هناك لحظات في حياة الإنسان لا تشبه الهزيمة ولا تشبه الانتصار. لحظات يقف فيها المرء بعد عاصفة طويلة، ينظر حوله فيجد أنه ما زال واقفا، فيظن أن هذا وحده يكفي ليقول إنه انتصر. لكنه لا يسأل السؤال الأصعب: ماذا بقي مني بعد كل ما مررت به؟
فليس كل من نجا من المعركة خرج منها حرا، وليس كل من تجاوز الألم شفي منه، وليس كل من استطاع أن يستمر عرف كيف يعيش. قد ينجو الجسد بينما يبقى القلب في ساحة المعركة، وقد يواصل الإنسان طريقه بينما جزء منه ما زال واقفا عند لحظة قديمة ينتظر تفسيرا لم يأت, لكن الحياة لا تطلب منا أن ننتصر على كل شيء الحياة تطلب منا شيئا أعمق أن نخرج من تجاربنا ونحن أكثر وعيا لا أكثر قسوة، أكثر بصيرة لا أكثر شكا، أكثر رحمة لا أكثر ضعفا، وأكثر قوة دون أن نفقد إنسانيتنا. فالمعركة الحقيقية ليست دائما مع العالم من حولنا أحيانا تكون المعركة في الداخل، بين إنسان يريد أن يستسلم لما حدث، وإنسان آخر يصر على أن ما حدث له ليس هو كل ما يمكن أن يكونه وهناك فرق هائل بين أن تحمل جرحك وأن تجعل الجرح يحمل حياتك، قد نتعرض للخسارة، لكن الخسارة لا تملك حق تحديد قيمتنا وقد نتأخر، لكن التأخر لا يعني أننا خرجنا من السباق، وقد نفشل في طريق، لكن الطريق الذي فشلنا فيه لا يملك وحده حق تعريف قدرتنا على النجاح.
كم من إنسان ظن أن الباب الذي أغلق في وجهه كان نهاية، ثم اكتشف بعد سنوات أن ذلك الباب كان يحميه من حياة لم تكن تشبهه. وكم من حلم تأخر، ثم جاء في وقته أكثر نضجا وجمالا وكم من طريق انقطع، فاضطر الإنسان إلى اكتشاف طريق آخر لم يكن يراه لأنه كان منشغلا بالنظر إلى الطريق الذي فقده، لهذا لا ينبغي أن نقيس حياتنا بما حدث فقط، بل بما صنعناه مما حدث، فالإنسان لا يختار كل ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يختار ماذا يفعل بما يحدث له. وهذه ليست فلسفة مثالية، بل واحدة من أكثر الحقائق قسوة وجمالا في التجربة الإنسانية، قد لا تستطيع تغيير الأمس، لكنك تستطيع أن تمنعه من كتابة الغد وقد لا تستطيع استعادة ما فقدت، لكنك تستطيع أن تجعل ما بقي أكثر امتلاء وقد لا تستطيع أن تمحو ندبة من روحك، لكنك تستطيع أن تجعلها دليلا على أنك عبرت ولم تنكسر وهنا تبدأ مرحلة أخرى من النضج. أن تتوقف عن سؤال الحياة لماذا حدث هذا لي، وتبدأ بسؤال أكثر قوة: ماذا سأصنع الآن بما حدث لي؟
السؤال الأول يبحث عن تفسير، أما الثاني فيبحث عن طريق، والطريق هو الذي يصنع الإنسان.
لهذا لا أؤمن بأن القوة هي أن يصبح الإنسان صلبا إلى درجة لا يشعر معها بشيء. القوة الحقيقية أن تشعر، ثم لا تغرق. أن تحزن، ثم لا تفقد قدرتك على الأمل. أن تتعب، ثم تمنح نفسك حق الراحة دون أن تتخلى عن حلمك. أن تعرف أنك لست بخير دائما، ومع ذلك تملك الشجاعة لتقول إنك ستصبح بخير.
إن أعظم أشكال الوعي أن تعرف متى تقاتل، ومتى تهدأ، ومتى تتقدم، ومتى تترك شيئا يمضي بسلام، فليست كل معركة تستحق أن نخوضها، وليست كل خسارة تستحق أن نبكي عليها إلى الأبد، وليست كل علاقة يجب أن ننقذها، وليست كل فرصة يجب أن نطاردها، أحيانا يكون الرقي أن تترك، وأحيانا يكون النبل أن تسامح، وأحيانا يكون السلام أن تقول لا، وأحيانا تكون الشجاعة أن تبدأ من الصفر دون أن تشعر أنك أقل من الذين بدأوا قبلك.
إن الإنسان حين يفهم نفسه لا يعود بحاجة إلى إثبات وجوده في كل مكان. يصبح أكثر هدوءا، وأكثر امتنانا، وأقل استعجالا. يعرف أن النمو لا يحدث دائما بصوت مرتفع، وأن بعض أعظم التحولات تحدث في صمت، مثل بذرة تشق طريقها في الظلام قبل أن ترى الشمس، وهكذا نتعلم أن الحياة ليست سباقا نحو النهاية، بل رحلة نحو النضج، نحن لا نكبر فقط لأن السنوات تمر، بل لأن وعينا يتسع، ونظرتنا تتغير، وقلوبنا تتعلم كيف تستقبل الأشياء دون أن تفقد اتزانها، قد يأتي يوم تكتشف فيه أن أجمل ما فعلته في حياتك لم يكن انتصارا على أحد، بل انتصارا على نسخة قديمة منك كانت تخاف، وتتردد، وتؤجل، وتعيش وفقا لما يريده الآخرون،عندها ستعرف أن التجدد ليس أن تصبح شخصا آخر.
التجدد أن تعود إلى نفسك الحقيقية بعد أن تسقط عن روحك كل الأشياء التي لم تكن تشبهك.
واقول انا:
لم أعد أبحث عن حياة لا تؤلمني، بل عن قلب يعرف كيف يعبر الألم دون أن يفقد نوره، لم أعد أطلب من الطريق أن يكون سهلا، بل أن يكون جديرا بالخطى التي أمشيها، تعلمت أن بعض التأخير حماية، وبعض المنع رحمة، وبعض الخسارات تحرير، وبعض النهايات بداية لا نملك يومها البصيرة التي تسمح لنا بفهمها.
وتعلمت أن الإنسان لا يحتاج دائما إلى معجزة تغير العالم من حوله، فقد تكون المعجزة الحقيقية أن يتغير هو من الداخل، أن يستيقظ ذات صباح فيجد أن الشيء الذي كان يخيفه لم يعد يخيفه، وأن الباب الذي كان يبكي أمامه لم يعد يعني له شيئا، وأن قلبه الذي ظن يوما أنه لن يفرح عاد قادرا على الفرح، هذه هي الحياة التي أريدها، حياة فيها شغف دون تهور، وقوة دون قسوة، وطموح دون غرور، وعطاء دون انتظار، وامتنان دون اكتفاء، وهدوء لا يعني الاستسلام، وإيمان يجعل القلب يرى النور حتى عندما يطول الطريق، أريد أن أمضي وفي داخلي مساحة للدهشة، ومكان للرحمة، ونافذة للأمل، وإرادة لا تنطفئ كلما هبت الريح، أريد أن أتعلم كل يوم شيئا جديدا، وأن أترك أثرا جميلا حيثما مررت، وأن أكون في كل مرحلة نسخة أكثر صفاء واتزانا ونبلا من نفسي السابقة، فالعمر ليس عدد السنوات التي عشناها.
العمر هو مقدار ما أضفناه إلى أرواحنا خلال تلك السنوات، وما قيمة أن نصل إلى آخر الطريق وقد ربحنا كل شيء وخسرنا أنفسنا؟
وما قيمة أن يصفق لنا العالم إذا لم نستطع أن نسمع في داخلنا صوتا يقول لنا إننا عشنا كما ينبغي؟
لهذا سأواصل، لا لأن الطريق مضمون، بل لأن التوقف ليس قدري، سأواصل لأن في الحياة دائما صباحا لم يأت بعد، وفرصة لم تولد، وفكرة لم تخطر لنا، وإنسانا لم نلتقه، ونسخة أجمل منا تنتظر أن نمنحها فرصة الظهور، وسأواصل لأن الله يفتح في الطرق التي نظنها مغلقة نوافذ لا نراها إلا عندما نتقدم، وربما تكون أجمل حكمة تعلمناها الحياة أن النور لا يحتاج إلى أن يهزم الظلام كله حتى يبدأ بالظهور.
يكفي أن تشعل شمعة واحدة.
يكفي أن تؤمن بخطوة واحدة.
يكفي أن تبدأ.
فلا تكن النسخة التي نجت فقط.
كن النسخة التي نجت ثم نمت ثم أشرقت ثم صنعت من نجاتها حياة تستحق أن تعاش.
وعندما تقف يوما أمام كل ما مررت به، لا تنظر إلى ندوبك باعتبارها دليلا على أنك انكسرت، بل باعتبارها خريطة تقول إنك كنت هنا، وإن الريح مرت بك، وإن الليل طال، وإن الطريق لم يكن سهلا، ومع ذلك بقي فيك شيء لم يستطع كل ذلك أن يهزمه.
ذلك الشيء هو أنت،فاحفظه، نمّه، أشعل نوره، وامض.
فأقسى المعارك ليست التي نخوضها كي نبقى أحياء، بل تلك التي نخوضها كي نبقى بشرا بعد كل ما حاول أن يسلب منا إنسانيتنا.