2 / 2
إستعرضت في الجزء الاول بمقالي المعنون” لا إنتخابات تحت الإحتلال…ألإستقلال اولا ” وفي الجزء الثاني ساستعرض كيف ان دول الإتحاد الأوربي إضافة إلى دول اخرى رفضت او اعربت عن اسفها لتاجيل الإنتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية في موقف يتعارض من حيث المبدأ مع فلسفة الإنتخابات الحرة المعبرة عن إرادة الشعب التي تتطلب ان يتمتع الشعب بالحرية والإستقلال في حدود دولته الديمقراطية المستقلة ذات السيادة ولا يمكن ان تجري الإنتخابات في ظل بقاء وإستمرار إستعمار إحلالي إرهابي كالكيان الإسرائيلي الذي يتبجح بإرتكاب مختلف اشكال الجرائم المعاقب عليها دوليا ويفرض تغييرات جغرافية وديموغرافية وتشريعية في اراضي الدولة الفلسطينية المحتلة خلافا لإتفاقية جنيف الرابعة بتحد للإرادة الدولية ،
كما ان الكيان الإسرائيلي المارق لم يلتزم يوما منذ صناعته عام ١٩٤٨ على يد دول إستعمارية بقرار دولي بل عملت تلك القوى على دعم إقتلاع الشعب الفلسطيني من وطنه دون اي إعتبار او إحترام لحق الشعب الفلسطيني الأصيل بوطنه التاريخي وحرمانه من حقه بالحرية والإستقلال وتقرير المصير بل عمدت وفق مخطط هيمنة إستعمارية إلى دعم وتمكين العصابات اليهودية الصهيونية من إرتكاب سلسلة من المجازر في سياق حرب إبادة وتطهير عرقي بحق الشعب الفلسطيني اسفرت عن تهجير مئات الآلاف من المدنيين ” عددهم حاليا ٦ ملايين لاجئ فلسطيني ” ونشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين التي تمثل ركنا رئيسا بالصراع العربي بعنوانه الفلسطيني مع القوى الإستعمارية واداتها ” إسرائيل ” .
وها هي اليوم تعمل على إعادة سيناريو ما قبل عام ١٩٤٨ من خلال التنصل من :
▪︎ ان الشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية المعترف بها دوليا ومحاولة إضفاء الشرعية على المجلس التشريعي .
▪︎ مسؤولياتها بالضغط على الكيان الإسرائيلي المارق بكافة الوسائل المنصوص عليها بميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية من قطع العلاقات السياسية والدبلوماسية والإقتصادية إلى العزل الشامل على الساحة الدولية لإلزامه إنهاء إحتلاله لجميع الاراضي الفلسطينية المحتلة وتمكين الشعب الفلسطيني من الحرية والإستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس تنفيذا لقراري الجمعية العامة رقم ١٨١ و ١٩٤ .
▪︎ التنصل العملي من ترجمة تنفيذ حل الدولتين التي تتبناه الدول الأوربية وكندا وأستراليا وباقي دول العالم والذي يعني حكما تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة الطرف الثاني من المعادلة وتمكين اللاجئين الفلسطينيين من العودة لمدنهم وقراهم التي طردوا منها عنوة عام ١٩٤٨ و ١٩٦٧ .
تجارب من التاريخ :
لم يسجل التاريخ ان شعبًا نال حريته عبر انتخابات أُجريت تحت حراب المستعمر وسطوته والتجارب التالية من عهدي الإستعمار البريطاني والفرنسي في الوطن العربي تدل على ذلك :
▪︎ تجارب الاستعمار البريطاني والفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية تقدّم درسًا لا لبس فيه بان الانتخابات في ظل الإحتلال ما هي إلا ديكورا تُهدف لشرعنة وتجميل الهيمنة لا لإنهائها .
▪︎ ففي مصر أدارت بريطانيا الحياة السياسية عبر برلمانات وحكومات تحت سيادتها تتشكل وتُحَلّ بما يخدم مصالحها ونفوذها ، وابقت قناة السويس والقواعد العسكرية خارج إرادة الناخبين اي خارج سلطات او مراقبة البرلمان والحكومة ، إلى أن تم انتُزاع الإستقلال بالنضال لا بالاقتراع .
▪︎ وفي العراق كذلك أنتجت معاهدات الانتداب والتحالف برلمانات مقيَّدة بالنفوذ والقرار البريطاني ، فاندلعت وثبة 1948 وأسقطت معاهدة بورتسموث .
▪︎ أما الجزائر فمثالها الأوضح ففي ظل القانون الأساسي لعام 1947 أنشأت فرنسا كليتين انتخابيتين بعدد متساوٍ من المقاعد: واحدة للأوروبيين المستوطنين وأخرى للمواطنين الجزائريين وحين جاءت انتخابات 1948 قامت سلطات الإستعمار الفرنسي بتزوّيرها علنًا عبر إقصاء المرشحين الوطنيين ، عندئذ أدرك الشعب الجزائري وطليعته أن الصندوق لن يحقق لهم الحرية والإستقلال الذي تحقق عبر ثورة نوفمبر 1954، التي افضت إلى إبرام اتفاقيات إيفيان وإنجاز استفتاء تقرير المصير عام 1962، أي ان إتفاق إيفيان أنهى وجود الإستعمار الفرنسي لا قبله.
▪︎ وكذلك الحال في تونس والمغرب لم تتحول المجالس الاستشارية التي شكلتها فرنسا إلى سيادة فعلية إلا بعد اتفاقات افضت إلى زوال الإستعمار وإعلان الإستقلال عام 1956 .
الخلاصة والاستنتاج :
بناءا على ما تقدم يمكننا ان نخلص إلى نتيجة وإستنتاج أن الانتخابات الحرة تتطلب :
▪︎ قيام دولة مستقلة ذات سيادة على حدودها ومعابرها وثرواتها وقراراتها وأجهزتها .
▪︎ إبرام إتفاق ملزم ينهي الإستعمار خلال مدة زمنية محددة يُتوَّج مع زوال المستعمر بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرة تعبّر عن إرادة شعب حر .
وفلسطين ليس إستثناء عن هذه القواعد فلا يمكن فصل الحاضر عن الماضي فبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة هي الدول التي صنعت ” إسرائيل ” على ارض فلسطين التاريخية ثم تنصّلت من إقامة الدولة الفلسطينية التي نص عليها قرار التقسيم الظالم رقم ١٨١ الذي تم بموجبه صناعة الكيان الإسرائيلي العدواني التوسعي .
ألازدواجية مرفوضة :
وها هي اليوم في الوقت الذي تطالب به الشعب الفلسطيني “الذي يعاني منذ ما يزيد عن مائة سنة من تهجير وتشريد وقتل وإعدام خارج القانون والحرمان من الحرية وتقرير المصير وإعتقالات تعسفية جراء قراراتهم وجرائمهم الإستعمارية بإقتلاعه من وطنه ودعم سلطات الإحتلال الإستعماري الإسرائيلي بكل وسائل القوة ” بصناديق الاقتراع ، في الوقت الذي قامت فرنسا بتاجيل الإنتخابات عام ١٩٤٠ خلال الحرب العالمية الثانية وتقوم دول اوربا بدعم اوكرانيا التي لم تدعو لإجراء الإنتخابات الدورية المستحقة منذ اذار ٢٠٢٤ تحت ذريعة حرب التي لا تقارن من حيث خطورتها وتداعياتها في حرب الإبادة والتطهير العرقي التي يرتكبها الإحتلال الإرهابي الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني الاعزل من السلاح ، بينما تتجاهل مسؤوليتها التاريخية عن استمرار الإحتلال الإستعماري الإسرائيلي وعن إستمرار حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الأساس بالحرية والإستقلال وتقرير المصير التي يكفلها ميثاق واهداف ومبادئ الأمم المتحده كما تكفلها المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومن العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .
ووفقا لذلك فالمسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي عامة وعلى دول الإتحاد الأوروبي خاصة ان تنتصر لقيمها ومبادئها تعزيزا لمصداقيتها بتبني شعار الحرية والإستقلال وحقوق الإنسان دون إزدواجية ودون إستغلالها كاداة ضغط لتحقيق اهدافها او اهداف الكيان الإستعماري الإسرائيلي بإدامة إحتلاله من اجل خلق بيئة تعايش الشعب الفلسطيني كمجموعات سكانية مع الإحتلال في ظل كيان عنصري مجرم يحاكم وقياداته امام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ويعمل على تنفيذ مخطط التهجير القسري للشعب الفلسطيني خارج وطنه .
إذن الإتحاد الاوربي وبريطانيا وكندا وأستراليا وغيرها مطالبين بالكف عن الضغط على القيادة الفلسطينية التي يعتبرها الحلقة الاضعف والإنتقال لتوجيه كافة اشكال وادوات الضغط على الكيان الإستعماري الإسرائيلي لإلزامه بوقف جرائمه وانتهاكاته ومصادرة الأراضي، وإلزامه إنهاء احتلاله لأراضي دولة فلسطين المعترف بها دوليًا خلال اسابيع ، تنفيذًا للقرارات الدولية ذات الصلة ولقرار الجمعية العامة بتصفية الاستعمار .
وعلى الإتحاد الاوربي أن يكفّ عن الازدواجية في المعايير فعلاقاته السياسية والاقتصادية مع إسرائيل ومع الولايات المتحدة تمنحه من أدوات التأثير ما يكفي لفرض الالتزام بالقانون الدولي متى توفرت الإرادة.
فإجراء انتخابات تشريعية في فلسطين دون اتفاق على الاستقلال يعني التعايش مع الاحتلال وتطبيع وجوده وما الإنتخابات التشريعية عام ١٩٩٦ و٢٠٠٦ إلا دليل .
والاتحاد الأوربي بمطالبته إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في أقرب وقت، أي بالتراجع عن القرار الذي حدد الحادي عشر من أيلول 2027 موعدًا لها دون ان تقترن الإنتخابات بزوال الإحتلال فهذا ظلم وإجحاف وإنقلاب على الشرعة الدولية وعلى مبادئ واركان الديمقراطية الحقة ، فالأَولى به ان يعمل على :
▪︎ تفعيل المادة الثانية من اتفاقية الشراكة مع إسرائيل التي تجعل احترام حقوق الإنسان شرطًا جوهريًا فإسرائيل تتبجح بانتهاكها، وماضية بالتنصل من التزاماتها بموجب ميثاق الأمم المتحدة، دون أن تدفع كلفة تُذكر .
▪︎ ممارسة الضغط على القيادات الإسرائيلية لإلغاء قرار الكنيست الرافض لقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وهو رفض صريح لحل الدولتين الذي ترفع دول الاتحاد رايته .
▪︎ إلزام الكيان الإسرائيلي التنفيذ الفوري لإتفاق اوسلو الذي إنقلب عليه كما إنقلب على إلتزاماته كدولة عضو بالجمعية العامة للأمم المتحدة .
▪︎ إتخاذ الإجراءات والتدابير لإلزام الكيان الإسرائيلي المارق الوحيد بتنفيذ قرار محكمة العدل الدولية الصادر في تموز ٢٠٢٤ .
▪︎ تعزيز شرعية منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني إحتراما لإرادة الشعب الفلسطيني داخل الارض المحتلة وخارجها ، فمنظمة التحرير هي المرجعية للسلطة الوطنية الفلسطينية وفق قرار المجلس المركزي الفلسطيني الصادر بشهر تشرين اول عام ١٩٩٣ .
هكذا وبذلك نتطلع لموقف حازم من الإتحاد الأوربي بالإنتصار لأهداف ومبادئ وميثاق الأمم المتحدة عمليا عبر الإنتصار لحقوق الشعب الفلسطيني بالحرية والإستقلال وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وعزل إسرائيل اوربيا اولا ودوليا ثانيا …. ؟
لقد علّمنا التاريخ أن الإستقلال يسبق الصندوق، وأن من يريد انتخابات حرة فعليه أولًا أن يُنهي الإحتلال الإسرائيلي ….فهل من سبيل لذلك ؟