طرابلس – عاد اسم الشاب الليبي الإسباني يوسف العبيدي، المعروف بلقب «عوايد» أو «جوزيف» وفق ما أوردته تقارير إعلامية، إلى واجهة الأحداث في ليبيا وإسبانيا، بعد سنوات من ارتباط اسمه بملف قضائي إسباني يتعلق بمحاولات نقل معدات ذات استخدام عسكري إلى شرق ليبيا، قبل أن يظهر مجدداً في تقارير حديثة تتحدث عن صلات محتملة بخلية تضم عناصر إسبانية يُشتبه في تورطها في أعمال استهدفت منشآت حيوية في غرب البلاد.
ويحمل العبيدي الجنسيتين الليبية والإسبانية، وتصفه تقارير صحفية بأنه كان يتحرك في مدريد كوسيط في العلاقات التجارية والأمنية المرتبطة بمعسكر شرق ليبيا، ولا سيما مع دوائر قريبة من صدام حفتر.
من مدريد بدأت القصة
يعود أبرز الملفات الموثقة التي ارتبط بها اسم العبيدي إلى التحقيقات الإسبانية في صفقة تضمنت محاولة نقل 44 طائرة مسيّرة ومعدات أخرى إلى ليبيا.
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة «إل إندبندينتي» الإسبانية، فتحت المحكمة الوطنية الإسبانية تحقيقاً في نهاية 2023 حول شبكة يُشتبه في أنها حاولت نقل طائرات مسيّرة ومعدات ذات استخدام عسكري إلى بنغازي، بقيمة تقارب 14.3 مليون يورو. وشملت التحقيقات ثلاث شركات إسبانية، فيما تحدثت تقارير عن دور وسطاء وشركات مرتبطة بالجانب الليبي.
وفي تقرير آخر نشره «ذا سنتري» في أبريل 2026، ورد اسم يوسف العبيدي باعتباره شخصاً مقيماً في مدريد يُشتبه في أنه ساعد في تنسيق عملية شراء المعدات، ونقلت الدراسة عن التحقيقات الإسبانية أن العبيدي أبلغ المحققين بوجود دور لصالح دوائر مرتبطة بصدام حفتر.
لكن الملف القضائي الإسباني يحتاج إلى قدر كبير من الدقة في توصيفه؛ إذ أفادت تقارير إسبانية لاحقة بأن التحقيق لم ينتهِ إلى إدانة قضائية للمتهمين، كما أغلقت المحكمة الوطنية في يونيو 2026 جزءاً من التحقيق المتعلق بصفقة المسيّرات بعدما رأت أن المخالفة الجنائية المفترضة لم تكن مثبتة بما يكفي.
«عوايد» والعودة إلى المشهد
في سبتمبر 2026، أخذ اسم العبيدي بعداً جديداً بعدما ربطت صحيفة «إيل فوليو» الإيطالية بينه وبين ما سمّته «خلية طرابلس»، التي قالت إنها تضم عناصر مرتبطة بكتيبة طارق بن زياد وأشخاصاً يحملون جنسيات أوروبية.
وذكرت الصحيفة أن العبيدي كان قد أوقف في إسبانيا قبل نحو ثلاث سنوات للاشتباه في توسطه بين صدام حفتر وشركة أمنية إسبانية خاصة، في سياق صفقة المسيّرات وتوفير عناصر أمنية. كما ربطت الصحيفة بين الملف القديم والتطورات الأمنية الأخيرة في غرب ليبيا.
وتنقل تقارير ليبية عن تلك المادة أن العبيدي كان حلقة وصل في ترتيبات لوجستية مرتبطة بعناصر إسبانية.
من المسيّرات إلى هجمات الزاوية
وتزداد حساسية الملف مع التقارير التي تحدثت عن هجمات استهدفت منشآت نفطية ومحطات كهرباء في منطقة الزاوية.
ففي تقريرها المنشور في 22 سبتمبر، قالت «إيل فوليو» إن صدام حفتر يقف وراء ما وصفته بالهجمات على منشآت النفط في الزاوية، وإن عناصر إسبانية شاركت، وفق الرواية التي نقلتها الصحيفة، ضمن شبكة أوسع تضم عناصر مرتبطة بكتيبة طارق بن زياد. كما أوردت اسم العبيدي في سياق الحديث عن تجنيد وتنسيق عناصر إسبانية.
وتناقلت وسائل إعلام ليبية الرواية ذاتها، مشيرة إلى أن التحقيقات مع بعض الموقوفين كشفت، بحسب مصادرها، عن دور منسوب إلى العبيدي كوسيط..
وهنا تبرز نقطة أساسية في القضية: الربط بين ملف المسيّرات القديم وملف «خلية طرابلس» يمثل حتى الآن رواية إعلامية وأمنية قيد التداول.
حقل الشرارة.. عندما يتقاطع الأمن بالنفط
لا يتوقف الملف عند الجانب الأمني، إذ أعادت قضية العبيدي أيضاً إلى الواجهة العلاقة الحساسة بين الملفات القضائية في إسبانيا ومصالح الشركات الأوروبية في ليبيا.
فقد سبق أن تناولت الصحافة الإسبانية ردود فعل السلطات الموالية لمعسكر شرق ليبيا على التحقيقات المتعلقة بتصدير المعدات، بما في ذلك إغلاق منشآت نفطية مرتبطة بشركة «ريبسول» الإسبانية. وذكرت تقارير إسبانية أن إغلاق حقل الشرارة جاء في سياق توتر مع مدريد عقب تطورات مرتبطة بقضية المسيّرات والتحقيقات الإسبانية.
كما أفادت تقارير بأن العلاقات بين مدريد والقيادة العسكرية في شرق ليبيا تأثرت بالقضية، في وقت كانت فيه السلطات في بنغازي تسعى إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع الشركات الإسبانية.
ملف مفتوح بين طرابلس ومدريد
تكشف عودة اسم يوسف العبيدي إلى التداول عن مسار أكثر تعقيداً من مجرد قضية شخص واحد. فمن جهة، هناك ملف إسباني قديم يتعلق بتصدير معدات إلى ليبيا، شهد تطورات قضائية مهمة انتهت إلى إغلاق جزء من التحقيق. ومن جهة أخرى، ظهرت في سبتمبر 2026 روايات جديدة تربط الاسم ذاته بتحقيقات أمنية في طرابلس حول شبكة تضم عناصر أجنبية.
وبين الملفين، تبرز أسئلة تتجاوز العبيدي نفسه: كيف تحولت شبكات الوسطاء بين ليبيا وأوروبا إلى أدوات محتملة في الصفقات الأمنية والعسكرية؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتداخل المصالح النفطية مع الملفات الأمنية والقضائية؟ وهل يمثل ما يجري امتداداً للملف الإسباني القديم أم أن الربط بين القضيتين ما زال مجرد فرضية إعلامية؟
ويبقى «عوايد» في قلب قصة تتقاطع فيها التحقيقات الإسبانية، والملفات الأمنية الليبية، والمصالح النفطية الأوروبية، والصراع السياسي والعسكري بين شرق البلاد وغربه.