سليم النجار
إنّ العلاقة المتساوية بين الراوي والشخصية في الرواية هي التي جعلتها رانيا الأشقر تحت عنوان «السرد الذاتي». والواقع أن الراوي يكون هنا مصاحبًا لشخصيات يتبادل معها المعرفة بمسار الواقع. وقد تكون الشخصية نفسها هي التي تقوم برواية الأحداث، ويتجلّى هذا بشكل واضح في روايات الشخصية، سواء في الاتجاه الرومانسي أو في اتجاه الرواية ذات البطل الإشكالي.
إن قراءة مظاهر حضور الراوي تعني اقتفاء أثر صوت الراوي داخل الحكي: «وصلت كاثرين تويني لتباشر عملها برفقة فراشي الفن اللذيذ وأواني الأطعمة الباهرة» (ص28).
مَن يتكلم في الرواية أو في الحكي؟ ثم الإشارة، ثانيًا، إلى تدخلات الراوي في الحكي، وأخيرًا الحديث عن تناوب عملية السرد في القصة، أي الحديث عن الحالة التي يتناوب فيها على السرد عددٌ من الرواة:
«نوح
بعد يوم عملٍ مضنٍ، توجهت لأستقل سيارتي التي قاربت على إتمام مولدها الأول» (ص36).
إمّا أن تكون الشخصيات أبطالًا في الرواية نفسها، أو رواةً لا علاقة لهم بالفعل الحكائي، أي مجرد شهود يتكلمون في الحكي:
«جوليت تويني
هي الحياة غريبة، ما كنا نرى فيه الوجود بالأمس القريب أصبح ضيقًا يحرق داخلنا عند إشعال ذكراه» (ص44).
رواية «تمرّد نوتة» للكاتبة رانيا الأشقر، الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع – عمّان، 2022، رواية شخصيات تحكي أكثر مما تبحث عن فكرة محددة؛ فالشخصيات تروي ما حدث معها، وعلى المتلقي البحث عن الفكرة.
عندما يكون الراوي مُمثَّلًا في الحكي، أي مشاركًا في الأحداث، إمّا كشاهد أو بطل:
«نوال
باشرت بفرز الصناديق القديمة لأخرج كل ما عفا عليه الزمان من ملابس وحاجيات» (ص62).
وفي بعض الحالات يكون الراوي غير مُمثَّل في الحكي، ويلجأ إلى التدخل والتعليق على الأحداث، فإن الأمر يتطلب الحكي من خلال شخصية:
«سمر
تحملت في أسعد أيامي المتظرة بمثل النضوج مسؤوليات لم أدرك إن كنت أنا من أرعى مستجداتها أم هي التي اعتنت بنمو داخلي» (ص74).
يسمح الحكي باستخدام عددٍ من الرواة، ويكون الأمر في شكله الأكثر بساطة عندما تتناوب الشخصيات نفسها على رواية الواقع:
«فادي
– مروان، كيف حالك يا صديقي؟
– هل يعقل، يا رجل، أن مضى على وجودك في سويسرا ثلاثة أيام ولا نراك!
– معك حق، لذلك اتصلت بك الآن، إن لم تكن مشغولًا فلنلتقِ» (ص162).
إن تعدد الرواة يؤدي غالبًا إلى تعدد وجهات النظر حول قصة واحدة، وتنتمي إلى هذا النوع الروايات الرسائلية. وليس من الضروري أن تكون الرواية داخل الرواية مشروطة بتعدد الرواة، لكن لا بد من تعدد الشخصيات:
«نور
أنهيت المائدة الفاخرة بشراهة وأنا أشعر بالفوائد تصل لتغذي كل شرايين جسدي تباعًا» (ص224).
يُضاف إلى هذا كله أن هوية الشخصية الحكائية ليست ملازمة لذاتها، أي أن حقيقتها لا تتمتع باستقلال كامل داخل النص الحكائي:
«ولَّيت ظهري لحكايا جذعها الأسطوريّ مبتعدة بكل مرح طفوليّ» (ص9).
إن عمل الشخصية الحكائية نفسها هو نتاج عمل تأليفي، يُقصد من هذا التأليف أن يتوزع على الرواية:
«كنت أستمع لحوارهما علّهما يكملا ما الذي نود أن ننسل خيط حقيقته» (ص52).
وهكذا فإن صورة الشخصية لا تكتمل إلا عندما يكون النص الحكائي قد بلغ نهايته:
«– لاحظت.
– نوح.
– فؤاده.
– أحب أولادك.
– وأنا أحبكم» (ص268).
يبقى القول إن رواية «تمرّد نوتة» للكاتبة رانيا الأشقر تعتمد على القارئ؛ لأنه محور الرواية، أي إن المتلقي هو الراوي الفاعل داخل النص. فالتمرّد هنا يخضع لعدد من الشخصيات الذين يتحدثون بصوت واحد، لكن هذا الصوت هو صوت التمرّد.