؤولية مفتوحة. ليست قضية صحفي ينتظر ردًا، بل قضية حكومة تحتاج إلى أن تسمع قبل أن تتحدث، وأن تجيب قبل أن تتراكم الأسئلة.
جعفر حسان يستطيع أن يفتح الأبواب بجولاته، وأن يكسر الحواجز بحضوره الميداني، لكن بقاء الأبواب مفتوحة بعد مغادرته مسؤولية الفريق الحكومي كله. فالتحديث لا يصنعه رئيس يتحرك وحده، ولا تنجح خططه إذا بقيت بعض حلقات التنفيذ تعمل بإيقاع مختلف.
وفي النهاية، لا يحتاج المواطن إلى مسؤول لا يغلق هاتفه فقط، بل إلى مسؤول لا يغلق بابه أمام الحقيقة، ولا يختبئ خلف المكاتب، ولا يعتبر السؤال الصحفي إزعاجًا. فالدولة القوية ليست التي لا تُسأل، وإنما التي تملك مسؤولين قادرين على الإجابة.
وهنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يستطيع الفريق الحكومي أن يواكب سرعة رئيسه، أم أن بعض الهواتف المغلقة والأبواب الموصدة ستبقى الحلقة الأضعف في طريق حكومة تريد أن تُرى نتائجها في الميدان؟