الملك صوت الحق وعنوان الحقيقة د. حازم قشوع

 

حين يكون الحق واضحاً، تصبح الحقيقة موقفاً، وحين تصبح الحقيقة موقفاً، يكون لصوتها وزن يتجاوز حدود المكان. ومن على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، جاء صوت الملك عبدالله الثاني ليضع الحق في مواجهة القوة، والحقيقة في مواجهة محاولات تغيير الوقائع، وليؤكد أن فلسطين ليست قضية يمكن أن يطويها الزمن، وأن القدس ليست مدينة يمكن اختزالها في صراع على الجغرافيا، وإنما هي قضية عدالة ومدينة سلام تحمل رسالة تتجاوز حدود المنطقة. لذلك بدا خطاب الملك عنواناً لموقف أردني ثابت، يقوم على أن الأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، وأن السلام لا يقوم على الإقصاء، وأن القانون الدولي لا يجوز أن يكون انتقائياً بحسب موازين القوة.

وقد جاء الخطاب في توقيت بالغ الدلالة، بعد خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقبل خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ليضع الأردن في قلب المشهد الدولي، لا باعتباره متلقياً لتداعيات الأحداث فحسب، وإنما باعتباره دولة تملك رؤية واضحة لمستقبل المنطقة. وبين صوت القوة وصوت السياسة، جاء الصوت الأردني ليقول إن المنطقة لا يمكن أن تبقى أسيرة الميدان، وإن ما ترسمه الحروب لا يمكن أن يصبح وحده قاعدة للمستقبل، وإن الطاولة السياسية تبقى الطريق الذي يمكن أن يحول الصراع إلى تسوية، والقوة إلى قانون، والاختلاف إلى تعايش.

ولذلك لم يكن خطاب الملك مجرد استعراض للموقف الأردني من الحرب، وإنما كان محاولة لإعادة ترتيب زاوية النظر إلى ما يجري في المنطقة. فالملك بدأ من فكرة الانتباه الدولي، باعتباره مورداً سياسياً يحدد أي الأزمات تحظى بالدبلوماسية المستمرة وأيها تتراجع إلى الهامش، ثم انتقل إلى غزة والضفة الغربية، ليضع السؤال الأكبر أمام المجتمع الدولي: إذا كان القانون الدولي يمكن تجاهله لعقود، فما قيمة هذا القانون، وكيف يمكن إنفاذه إذا لم تتم مساءلة من يخالفه؟..

ومن هنا اكتسبت فلسطين حضورها في الخطاب باعتبارها أيقونة للحق، لا بمعنى الشعار، وإنما باعتبارها قضية ترتبط بالعدالة والحقوق والقانون. فغزة والضفة الغربية ليستا مجرد ساحتي حرب، وإنما جزء من قضية سياسية وحقوقية لا يمكن تجاوزها، فيما تبقى إقامة الدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال والعودة إلى المسار السياسي هي الأساس الذي يمكن أن يفتح الطريق أمام سلام حقيقي.

وفي قلب هذه المعادلة جاءت القدس، ليس باعتبارها نقطة جغرافية في خارطة النزاع، وإنما باعتبارها مدينة يمكن أن تكون عنواناً للسلام ومجمعاً للأديان، ومكاناً تتعايش فيه الأديان وتحفظ فيه المقدسات والحقوق. ومن هنا تتصل القدس بالوصاية الهاشمية اتصالاً لا ينفصل عن تاريخها ولا عن مسؤوليتها، باعتبارها مسؤولية مستمرة لحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية وصون وضعها التاريخي والقانوني، وإبقاء المدينة مساحة للعبادة والتعايش لا ساحة للإلغاء والاستحواذ.

وهذه هي صلابة الموقف الأردني التي عبر عنها الملك: صلابة لا تقوم على رفع صوت القوة، وإنما على قوة الحق، ولا تبحث عن الأمن من خلال التوسع والتمدد، وإنما من خلال القانون، ولا ترى في القدس جبهة للصراع فقط، وإنما ترى فيها إمكانية لبناء نموذج سلام تتعايش فيه الأديان وتحفظ فيه الحقوق، ويعلو فيه صوت القانون فوق صوت قانون القوة.

وفي هذا السياق يصبح الحديث عن سوريا ولبنان جزءاً من الصورة نفسها، لأن الأردن لا ينظر إلى أمنه باعتباره شأناً منفصلاً عن أمن جواره. فما يجري في الشمال السوري، وما تشهده الساحة اللبنانية من وقائع عسكرية ومحاولات لفرض وقائع جديدة، يضع المنطقة أمام سؤال جوهري يتعلق بحدود القوة، وبما إذا كان الأمن يمكن أن يتحول إلى ذريعة لإعادة رسم الجغرافيا، أم أن الأمن الحقيقي لا يستقيم إلا باحترام القانون الدولي وحقوق الدول والشعوب.

وهنا يظهر الفارق بين أمن يقوم على القانون وأمن يقوم على فرض الأمر الواقع. فحين تتحول إجراءات الأمن إلى ذريعة لتوسيع السيطرة، تصبح المنطقة أمام معادلة مفتوحة على مزيد من الصراع، لأن كل تمدد يخلق حاجة إلى تمدد آخر، وكل منطقة عازلة يمكن أن تتحول إلى حدود جديدة، وكل واقع ميداني يمكن أن يتحول إلى مطالبة سياسية. ولذلك فإن الإصرار الأردني على القانون الدولي ليس موقفاً عابراً، وإنما هو جزء من رؤية ترى أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يستقيم إذا أصبح قانون القوة بديلاً عن قوة القانون.

وقد بدا تفاعل الحضور مع كلمات الملك في صورة لافتة، حتى بدا المشهد وكأن التصفيق يتكرر سبع مرات، فيستحضر الرقم في الوجدان معنى «سبع المثاني»، بما يحمله من دلالة رمزية على التكرار والتثبيت. وليس المقصود هنا عدّ التصفيق بقدر ما هو قراءة للصدى الذي أحدثته الكلمة الأردنية في القاعة، وهي كلمة لم تبحث عن المبالغة، وإنما وضعت الحقائق أمام العالم كما هي.

واللافت أن الملك لم يطرح الدبلوماسية باعتبارها ضعفاً، بل باعتبارها الطريق الذي يمكن من خلاله الانتقال من إدارة الصراع إلى صناعة الحل. فالدبلوماسية لا تعني التخلي عن القوة، وإنما تعني نقل القوة من الميدان إلى السياسة، وتحويل نتائج الصراع إلى ترتيبات قابلة للحياة، وتحويل المصالح المتعارضة إلى قواعد واتفاقات تحفظ الأمن والاستقرار.

ولهذا فإن عودة الأطراف إلى طاولة المفاوضات ليست ترفاً سياسياً، وإنما ضرورة إذا كان المطلوب بناء سلام قابل للاستمرار. فالحروب تستطيع أن ترسم حدوداً مؤقتة، وتستطيع أن تغير موازين القوى، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع شرعية، ولا أن تنتج اعترافاً دائماً، ولا أن تمنح الشعوب ثقة بالمستقبل. والطاولة السياسية هي المكان الذي يمكن أن يتحول فيه الميدان إلى اتفاق، والاختلاف إلى تفاهم، والقوة إلى قانون.

ومن هنا تأتي صلابة الموقف الأردني، لأن أمن الأردن مرتبط بأمن المنطقة، وأمن المنطقة مرتبط باستقرار القدس، واستقرار القدس لا يمكن فصله عن العدالة الفلسطينية وعن حماية المقدسات وعن احترام القانون الدولي. فالقدس ليست نقطة جغرافية في معادلة الصراع، وإنما هي مدينة السلام التي يمكن أن تقدم للعالم نموذجاً تتجاور فيه الأديان، وتحفظ فيه المقدسات، وتصان فيه الحقوق، وتعلو فيه لغة التعايش على لغة الإقصاء.

وتحت سقف الحقيقة والقانون يفضي الطريق إلى السلام، لا إلى التمادي في استخدام القوة تحت عنوان المحافظة على الأمن، ولا إلى توسيع دوائر النفوذ والتمدد والقضم والضم والتهجير. فالأمن لا يمكن أن يبنى على اقتلاع الآخرين، والسلام لا يمكن أن يقوم على تغيير الحقائق بالقوة، والاستقرار لا يمكن أن يتحقق إذا بقيت المنطقة أسيرة منطق الميدان وحده.

ولذلك فإن الأردن يصر على العودة إلى طاولة المفاوضات، لأن الطاولة هي المكان الذي يمكن أن تتحول فيه نتائج الصراع إلى حلول، والمكان الذي يمكن أن يعلو فيه صوت القانون على صوت السلاح، وأن تتحول فيه إرادة السلام إلى اتفاق تحفظه الأجيال. فالحروب قد ترسم، لكن الطاولة تقرر؛ والميدان قد يفرض واقعاً، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنح المستقبل شرعية أو استقراراً دائماً.

ومن هنا يرتبط عنوان المقال بمضمونه: الملك صوت الحق لأنه يضع فلسطين في موقعها الطبيعي كقضية عدالة، وهو عنوان الحقيقة لأنه يضع القدس في موقعها الطبيعي كمدينة للسلام، ويؤكد أن الوصاية الهاشمية مسؤولية تاريخية مستمرة لحماية المقدسات وصون رسالتها الإنسانية والدينية. وفي ذلك تتجلى صلابة الموقف الأردني: أن يكون القانون فوق القوة، وأن تكون العدالة أساس الأمن، وأن تكون القدس مساحة تجمع الأديان ولا تفرقها، وأن تعود الأطراف جميعاً إلى طاولة المفاوضات لإرساء سلام لا يحفظه اتفاق عابر، وإنما تحفظه الأجيال.

فالسلام الذي يريده الأردن ليس سلاماً مؤقتاً تفرضه موازين القوة، وإنما سلاماً تصنعه الحقيقة ويحميه القانون وتقبله الشعوب، ويمنح القدس مكانتها كمدينة للسلام، ويمنح فلسطين حقها في الحرية والدولة، ويمنح المنطقة فرصة أن تنتقل من هندسة الميدان إلى هندسة الطاولة، ومن منطق الغلبة إلى منطق الدولة، ومن إدارة الصراع إلى صناعة السلام.

وعندما يتحدث الملك، يقف الجميع تصفيقاً، لأن صوت الحق حين يعلو لا يحتاج إلى قوة تفرضه، ولأن الحقيقة حين تجد طريقها إلى العالم لا يمكن تجاهلها. من هنا كان صوت الأردن واضحاً: فلسطين قضية حق، والقدس مدينة سلام، والقانون فوق القوة، والطاولة السياسية هي الطريق إلى السلام.
فالملك صوت الحق، وعنوان الحقيقة.