الأردن وهندسة أمن المشرق د. حازم قشوع

 

لم تعد التحولات التي يشهدها الإقليم مجرد تبدلات في موازين القوة، وإنما أصبحت تعيد تشكيل مفهوم الأمن نفسه، وتفرض إعادة النظر في طبيعة العلاقات بين دول المشرق والخليج، وفي القدرة العربية على حماية الجغرافيا والمصالح والقرار. فالمعادلة الجديدة لا تقوم على حدود الدول منفردة بقدر ما تقوم على تداخل المصالح والممرات والطاقة والمياه والقدرات العسكرية والأمنية، الأمر الذي يجعل من إعادة بناء منظومة الأمن العربي ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة التى قد تدخل فى معركة الحسم الميداني فى الاشهر القادمه ثم تنتقل بعد ذلك لمرحلة ترسيم شكل ومحتوى طاولة بيت القرار فى المنطقة وهذا ما يجب استدراكه ذاتيا حتى لا يتم اسقاطه موضوعيا .

وتكمن أهمية المرحلة الراهنة في تفاهمات الولايات المتحدة والصين، وما أفرزته من إعادة ترتيب للأدوار في المنطقة، بحيث بدا أن الصين تتجه إلى إعادة تموضع لصالح دورها الجيواقتصادي، مع تقليص بعض مسارات حضورها المباشر
في ملفات المنطقة. وفي هذا السياق يمكن قراءة الانسحاب السعودي من مشروع «إم بريدج» بوصفه مؤشراً على تحولات أوسع في طبيعة التموضع الإقليمي، وعلى إعادة النظر في أدوات الشراكة ومجالات النفوذ. وإذا كانت التفاهمات الأمريكية–الصينية قد فتحت المجال أمام إعادة توزيع الأدوار، فإن ذلك يفرض في المقابل إعادة تشكيل هندسة الأمن الإقليمي، بحيث لا تبقى المنطقة أسيرة ترتيبات القوى الكبرى، وإنما تنتقل الدول العربية إلى بناء منظومة أمنية أكثر تكاملاً، قادرة على حماية مصالحها وممراتها وجغرافيتها وقرارها.

و تكون مقتضيات المرحلة تتطلب إعادة بناء قوام دول المشرق من خلال هندسة أمنية جديدة تعيد وصل المشرق بالخليج، وتضع الأردن في موقع متقدم من هذه المعادلة، وصولاً إلى بناء مفهوم للأمن المشترك، لا تقف حدوده عند الجغرافيا السياسية القائمة، وإنما تمتد إلى تكامل القدرات والمصالح والاستعدادات في مواجهة التحديات المقبلة….ولعل البداية يمكن أن تكون
من الأردن، الذي سبق أن طُرح انضمامه إلى مجلس التعاون الخليجي عام 2011، عندما رحّب قادة المجلس بطلب المملكة الأردنية الهاشمية، ووجّهوا المجلس الوزاري للدخول في مفاوضات لاستكمال الإجراءات اللازمة. وقد مضت بعد ذلك مسارات للتعاون والشراكة، إلا أن العضوية الكاملة لم تتحقق، وبقيت الفكرة في إطارها السياسي دون أن تنتقل إلى صيغة مؤسسية جديدة.

واليوم، وبعد ما شهدته المنطقة من تحولات عميقة في مفهوم الأمن ومصادر التهديد، قد يكون من المناسب إعادة قراءة تلك الفكرة من منظور مختلف؛ فالمسألة لم تعد تتعلق بإضافة الأردن إلى منظومة خليجية، بقدر ما تتعلق بإعادة هندسة منظومة الأمن العربي، بحيث يصبح الأردن جسراً مؤسسياً بين الخليج والمشرق….فالأردن، بحكم موقعه ودوره العربي وخبرته العسكرية والأمنية، يمكن أن يشكل نقطة ارتكاز في هذه المعادلة، وأن تكون عضويته في مجلس التعاون، إذا ما أعيد طرحها، خطوة أولى نحو صياغة إطار أوسع للأمن المشترك، يمتد لاحقاً إلى العراق وسوريا ولبنان، وفق صيغ ومستويات مختلفة من التعاون.

ذلك أن المشرق العربي لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن الخليج، كما أن الخليج لا يستطيع أن ينظر إلى أمنه بعيداً عن عمقه المشرقي. فالجغرافيا متداخلة، والمصالح متشابكة، والممرات والطاقة والمياه والحدود والأمن البحري والسيبراني وسلاسل الإمداد أصبحت جميعها عناصر في منظومة أمن واحدة.
وهذا ما يترتب عليه إعادة طرح عضوية الأردن في مجلس التعاون قد تكون مدخلاً عملياً لهذه الهندسة؛ تبدأ بشراكة مؤسسية أكثر تقدماً، ثم تتوسع إلى تكامل اقتصادي وأمني ودفاعي، وصولاً إلى بناء منظومة عربية قادرة على تنسيق قدراتها في مواجهة التحديات المشتركة……..ولا يعني ذلك إنشاء جيش يلغي الجيوش الوطنية، وإنما بناء قدرة عربية مشتركة تستند إلى القوات الوطنية وتتكامل معها، من خلال التدريب والتسليح وتبادل المعلومات والتخطيط والجاهزية ومراكز التنسيق، بحيث تصبح القوة المشتركة عنواناً للتكامل والردع وحماية المصالح.

كما تبرز أهمية العراق وسوريا ولبنان باعتبارها جزءاً من القوام الجغرافي والسياسي للمشرق العربي، إذ لا يمكن فصل أمنها عن أمن المشرق، ولا فصل أمن المشرق عن أمن الخليج. ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تحتاج إلى دوائر متدرجة من التعاون، تبدأ من الأردن والخليج، ثم تمتد إلى بقية دول المشرق، وفق صيغ تحفظ سيادة الدول وخصوصيتها، وتجمعها في الوقت نفسه المصالح الأمنية والاستراتيجية المشتركة…….فالمشهد الإقليمي تغير، وأصبح الأمن مرتبطاً بالطاقة والمياه والممرات البحرية والحدود والأمن السيبراني وسلاسل الإمداد، ولم تعد أدوات المواجهة عسكرية فقط، بل أصبحت متعددة الأبعاد، الأمر الذي يجعل التنسيق والتكامل ضرورة تتجاوز الحسابات التقليدية.

وقد يكون المطلوب مستقبلاً بناء إطار دفاعي عربي أكثر تكاملاً، يقوم على تنسيق القوات المسلحة، وتبادل المعلومات، والتدريب المشترك، وتطوير القدرات الدفاعية، وربط مراكز القيادة والتخطيط في الملفات التي تتطلب استجابة جماعية، وصولاً إلى مفهوم القوة العربية المشتركة الذى دعى لتشكيها الملك عبدالله لتحمل لواء الكور الاساس للردع فى المشرق العربي وهذه القوة لا تعني بالضرورة إنشاء جيش واحد يلغي الجيوش الوطنية، وإنما بناء قدرة عربية مشتركة تستند إلى القوات الوطنية وتتكامل معها، بحيث تستطيع الدول العربية التعامل مع التحديات العابرة للحدود وحماية أمنها وممراتها ومصالحها الاستراتيجية ضمن رؤية واحدة.

إن «هندسة أمن المشرق» التى تشكل عنوان المداخله لا تعني إعادة رسم الحدود، وإنما إعادة ترتيب المصالح، ولا تعني
إلغاء الأطر القائمة، وإنما ربطها ضمن شبكة أوسع من التعاون والتكامل. فالمطلوب ليس إضافة دولة إلى مجلس، بقدر ما هو إعادة التفكير في شكل الإقليم نفسه؛ كيف يمكن أن يتكامل الخليج مع المشرق، وكيف يمكن للأردن أن يكون جسراً في هذه المعادلة، وكيف يمكن للعراق وسوريا ولبنان أن يجدوا موقعهم في منظومة عربية أكثر تماسكاً وقدرة على حماية مصالحها ذلك فان إعادة طرح عضوية الأردن في مجلس التعاون الخليجي، التي طُرحت منذ عام 2011، يمكن أن تكون اليوم أكثر من استحقاق مؤجل؛ فقد تصبح مدخلاً لإعادة تعريف العلاقة بين الخليج والمشرق وإطلاق مسار جديد في هندسة الأمن العربي ..

فالمرحلة تحتاج إلى منظومة أمنية عربية قادرة على حماية دولها ومصالحها وردع أي تحركات توسعية تهدد استقرارها،
وفي مقدمتها التحركات الإسرائيلية التوسعية التي باتت تفرض نفسها على معادلات الإقليم، إلى جانب التصدي لمحاولات فرض الهيمنة والنفوذ الإيراني على القرار والجغرافيا العربية….وهذا لا يتحقق بالخطاب وحده، وإنما ببناء قدرة عربية متماسكة تقوم على التكامل العسكري والأمني والاقتصادي، وتطوير منظومة دفاع مشتركة تستند إلى جيوش الدول وقدراتها، وتعمل على توحيد الرؤية والتنسيق والجاهزية، بحيث يصبح الأمن العربي قادراً على حماية المجال العربي من مشاريع التوسع والهيمنة معاً.

وبذلك يصبح الأردن بوابة هذه الهندسة، ومجلس التعاون نقطة الانطلاق المؤسسية، والمشرق مجالها الأوسع، والقوة العربية المشتركة أداتها الدفاعية لتنتقل المنطقة من حالة الاستجابة للتحديات إلى القدرة على ردعها، ومن تشتت المواقف إلى وحدة المصالح، ومن انتظار ما ترسمه القوى الإقليمية والدولية إلى امتلاك القدرة العربية على رسم طاولتها وموازينها حيث،
تكمن أهمية المرحلة التي نعيشها في أن الأمن العربي لم يعد ترفاً سياسياً، وإنما أصبح شرطاً لحماية الدولة والجغرافيا والقرار كما ان مسالة هندسة أمن المشرق قد تكون الطريق إلى بناء معادلة عربية جديدة بدلا من الهروله تجاه التطبيع الذى كلفته ستكون اسقاط الهوية العربية ليكن عنوانها الاحتواء بالتكامل، وأساسها الردع بالتضامن، وغايتها حماية المنطقة من التوسع والهيمنة، أياً كان مصدرهما اقليميا او دوليا حنى لا نبقى اسرى للتقلبات والاهواء الساقطه من التفاهمات الجيواستراتيجيه .