الأردن بحاجة إلى إعادة ضبط البوصلة.. لا إلى مزيد من الفوضى! د. خلدون نصير

 

لم يعد ما يشهده المجتمع الأردني مجرد أحداث متفرقة تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبح مشهداً متراكماً من قضايا الفساد، والحفلات المثيرة للجدل، والمخدرات، وحوادث السير التي تخطف أرواح الشباب، وسط حالة من القلق والارتباك المجتمعي تستدعي وقفة جادة لإعادة ضبط البوصلة.

لسنا أمام أزمة أخبار، بل أمام أزمة ثقة وأولويات، فالمواطن الذي يسمع عن شبهات اختلاس المال العام، ثم ينتقل إلى أخبار الحفلات الصاخبة، ثم يستيقظ على فاجعة مرورية جديدة، لا يحتاج إلى مزيد من التصريحات والتبريرات، بل إلى دولة تطبق القانون بحزم، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها، ومجتمع يدرك أن الحرية لا تعني الفوضى.

في الفساد، لم يعد الإعلان عن كشف القضية كافياً.

المطلوب محاسبة حقيقية وعلنية وفق أحكام القانون، واسترداد كل دينار يثبت أنه نُهب من المال العام، ومراجعة التشريعات لتغليظ العقوبات حيث تستدعي الضرورة، وإغلاق الأبواب التي تسمح بتكرار التجاوزات، فلا يجوز أن يتحول الفساد إلى خبر عابر، ولا أن يصبح المنصب العام فرصة للإثراء على حساب المواطن.

أما الحفلات الفنية، فلسنا بصدد محاكمة الفن، ولا الدخول في جدل الحلال والحرام، ولكن الأردن ليس ساحة مفتوحة لتجارب اجتماعية لا تراعي خصوصيته وقيمه وعاداته وتقاليده، فالفرح حق، والفن رسالة، والسياحة رافد اقتصادي، ولكن الذوق العام والاحترام المتبادل مسؤولية أيضاً، ومن واجب الجهات المختصة أن تضع ضوابط واضحة لتنظيم الفعاليات، بعيداً عن الاستفزاز والاستقطاب وافتعال معارك اجتماعية نحن في غنى عنها.

وأما المخدرات، فهنا لا مجال للتهاون أو المساومة.

من يتاجر بسموم تفتك بشبابنا، ومن يروجها بين أبنائنا، ومن يقود مركبته تحت تأثيرها ويعرض حياة الأبرياء للخطر، يجب أن يواجه تطبيقاً صارماً للقانون وعقوبات رادعة تتناسب مع جسامة الجريمة، فلا يجوز أن تصبح أرواح الناس ثمناً لاستهتار فرد، ولا أن تتحول الطرقات إلى ساحات للموت، مع ضرورة توفير العلاج والتأهيل لمن وقعوا ضحية الإدمان.

إن إعادة ضبط المجتمع لا تعني التضييق على الناس أو مصادرة حرياتهم، بل إعادة الاعتبار للقانون، وللمسؤولية، وللأسرة، وللمدرسة، وللمؤسسات التي يفترض أن تحمي المجتمع قبل أن تعالج نتائج انهيار منظومة القيم فيه.

نحن بحاجة إلى إعادة فرمتة حقيقية لمنظومة الرقابة والمحاسبة والسلوك العام، تبدأ من أعلى موقع في المسؤولية، ولا تستثني أحداً من المساءلة.

فهيبة الدولة لا تصنعها التصريحات، ولا يحفظها الصمت عن التجاوزات، بل تصنعها العدالة التي يراها المواطن، والقانون الذي يطبق على الجميع، والمحاسبة التي لا تتوقف عند صغار الموظفين، وقرارات جادة تعيد للمجتمع ثقته بأن هناك من يحمي المال العام، ويحترم قيمه، ويصون أرواح أبنائه، قبل أن تصبح الاستثناءات المؤلمة واقعاً يعتاد عليه المجتمع.