في ذاكرة الشعوب هنالك حكايات لا تموت، لأنها لا تسكن الكتب وحدها، وإنما تسكن وجدان الناس، وتنتقل من جيل إلى جيل باعتبارها شاهداً على التاريخ وعلى ما لا ينبغي أن يُنسى، في قصص قسوة تاريخ الزمان واستبداد جغرافيا المكان، إن كان ذلك في قمم جبال القوقاز أو راح ليتشكل في بحر أرض غزة، حيث ظهرت صور الإبادة والتهجير، لتبقى شاهداً على تاريخ غطرسة القوة وعلى قوة العزيمة الإنسانية في مقاومة التهجير القسري والظلم والإجحاف.
كانت القوقاز عبر التاريخ منطقة ذات أهمية جغرافية واستراتيجية، فهي ملتقى طرق بين أقاليم وحضارات، ولذلك لم تكن حرب القوقاز مجرد صراع على الأرض، وإنما صراعاً ارتبط بالموقع والجغرافيا والهوية وحركة الشعوب. وقد انتهت الحرب الروسية ـ الشركسية في القرن التاسع عشر بمأساة التهجير الواسع للشركس، حين خرجوا من أرضهم عبر البحر الأسود، ومات كثيرون منهم جوعاً ومرضاً وغرقاً.
وتتناقل الذاكرة الشركسية رواية تقول إن بعض الشركس امتنعوا عن أكل السمك احتراماً لمن غرقوا من أهلهم، وخشية أن تكون الأسماك قد اقتاتت من أجساد إخوانهم. وسواء بقيت الرواية في إطار الذاكرة الشعبية أم اتخذت صورة عادة لدى بعضهم، فإن معناها الإنساني عميق؛ فعندما يبلغ الفقد مداه، يصبح حتى الطعام شاهداً على الموت، وتصبح الذاكرة شكلاً من أشكال الوفاء.
وقد كان العرب يريدون أن يروا صورة مشابهة في قاعة الأمم المتحدة من التضامن الأخلاقي، لا بالامتناع عن أكل الطعام، وإنما بمغادرة الكل العربي القاعة الأممية أثناء إلقاء «المنبوذ الدبلوماسي» نتنياهو لكلمته، لتكون المغادرة موقف الكل تجاه ما يحدث إنسانياً وسياسياً، ويظهر العرب تضامنهم مع أشقائهم وقضيتهم بشكل متجانس. لكن حتى هذه الصورة لم ينلها الإنسان العربي حاضراً في مشهد غريب الأطوار، لتبقى رواسبها في الذاكرة العربية موضع علامة استفهام واستغراب أمام حجم المأساة الإنسانية التي أدانتها المحكمة الجنائية والدولية، كما أدانها القانون الدولي الإنساني. فإن هنالك قضايا، أيها السادة، لا توزن في ميزان المصالح، بل هي ثابتة في ميزان المبادئ والقيم.
ومن هنا يبدأ الخيط الذي يصل القوقاز بغزة؛ فكما كان البحر الأسود طريقاً للخروج القسري من الوطن، أصبح البحر في غزة شاهداً على مأساة أخرى يعيش فيها الإنسان تحت الخوف والحصار والتهجير. وليست المقارنة في تفاصيل التاريخ، وإنما في ذلك المشهد الإنساني الذي يتكرر عندما تتحول الجغرافيا من وطن يحتضن أهله إلى مساحة تدفعهم نحو الرحيل، وعندما يصبح البحر شاهداً على فقد الإنسان لمكانه وأمانه.
ومن القوقاز إلى غزة هاشم، ننتقل من مأساة إلى أخرى، ومن مكان تاريخي إلى مكان تاريخي. فغزة لم تكن مجرد مساحة جغرافية، وإنما كانت محطة مهمة على طريق مصر وبلاد الشام، وموضعاً للعبور والتجارة والحضارات، كما ارتبط اسمها تاريخياً بهاشم بن عبد مناف، فبقيت في الذاكرة «غزة هاشم».
وكما حمل البحر الأسود ذاكرة الشركس، يحمل بحر غزة اليوم مشهداً آخر من مشاهد المأساة الإنسانية، فيما يعيش أهلها بين الركام والنزوح والجوع والخوف. وهنا تتقاطع الذاكرتان، لا في تفاصيل التاريخ، وإنما في معنى الإنسان حين يفقد الأمان، والوطن حين يصبح الرحيل قسراً، والبحر حين يتحول من طريق للحياة إلى شاهد على المأساة.
لذلك، فإن التضامن مع غزة لا ينبغي أن يتوقف عند المواقف، وإنما يجب أن يتحول إلى فعل يقوم على إيصال المساعدات الإنسانية التي ما تزال قوافلها محملة في المخازن الأردنية وتنتظر إشارة العبور إلى مستحقيها، وكذلك العمل على حماية المدنيين في إطار توافقات سلام ترامب الذي تغنى به المجتمع الدولي، والبدء بإعادة الإعمار، حتى ولو كان على مقياس البنية التحتية الأساسية من كهرباء ومياه، التي يمكن وصلها في خط كهرباء مصر، حتى يتم سد ثغرات التهجير التي ما زالت تقرع أبواب غزة كما الضفة والقدس، في إطار سياسة ممنهجة أصبح لها مداخل عربية تساعدها على التجديف ضمن أطوار غريبة. فإن التضامن مع الشعب الفلسطيني لا ينفصل عن حقه في التحرر والاستقلال وتقرير المصير، ويمكن إسقاط مدخل التغيير القادم.
وإذا كانت المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل القوة والجغرافيا، فهل نحن أمام انتقال من خرائط مرحلة سايكس ـ بيكو إلى《خرائط ترامب》 الجديدة التي راحت تعلن ترتيبات جديدة في الخليج العربي، تدمج فيها مجتمعات وتغير أشكال دول ضمن منهجية تسقط من أعلى، تقوم على معادلة لا تتغير فيها الحدود وحدها، بل تتغير الديموغرافيا ومراكز القوة وممرات الطاقة والتجارة والنفوذ؟ ولعل خريطة ترامب الجديدة، إن جاءت، لا ينبغي أن تكون مجرد إعادة توزيع للجغرافيا، بل إعادة بناء للاستقرار. فلا يمكن أن تقوم خرائط مستقرة فوق أنقاض المدن، ولا يمكن أن يصنع نظام إقليمي جديد فيما يبقى شعب كامل يبحث عن حياة كريمه والحرية.
ومن بحر القوقاز إلى بحر غزة، تبقى الذاكرة شاهدة على أن الخرائط قد تتغير، لكن الشعوب لا تنسى. ولهذا فإن أي إعادة ترتيب للمنطقة لا يمكن أن تستقيم فوق التهجير القسري أو اقتلاع الشعوب من أرضها، لأن الجغرافيا قد تُرسم بالقوة، لكنها لا تستطيع أن تمحو الذاكرة، ولا أن تلغي حق الإنسان في وطنه.
فالقوقاز تركت في الذاكرة درساً لا ينبغي أن يتكرر، وغزة تضع اليوم هذا الدرس أمام العالم من جديد. وبين البحرين تمتد حكاية إنسانية واحدة: أن الوطن ليس مجرد أرض، وأن التهجير ليس مجرد انتقال، وأن العدالة ليست شعاراً سياسياً، وإنما شرطاً اساسيا لبناء سلام يدوم و يبقى.
ومن بحر القوقاز إلى بحر غزة، تبقى الرسالة واحدة، تبينها جملة واحدة مفادها أن الخرائط يمكن أن تتغير، لكن كرامة الإنسان لا يجوز أن تكون جزءاً من عملية إعادة رسمها، وأن إنصاف غزة ليس فقط إنقاذاً لشعب من مأساة، وإنما إنقاذ لمعنى العدالة من أن يصبح هو الآخر ضحية للخرائط الجديدة. فما يمكن أن يطبق على أهل الضفة والقدس كما غزة يمكن أن يطبق على مجتمعات عربية أخرى لم تقف متضامنة مع أهل غزة، فإن تكفير الحقيقة هو ظلم ومدخل للظلمات، هذا ما علمنا إياه التاريخ في بطون الكتب.
فإن نموذج القوقاز بالضم القهري والتهجير القسري لا يمكن أن يتم اعتماده ليكون في غزة هاشم، لأن روح المكان ترفضه. وإن لم يقدر الإنسان على ردعه، فقد آن الأوان لتنصف الإنسانية قيمها، عبر إعلاء كلمتها، ببيان يصل بحر القوقاز ببحر غزة، بمنهجية تحقق الإنصاف وتصون قيم العدالة.