حمى الله صخرة المشرق د. حازم قشوع

 

من المستغرب أن تتعرض المملكة العربية السعودية، الدولة الشقيقة والجارة، لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة مصدرها اليمن، في اعتداءات تُنسب إلى الحوثيين، وقد وصل بعضها إلى عسير ونجران وحتى الرياض ومطار الملك خالد الدولي، بما يجعل استهداف العاصمة ومرافقها المدنية أمراً يتجاوز حدود الرسائل العسكرية المعتادة إلى رسائل سياسية تحمل في طياتها إسقاطات استخبارية تصب في بحر الاتفاقات الإبراهيمية وما يجري حولها من إعادة تشكيل للمشهد الإقليمي.

فما يظهر في المشهد هو استهداف جغرافي وأمني، أما الجانب غير الظاهر منه فيتصل بالسياق السياسي الذي تتحرك فيه المملكة ومواقفها تجاه قضايا المنطقة، وفي مقدمتها موقفها من الاتفاقات الإبراهيمية ومسألة التطبيع مع إسرائيل، وهو موقف ارتبط بضرورة الوصول إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية، بما يجعل الموقف السعودي جزءاً من معادلة سياسية تتجاوز حدود المملكة.

ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يطلق الصاروخ أو بنوع الطائرة المسيّرة التي حملته، وإنما بما يمكن أن يعنيه استمرار الضغط على الرياض في هذه المرحلة تحديداً، وما إذا كانت أدوات التصعيد العسكري تُستخدم بالتوازي مع أدوات الضغط السياسي لإعادة تشكيل مواقف الدول المؤثرة في المنطقة، التي ما زالت تقف صخرة أمام عاتيات التغيير وبرامج إسقاطاته، وما تحمله من ترسيم جديد لفواصل هندسة طاولة بيت القرار في الإقليم.

فالسعودية ليست دولة هامشية في المعادلة الإقليمية، وموقفها من القضية الفلسطينية ومن مستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية، بما تمتلكه من وزن سياسي واقتصادي وديني، يتجاوز حدودها. ولذلك فإن أي استهداف لأمنها واستقرارها ينعكس على منظومة الأمن الإقليمي، وعلى أمن المشرق العربي بصورة خاصة، كما ينعكس على مسار التوازنات التي يجري تشكيلها في المنطقة.

وفي هذا السياق، يقف الأردن إلى جانب المملكة العربية السعودية انطلاقاً من عمق العلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع البلدين والشعبين، والتي لم تعد تقوم على الجوار والمصالح المشتركة وحدها، وإنما تعززت بروابط النسب والمصاهرة التي أضافت بعداً اجتماعياً وإنسانياً عميقاً إلى أخوة الموقف، ورسختها العلاقة المتينة التي حرص الحسين ولي العهد على ترسيخها، بما جعل من التقارب الأردني السعودي حالة ممتدة بين القيادتين والشعبين، لا تحكمها الظروف ولا تتبدل بتبدل المراحل.

وصاحب الوصاية على المقدسات في القدس، وهو يقف إلى جانب خادم الحرمين الشريفين، إنما يستكمل نهجاً ممتداً في تاريخ المشرق وموروثه، عنوانه وحدة الرسالة وامتداد المكان، من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وصولاً إلى القدس الشريف؛ فهذه الجغرافيا ليست مجرد نقاط على خارطة، وإنما فضاء تاريخي وديني وحضاري ارتبطت به المنطقة وتكوّن في ظله موروثها العربي والإسلامي. ومن هنا تأتي أخوة الموقف بين الأردن والسعودية باعتبارها امتداداً لهذا التاريخ، وتعبيراً عن مسؤولية مشتركة في حماية أمن المشرق واستقراره، وصون مكانة مقدساته وروايته التاريخية.

والأردن، وهو يشارك السعودية الموقف والرأي تجاه القضية الفلسطينية والاتفاقات الإبراهيمية، ينظر إلى أمن المملكة واستقرارها وسيادتها وسلامة أراضيها باعتبارها جزءاً من أمن المشرق العربي واستقراره. وكما يؤكد الملك عبدالله الثاني، فإن أمن السعودية وسيادتها وسلامة أراضيها خطوط حمراء، وهي كذلك بالنسبة للأردن، ولا ينبغي أن تكون موضع استهداف أو ضغط بسبب موقفها السياسي والقانوني الثابت.

ولعل ما رسخه الحسين ولي العهد من أخوة موقف مع السعودية يؤكد أن العلاقة بين البلدين ليست علاقة ظرفية، وإنما شراكة في الرؤية والموقف والثبات، تقوم على أن أمن البلدين لا يتجزأ، وأن ما يمس السعودية يمس الأردن، وما
يعزز استقرار الأردن يعزز استقرار المشرق العربي. ولذلك فإن الموقف الأردني من استهداف المملكة هو موقف قيمي ومبدئي وقانوني لا تقبل فيه المساومة، مهما اختلفت الأدوات أو تبدلت العناوين، سواء حملت عنواناً حوثياً أو إيرانياً أو غير ذلك.

وهنا تتبلور درجة الاستغراب والاستهجان، ويبرز السؤال الأهم: على ماذا توافقت إيران مع الولايات المتحدة، وما حدود التفاهمات التي يمكن أن تكون قد جرت، إذا كانت المنطقة لا تزال تشهد أدوات تصعيد تستهدف دولاً عربية مؤثرة، وفي مقدمتها السعودية، بينما يجري الحديث في الوقت نفسه عن إعادة ترتيب الإقليم وهندسة طاولاته السياسية والأمنية؟
حمى الله السعودية، وحفظ الأردن والسعودية وشعبيهما، وأبقى علاقاتهما رافعة للتوازن والاستقرار العربي. فالمنطقة تحتاج اليوم إلى التهدئة والحلول السياسية أكثر من حاجتها إلى مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة، لأن الأردن والسعودية يشكلان صخرة المشرق العربي الرافضة لأي سلام يقوم على الإذعان، والمؤمنة بأن السلام الحقيقي لا يصنع بالقوة، وإنما بالحق والعدالة والاعتراف بالحقوق المشروعة، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في دولته.

وستبقى صخرة المشرق صلبة، عنوانها الأردن والسعودية، وموقفها أن السلام الذي لا يحقق العدالة لا يصنع استقراراً، وأن هندسة الإقليم لا يمكن أن تقوم على تجاوز حقوق شعوبه أو فرض الوقائع بالقوة. أما فرض إسرائيل على سدة الطاولة في المنطقة، فهو أمر مرفوض شكلاً وغير قابل للنظر موضوعاً، مهما حاول من حاول زيادة الضغط القادم من فشل انتخابي أو النابع من خسارة منهجية. فالعالم، كل العالم، الذي ما زال يقف مع القانون الدولي، يدرك أن الطاولة لا تُبنى على الإقصاء ولا تُدار بفرض الأمر الواقع، وأن صخرة المشرق ما زالت تقف بشموخ لحماية هذا الموقف والدفاع عن قواعد الشرعية الدولية.

وإذا تصاعدت الأمور ولم تستكن المجتمعات العربية أمام هذه السياسات، فإن الشارع العربي سيعبّر عن موقفه في تظاهرات مناوئة لهذه السياسات، بهتاف يذود عن صخرة المشرق، من أجل حماية موقفها، وصون حقها في أن تبقى المنطقة فضاءً للسلام العادل، لا ساحة لفرض النفوذ والإذعان. حمى الله صخرة المشرق .