حنا جدعون: مكانك في القلب..هناك سأبقيك! د. اسعد عبد الرحمن

 

على كثرة أصدقائي المسيحيين الذين أعتز بهم، لم يحببني أحد بالمسيحية والمسيحيين كما فعل حنا.

أقول ذلك وأنا مسلم تربيت على القرآن الكريم، وعلى قصة السيد المسيح والسيدة مريم عليهما السلام، التي تحتل في القرآن مكانة بالغة الجمال والخصوصية. لكن حنا جعلني أرى شيئًا من جوهر تلك القيم في إنسان يعيشها أمامك.

نعم كان رجلًا علمانيًا، لكنه كان يفهم جوهر المسيحية فهمًا عميقًا. كان إيمانه راسخًا من دون تعصب، وكان يرى الدين في المحبة والخير والسلام والتعاطف مع الإنسان.

ولم يكن يتحدث عن هذه القيم فقط.

كان يعيشها!

كان يحب الناس من دون تصنيف طائفي أو عرقي أو جنسي. وحتى في مزاحه، كان حريصًا على ألا تتحول النكتة إلى إهانة. كان يحب الضحك، لكنه لم يكن يقبل أن يكون الضحك على حساب كرامة أحد.

كان حنا محبًا للحياة.

كان يريد أن يعيش، وأن يعمل، وأن يعطي، وأن يرى الخير من حوله. وكان كرمه جزءًا أصيلًا من شخصيته.

لم يكن كرمه مع الأصدقاء وحدهم. امتد إلى العمل الخيري ودعم المؤسسات والجمعيات، وفي مقدمتها جمعية فلسطين الدولية للتنمية.

كان يعطي من دون أن يجعل العطاء استعراضًا.

وهذا ما جعل إنسانيته أكبر من صورته كرجل أعما ناجح.

كان حنا رياديًا في عمله، لكن عالم الأعمال لم يحجبه عن الإنسان.

وفي السنوات الأخيرة ارتبط اسمه بصورة خاصة بالطاقة المتجددة. أسس وأدار شركة العصر الآتي للطاقة المتجددة وشركة الكفاءة، في مشاريع للطاقة الشمسية، وتعاون مع هيئات محلية ومجتمعات في يطا ودورا والأغوار وطوباس وغيرها.

كان يحب أن يبني شيئًا يبقى.

أن تتحول الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى منفعة، والمنفعة إلى أثر يصل إلى الناس.

ثم جاء الموت فجأة..يوم السبت المشؤوم.

جاءه وهو بين العاملين معه، في قلب العمل والحياة.

وأنا كنت خارج العالم العربي، في روسيا.

لم يصلنا الخبر المفجع في حينه لأسباب تقنية حالت دون وصول المعلومات عبر الإنترنت. وصلنا صباح الاثنين.

كان الجسر مغلقًا.

وكانت جنازته الإثنين

كنت على موعد معه في رام الله بعد عودتي من إجازة سنوية قصيرة.

كنت أريد أن أراه في رام الله.

فإذا بي أبحث الآن عن طريق للوصول إلى جنازته.

ولا أستطيع!

أشعر هذه المرة أنني أنا السجين، لكنني سجين خارج الأرض المحتلة!

أي مفارقة أقسى من هذه؟

أن تكون بعيدًا عن فلسطين، وتريد أن تدخلها لتودّع من تحب، فلا تستطيع.

أن يكون الطريق أمامك معروفًا، وأن تكون المسافة قابلة للعبور، ثم تجد نفسك عاجزًا عن قطعها.

أشعر، للمرة الأولى، أن الاحتلال لا يحاصر الأرض وحدها؛ إنه يستطيع، حين تُغلق الطرق والحواجز، أن يحاصر حتى مشاعرنا ومواعيدنا وحقنا البسيط في أن نودّع أحباءنا.

كأن الطريق الذي كنت أسلكه إليه حيًا، قرر أن يمنعني عنه ميتًا!

في هذه الأيام، لا نستطيع أن نراهن على الطريق.

حنا، الذي لم يتزوج ولم يكن له أبناء، لم يكن وحيدًا في الحياة.

كان له أصدقاء كثيرون، وله ثلاث شقيقات ثلاث، اثنتان في عمّان وواحدة في باريس، علاوة على (خليل) إبن شقيقه الوحيد المرحوم سهيل. وكان له عالم واسع من الناس الذين عرفوه وأحبوه.

وكانت فلسطين عائلته الأوسع، التي رفض مغادرتها رغم الفرص المغرية المتاحة أمامه.

كان حنا يافوياً عريقاً ومعتقاَ!.

كلما سمحت الظروف، وكلما فتح الإسرائيلي الطريق، كنا نذهب من رام الله إلى يافا.

كانت يافا بالنسبة لنا أكثر من مدينة.

كانت ذاكرة.

مدينة الأغراب التي يعرف أهلها كيف يستقبلون الغريب، مدينة الكرم وحسن اللقاء وحسن المعاملة.

وكان حنا ابن يافا الوفي، يحمل في شخصيته شيئًا من روحها: كرمها، وانفتاحها، وحسن استقبالها للآخر.

كان حنا أيضًا رجلًا ذا ثقافة عامة واسعة. جاب العالم كثيرًا، وعاد من أسفاره بتجارب وخلاصات حضارية جعلته أكثر انفتاحًا على البشر والثقافات.

لم يكن يرى العالم مجموعة من الحدود.

كان يراه تجربة إنسانية واسعة.

ولهذا استطاع أن يكون فلسطينيًا عميق الانتماء، ومنفتحًا على العالم في الوقت نفسه.

سأفتقد الصديق الصدوق حنا.

وهذا هو أصعب ما في الموت.

أنه يأخذ الإنسان ومعه المواعيد التي كانت تنتظرنا معه.

يأخذ شارع رام الله الذي كنا نلتقي فيه.

وطريق يافا.

والضحكة.

والنكتة.

والجملة البسيطة التي كانت تنهي اللقاء:

نراك في المرة القادمة.

لن تكون هناك مرة قادمة يا حنا.

وهذا ما يؤلم.

لا أستطيع اليوم أن أقف في جنازتك.

لكنني سأصل إليك.

وسأعرف، حين أقف أمام قبرك، أن الجنازة ليست نهاية الصداقة.

فبعض الناس يخرجون من الحياة، ولا يخرجون من قلوب أصدقائهم.

سأفتقد مواعيدي معك رام الله.

وسأفتقد طريق يافا.

وسأفتقد كرمك، وحبك للحياة، وثقافتك الواسعة، وإيمانك الخالي من التعصب، وإنسانيتك التي لم تكن تسأل الإنسان من يكون قبل أن تحبه.

رحمك الله، يا صديقي الغالي، والأثير، والحبيب.

لقد حرمنا الطريق من جنازتك.

لكن الطريق، مهما أُغلق، لا يستطيع أن يغلق مكانك في القلب.

هناك سأبقيك!