طرابلس – بينما لا تزال ليبيا تواجه تحديات سياسية ومؤسساتية متراكمة، تتجه الأنظار إلى محاولات إعادة ترتيب المؤسسات وتعزيز التنسيق بين مناطق البلاد المختلفة، بالتوازي مع الحديث عن إعادة الإعمار وتجديد الكوادر.
وفي هذا الإطار، تُطرح رؤية مرتبطة بالفريق أول ركن صدام حفتر تركز على ثلاثة مسارات رئيسية: الأمن، إعادة الإعمار، وتجديد الكفاءات.
وتأتي هذه الرؤية في وقت تشهد فيه ليبيا حراكاً عسكرياً باتجاه تعزيز التواصل بين المؤسسات العسكرية في الشرق والغرب. فقد استضافت سرت خلال يوليو وسبتمبر 2026 اجتماعات عسكرية ركزت على التنسيق وتوحيد المؤسسة العسكرية، قبل الاتفاق على برنامج عمل مشترك يشمل التدريب وتبادل الخبرات وتحديث المعدات.
وتنظر الرؤية المطروحة إلى الاستقرار الأمني باعتباره شرطاً لتحريك الاقتصاد وإطلاق مشاريع التنمية. فالمناطق التي تعاني من ضعف الخدمات أو آثار الصراعات تحتاج، إلى جانب الترتيبات الأمنية، إلى برامج لإعادة تأهيل البنية التحتية واستعادة الخدمات الأساسية.
ويأتي ملف الشباب في قلب هذا التصور، عبر الدعوة إلى الاستفادة من الكفاءات الجديدة في الإدارة والتخطيط والتنمية. وهي مقاربة تتقاطع مع الحاجة الأوسع إلى تجديد المؤسسات الليبية، التي تواجه منذ سنوات تحديات الانقسام وتعدد مراكز القرار.
أما المؤسسة العسكرية، فتبرز الحاجة إلى تحديث هياكلها وقدراتها وتطوير منظومة التدريب والتعليم. وقد أكدت تصريحات رسمية حديثة أهمية إعداد جيل عسكري جديد يمتلك المعرفة التقنية والقدرة على التعامل مع التحديات الحديثة.
وتكتسب هذه الملفات أهمية إضافية مع استمرار الجهود الأممية والليبية لتوحيد المؤسسات. فقد وصفت بعثة الأمم المتحدة اجتماعات سرت بأنها خطوة لبناء الثقة ودعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية، فيما أكد المجلس الرئاسي أن توحيد المؤسسة العسكرية يمثل أحد المرتكزات الأساسية لتعزيز أمن البلاد واستقرارها.
وبذلك، فإن الرهان المطروح لا يتعلق بالمؤسسة العسكرية وحدها، وإنما بقدرة ليبيا على بناء منظومة مؤسساتية متماسكة تربط الأمن بالتنمية، وتفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وتحوّل إعادة الإعمار من مشاريع منفصلة إلى جزء من رؤية أوسع لبناء الدولة.
فالاستقرار، في النهاية، لا يُقاس فقط بغياب الاضطراب، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة على توفير الأمن والخدمات وتهيئة الظروف لحياة اقتصادية واجتماعية أكثر انتظاماً.