هل يشعر الإسرائيليون مثلنا أن دولتهم باتت منبوذة؟عبدالله بني عيسى

سرّني كثيراً مشهد مغادرة الوفود بالعشرات قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أن يبدأ بنيامين نتنياهو خطابه. لكن ماذا يمكن أن يشعر به الإسرائيلي إزاء هذا المشهد؟ هل يرى فيه صورة لدولة أصبحت منبوذة كما نرغب؟ أم يرى عالماً معادياً لإسرائيل لا يفهم مخاوفها، ولا يرى سوى ما تفعله هي ويتجاهل ما تتعرض له؟ أم أن المشهد يوقظ لدى بعض الإسرائيليين سؤالاً مختلفاً وأكثر قسوة: كيف وصلنا إلى هذه العزلة، وهل ثمة شيء في سياستنا أو في طريقة إدارتنا للحرب أو الصراع يحتاج إلى مراجعة؟
المثير أن الإجابات الثلاثة موجودة داخل إسرائيل في الوقت نفسه. وهذه ربما تكون أول نقطة ينبغي أن نفهمها إذا أردنا قراءة المجتمع الإسرائيلي اليوم بعيداً عن الصورة النمطية التي تختصره في يمين يريد الحرب ويسار يتأرجح بين الحرب والسلام.
في استطلاع حديث للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية (The Israel Democracy Institute)، قال 68% من اليهود الإسرائيليين إن أحداث السابع من أكتوبر ستكون عاملاً مركزياً في اختيار الحزب الذي سيصوتون له في الانتخابات المقبلة، فيما تصدرت قضايا الأمن والسياسة الخارجية اعتبارات الناخبين اليهود.
وفي المقابل، أظهر معهد دراسات الأمن القومي (Institute for National Security Studies) في شباط 2026 أن 57% من اليهود الإسرائيليين يعارضون اتفاق سلام مع السعودية إذا تضمن إقامة دولة فلسطينية، مقابل 22% يؤيدونه. وفي استطلاع آخر للمعهد، عارض 61% من اليهود الإسرائيليين حل الدولتين.
لكن قراءة هذه الأرقام باعتبارها دليلاً على أن الإسرائيليين يريدون الحرب الدائمة ستكون قراءة غير دقيقة تماماً. فبين من يريد دولة فلسطينية، ومن يريد الانفصال عن الفلسطينيين من دون دولة، ومن يريد ترتيبات أمنية صارمة، ومن يؤيد الضم، ومن يريد استمرار الوضع القائم، توجد مساحة واسعة لا تنتمي تماماً إلى أي من التصنيفات القديمة.
كنت أميل إلى أن المجتمع الإسرائيلي أصبح بالضرورة مغلقاً أمام السلام، لكن المعطيات تشير إلى أنه أصبح أكثر انغلاقاً أمام الصيغة التقليدية للسلام. وهنا ربما تكمن إحدى أهم نتائج ما بعد السابع من أكتوبر.
قبل ذلك كان السؤال الذي يُطرح على الإسرائيلي في سياق التسوية هو: كيف يمكن أن نصنع السلام؟ أما بعده، فقد أصبح السؤال عند قطاعات واسعة: كيف نضمن ألا يتحول السلام نفسه إلى خطر أمني؟ هذه ليست إجابة سياسية واحدة، بل تغير في نقطة البداية التي يفكر منها الإسرائيلي.
ولهذا فإن مشهد الإهانة بانسحاب الوفود ومؤشرات العزلة الدولية قد يقودان إلى نتيجتين متناقضتين تماماً. قد يقول إسرائيلي: إذا أصبح العالم ضدنا إلى هذا الحد، فعلينا أن نراجع سياستنا. لكن قد يقول آخر: إذا أصبح العالم ضدنا إلى هذا الحد، فعلينا أن نعتمد على أنفسنا أكثر. المشهد واحد، لكن الاستنتاج مختلف.
وهذا يفسر لماذا لا تؤدي العزلة الدولية بالضرورة إلى تحول المجتمع الإسرائيلي نحو السلام؛ فقد تنتج مراجعة، لكنها قد تنتج أيضاً مزيداً من التشدد والاعتماد على القوة. ولعل الأمر يزداد تعقيداً بسبب الطريقة التي يتلقى بها الإسرائيليون المعلومات أصلاً. فإسرائيل لا تعيش في جزيرة إعلامية واحدة، وإنما في أرخبيل من الجزر الإعلامية. فدراسات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أظهرت فروقاً واضحة بين جماهير وسائل الإعلام، خصوصاً بين جمهور القناة 14 ذات التوجه اليميني الواضح وجمهور القنوات الأخرى. المشكلة هنا ليست أن الإسرائيلي لا يرى ما يحدث في غزة. بل في المعنى الذي يعطيه لما يرى. صورة الدمار نفسها قد تكون بالنسبة إلى إسرائيلي دليلاً على مأساة إنسانية، وبالنسبة إلى آخر مجرد عرض جانبي لحرب ضرورية، وبالنسبة إلى ثالث دليلاً على أن إسرائيل تدفع ثمناً أخلاقياً وسياسياً متزايداً.
ومن هنا يمكن فهم عدم الجدوى من مخاطبة الإسرائيليين بالرسالة نفسها التي نخاطب بها العالم العربي أو المجتمع الدولي. فحين يسمع الإسرائيلي أن «الفلسطينيين يستحقون دولة»، فإنه قد يتعامل مع العبارة بوصفها قضية أخلاقية أو سياسية. لكن السؤال الذي أصبح أكثر حضوراً بعد 7 أكتوبر هو : كيف ستضمن هذه الدولة أمن إسرائيل؟ ليس المقصود هنا تبني الرواية الإسرائيلية أو إعفاء إسرائيل من مسؤوليتها في الإبادة الجماعية المروعة، وإنما فهم نقطة البداية التي يتحرك منها الطرف الآخر. فأي خطاب سياسي يريد الوصول إلى المجتمع الإسرائيلي يحتاج أولاً إلى فهم ما الذي يخيفه، وما الذي يجعله يرفض فكرة كانت تبدو، قبل سنوات، أكثر قابلية للنقاش.
مع الأسف، ربما لا يكون المدخل الأكثر واقعية إلى السلام في إسرائيل هو إعادة إنتاج خطاب «السلام القديم»، وإنما صيغة أوسع (قد يراه البعض تنازلاً) تربط الأمن الإسرائيلي بالحل الفلسطيني وبالعلاقات الإقليمية، ولهذا يمكن فهم التباين إزاء دعوة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس المتكررة إلى إقامة دولة فلسطينية بلا سلاح، بين من يراه تنازلاً خطيراً ومن يراه خطاباً شديد الواقعية.
فالإسرائيلي قد يكون أقل استعداداً لقبول دولة فلسطينية إذا نظر إليها باعتبارها خطراً أمنياً، لكنه قد ينظر بصورة مختلفة إلى تسوية تأتي ضمن ترتيبات إقليمية أوسع، وضمانات أمنية، وعلاقات عربية، ومصالح مشتركة.
لكن حتى هذا الاحتمال لا يعني أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستنتج بالضرورة «حكومة سلام». فالإسرائيلي الذي يريد تغيير القيادة غالباً لا يريد تغيير فكرة استحواذ العقيدة الأمنية على تفكيره كلياً.
قد يعتقد أن نتنياهو فشل، من دون أن يعتقد أن كل الأفكار الأمنية التي تبناها اليمين كانت خاطئة. وقد يريد حكومة جديدة، من دون أن يكون مستعداً لدولة فلسطينية غداً. لذلك فإن النخبة التي يمكن أن تظهر في إسرائيل لا يشترط أن تكون يسارية بالمعنى التقليدي. قد تكون نخبة تبحث عن صيغة مختلفة تجمع بين القوة، والانفصال عن الفلسطينيين، والترتيبات الأمنية، والانفتاح الإقليمي. وهذا أكثر تعقيداً من ثنائية اليمين واليسار التي اعتدنا استخدامها في قراءة إسرائيل.
لكن ماذا نفعل نحن بهذه القراءة؟ ولماذا الاهتمام بها أصلا؟ هنا يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا.
الفلسطينيون لا يملكون اليوم أي من أدوات الضغط التي تمكنهم وحدهم من فرض التسوية التي يريدونها، والعالم العربي، باتت لديه معضلات في غاية التعقيد تجعله يتردد في أي مسار تكلفته باهظة أو تزيد من حجم تلك المعضلات، والمواقف الدولية لن تكون كافية في المدى المتوسط وربما البعيد لإحداث تغيير واسع في الموقف تجاه إسرائيل. كما أن الانقسام الفلسطيني، والحروب الإقليمية، وتراجع الثقة وتداعيات هجوم 7 أكتوبر، كلها جعلت الخيارات أكثر ضيقاً. الاعتراف بذلك لا يعني بالضرورة التنازل عن الحقوق الفلسطينية.
كذلك فإن التعامل مع فكرة «حتمية زوال إسرائيل» باعتبارها حقيقة تاريخية يظل إشكالياً. إسرائيل دولة قوية تمتلك جيشاً ومؤسسات واقتصاداً وتحالفات وقدرة على التكيف. وهذا لا يعني أنها غير محصنّة من لحظات الضعف والتراجع، لكن ضعف الدولة شيء وزوالها شيء آخر.
لهذا فإن قراءة المجتمع الإسرائيلي بعقل بارد ليست ترفاً، وليست استسلاماً للطرف الأقوى.
صحيح أن المجتمع الإسرائيلي بات أكثر تطرفاً بعد 7 أكتوبر، لكن يتعين الاستثمار في مخاوفه من العزلة، وحالة التعب من الحرب، والرغبة لدى قطاعات في تغيير القيادة، وربما الاهتمام المتزايد بالعلاقات الإقليمية، وكذلك في النقاش داخل بعض النخب حول الثمن الأخلاقي والاستراتيجي لاستمرار الصراع.
وبالعودة إلى السؤال الذي حمل عنوان هذا المقال: هل أصبح الإسرائيليون يشعرون بأن دولتهم منبوذة؟ ربما تكون الإجابة نعم، لكن حتى لا تأخذنا السعادة بذلك إلى مساحة أكبر مما يجب من التفاؤل، علينا أن نسأل أيضاً: ماذا سيفعلون بهذا الشعور؟ وهل سيقودهم إلى مزيد من الانغلاق والاعتماد على القوة، أم إلى البحث عن صيغة جديدة تجعل إسرائيل أكثر أمناً وأقل عزلة؟ وهنا تحديداً تصبح القراءة العربية الهادئة ضرورية.
فالخطابات التي ترى العالم بالأبيض والأسود، أو التي تجعل الحرب والمقاومة وحدهما طريقاً وحيداً إلى النصر، أو التي تتعامل مع زوال إسرائيل كحتمية تاريخية، قد تكون مفهومة في سياق الغضب، لكنها لا تكفي لصناعة سياسة.
وكذلك فإن فهم المخاوف الإسرائيلية لا يعني تبني الرواية الإسرائيلية، كما أن الاعتراف بقوة إسرائيل لا يعني التسليم بسياساتها. إنما يعني شيئاً أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن نعرف أين يقف الطرف الآخر فعلاً، وما الذي يخيفه، وما الذي يمكن أن يغير حساباته، وما الذي نملكه نحن من أوراق، وما الذي لا نملكه. فالسياسة لا تبدأ من الصورة التي نريد أن يكون عليها الخصم، وإنما من الصورة التي هو عليها بالفعل.
عبدالله بني عيسى