لم يعد التحدي الأكبر في سرعة تطور الذكاء الاصطناعي بل في قدرة الإنسان على تمييز الحقيقة وسط محتوى مصطنع يزداد إتقاناً ومع تراجع قيمة الصورة والصوت بوصفهما دليلاً على وقوع الأحداث يلوح خطر الوعي الضبابي وهي حالة تختلط فيها الوقائع بالمشاهد الملفقة وتضطرب معها معايير التصديق والحكم.
تتجلى ملامح هذا الخطر في وجوه تُنقل إلى أماكن لم تزرها وأصوات تُنسب إليها تصريحات لم تصدر عنها ومشاهد تُقدَّم باعتبارها توثيقاً لأحداث لم تقع وكلما ارتفعت جودة التزييف ضاقت المسافة بين ما تلتقطه الحواس وما يمكن الوثوق به.
المشكلة تتجاوز تصديق الأكاذيب إلى التشكيك في الحقائق فشيوع المحتوى المزيف قد يمنح المتورطين ذريعة لإنكار أدلة صحيحة ويدفع الجمهور إلى الارتياب في كل تسجيل أو وثيقة عندها يصبح إثبات الواقعة أكثر تعقيداً ويتسع المجال لتضليل الرأي العام وتقويض العدالة.
ويمتد الضرر إلى العلاقات الإنسانية إذ قد يكفي تسجيل ملفق أو محادثة مصطنعة لهدم الثقة داخل أسرة أو تشويه سمعة شخص أو تعريضه لاتهام يضطر إلى نفيه ومع تكرار هذه الوقائع يتحول الشك من استجابة عابرة إلى سلوك يحكم علاقة الإنسان بمحيطه.
وثمة خطر أقل ظهوراً يتمثل في توظيف بيانات الأفراد لتخصيص رسائل تستهدف مخاوفهم ورغباتهم وانحيازاتهم هذا التأثير لا يعني التحكم الحرفي بالعقول لكنه قد يعيد تشكيل القناعات تدريجياً حتى يتبنى الفرد موقفاً يراه مستقلاً بينما أسهم محتوى موجَّه ومتكرر في بنائه.
وفي الحروب والأزمات قد يُستخدم التزييف لإرباك المجتمعات والمؤسسات عبر خطابات منسوبة إلى قادة أو مشاهد لهجمات وهمية أو أوامر مزورة وتكمن خطورته في استثمار سرعة الانتشار وبطء التحقق بما يتيح إثارة الذعر وزعزعة الثقة قبل انكشاف الخداع.
حتى الذاكرة التاريخية قد تصبح هدفاً فإنتاج وثائق وتسجيلات تحاكي مواد الأرشيف يمكن أن ينقل الخلاف من تفسير الأحداث إلى إنكار وقوعها أو اختلاقها لذلك تكتسب حماية الأرشيف وتوثيق مصادره أهمية تتصل بصون الهوية والذاكرة الوطنية.
وفي الأردن تستدعي هذه التحولات مشروعاً وطنياً لحماية الوعي الرقمي في ظل قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني يجمع بين تطوير التشريعات وتعزيز أمن المعلومات وبناء قدرات للتحقق من المحتوى ويشمل ذلك اعتماد آليات موثوقة لإثبات مصدر الوثائق والتسجيلات الرسمية وسلامتها وتأهيل المؤسسات الإعلامية وترسيخ التفكير النقدي في التعليم.
المواجهة تبدأ بالتريث قبل التصديق والاتهام وإعادة النشر وتتطلب مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات والأفراد فالتقدم التقني يحتاج إلى منظومة تحمي الثقة وتحد من إساءة استخدامه وأخطر نتائج التزييف أن يفقد الإنسان مرجعيته في فهم العالم فيغدو الواقع حاضراً لكن الوصول إلى حقيقته محاطاً بالضباب.