المحلل السياسي ناصر عمار: الإفراج عن الإسباني جاء ضمن تفاهمات تتجاوز الملف الأمني إلى النفط والنفوذ
طرابلس – أعاد الإفراج المفاجئ عن مواطن إسباني يُدعى «مارك»، بحسب معطيات متداولة، وترحيله إلى إسبانيا، فتح ملف شائك حول ملابسات توقيف عناصر أجنبية في ليبيا، وحقيقة التفاهمات التي قد تكون أحاطت بعملية الإفراج، في وقت لا تزال فيه قضية الخلايا التي استهدفت منشآت النفط والكهرباء في غرب البلاد تثير أسئلة أمنية وسياسية واسعة.
وكانت حكومة الوحدة الوطنية قد أعلنت في سبتمبر/أيلول تفكيك خلية وصفتها بـ«التخريبية»، قالت إنها تضم خمسة ليبيين وأجانب، واتهمتهم بالارتباط بهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت خزانات نفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء في الزاوية، فضلاً عن إحباط مخططات أخرى استهدفت، وفق الرواية الحكومية، محطة كهرباء جنوب طرابلس ومنشآت وشخصيات حساسة.
لكن هوية الأجانب الموقوفين والجهات التي تقف وراء الخلية لم تعلنها السلطات بصورة رسمية في البيانات المنشورة، كما لم تُكشف حتى الآن تفاصيل قضائية علنية تؤكد الاتهامات التي تربط بعض الموقوفين بأطراف سياسية أو عسكرية بعينها.
وفي هذا السياق، يطرح المحلل السياسي الليبي ناصر عمار رواية أكثر إثارة للجدل، إذ يقول إن الإفراج عن الإسباني «مارك» لم يكن، بحسب معلوماته، مجرد إجراء قضائي أو أمني، وإنما جاء نتيجة «تفاهمات ومقايضات سياسية ومالية» بين أطراف نافذة في غرب وشرق ليبيا.
«مارك» والخلية التي استهدفت منشآت حيوية
ويقول عمار إن «مارك» كان، وفق المعطيات التي يستند إليها، أحد العناصر الرئيسية في خلية ذات امتدادات محلية وأجنبية، وإن الخلية كانت تعمل على استهداف منشآت حيوية، بينها مرافق للطاقة والنفط.
وتتقاطع هذه الجزئية جزئياً مع ما أعلنته حكومة الوحدة الوطنية في سبتمبر/أيلول، عندما تحدثت عن خلية منظمة شارك فيها ليبيون وأجانب، وعن هجمات بطائرات مسيّرة طالت منشآت نفطية وكهربائية في طرابلس والزاوية.
من التوقيف إلى «الصفقة».. رواية عمار
ويرى ناصر عمار أن القضية أخذت منحى سياسياً بعد توقيف «مارك»، معتبراً أن الإفراج عنه تم في إطار تفاوض بين شخصيات نافذة في غرب البلاد وأطراف مرتبطة بالمعسكر الشرقي.
وحسب قراءته، فإن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام زوبي دخلا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في مفاوضات مع صدام حفتر، وأن المقابل لم يكن مقتصراً على إطلاق سراح المواطن الإسباني.
ويذهب عمار إلى أن ما يسميه «صفقة» شمل، وفق معلوماته، تنازلات مرتبطة بقطاع النفط، بينها منح امتيازات أو فرص لشركات محسوبة على أطراف في غرب ليبيا، مقابل إنهاء الملف المتعلق بالمواطن الإسباني.
لماذا يثير الملف أسئلة أكبر من عملية إفراج؟
أهمية القضية، وفق عمار، لا تكمن فقط في مصير شخص أجنبي، وإنما في طبيعة العلاقة التي بدأت تتشكل بين مراكز النفوذ المتنافسة في ليبيا.
ويقول إن إبقاء العناصر الليبية التي أوقفت في القضية قيد الاحتجاز، بالتزامن مع خروج العنصر الأجنبي، يطرح تساؤلات حول المعايير التي تحكم التعامل مع الموقوفين، وما إذا كانت الاعتبارات السياسية قد دخلت على خط ملف يفترض أن يخضع للقضاء والتحقيقات الأمنية.
لقاءات الشرق والغرب.. مسار موازٍ للتفاهمات؟
وتأتي هذه الاتهامات في ظل اتصالات ولقاءات متزايدة بين شخصيات من المعسكرين الشرقي والغربي.
ففي أبريل/نيسان 2026، ظهر صدام حفتر وعبد السلام زوبي في سياق تحركات مرتبطة بالتمرين العسكري متعدد الجنسيات «فلينتلوك 2026»، في مؤشر على وجود قنوات اتصال مباشرة بين شخصيات عسكرية من الطرفين.
كما شهدت الأشهر الماضية لقاءات واتصالات متعددة لزوبي مع مسؤولين دوليين وإقليميين، بينها مباحثات مع مسؤولين أميركيين وأتراك وروس، في إطار ملفات الأمن والدفاع وتوحيد المؤسسات العسكرية.
ويعتبر عمار أن هذا المناخ من الاتصالات يتيح، من وجهة نظره، إمكانية تمرير تفاهمات سياسية وأمنية بعيداً عن الأطر الرسمية المعلنة، لكنه لا يقدم دليلاً منشوراً يثبت أن هذه اللقاءات كانت مرتبطة تحديداً بعملية الإفراج عن «مارك».
الإمارات.. وسيط أم طرف في الحسابات الليبية؟
ويضع عمار الإمارات في قلب ما يعتبره مساراً إقليمياً موازياً للتفاهمات الليبية، مشيراً إلى إنه اجتماع استضافته أبوظبي وجمع صدام حفتر وعبد السلام زوبي بهدف تقريب المواقف بين الطرفين.
ويذهب المحلل الليبي إلى اعتبار الدور الإماراتي جزءاً من شبكة أوسع من التفاهمات التي تتجاوز الملف الأمني المباشر إلى إعادة ترتيب النفوذ السياسي والاقتصادي في ليبيا.
ملف مفتوح.. وأسئلة تنتظر الإجابة
وتبدو القضية أكبر من مجرد عملية إفراج عن مواطن أجنبي. فالهجمات التي استهدفت منشآت النفط والكهرباء في غرب ليبيا خلال أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول كشفت بالفعل عن وجود شبكة تخريبية تضم ليبيين وأجانب، بحسب الرواية الحكومية، فيما لا تزال هوية الجهات التي خططت ومولت ودعمت تلك العمليات موضع تحقيق.
ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي سيكون حسمها مرتبطاً بما ستكشفه التحقيقات والوثائق الرسمية: من هو «مارك» تحديداً؟ ما دوره في الخلية؟ على أي أساس أُفرج عنه؟ وهل غادر ليبيا بإجراء قضائي معلن أم ضمن تفاهم سياسي؟ وهل جرت بالفعل مفاوضات بشأن النفط مقابل الإفراج عنه؟
وفي بلد تتقاطع فيه خطوط السياسة والأمن والنفط والنفوذ الخارجي، قد لا يكون السؤال الأهم هو فقط من خرج من السجن؟، بل أيضاً ما الذي جرى خلف الأبواب المغلقة قبل أن تفتح له أبواب الطائرة؟