الامين العام للشبكة العربية للإبداع والابتكار
تتسارع التحولات التقنية حولنا، ومع كل إنجاز جديد يتجدد السؤال: هل نحن أمام أدوات تساعد الإنسان، أم أمام قوة ستزيحه من مكانه؟ وقد ازدادت هذه الأسئلة بعد تصريحات شخصيات مؤثرة مثل إيلون ماسك وبيل غيتس؛ فالأول تحدث عن مستقبل قد يصبح فيه العمل اختياريًا ويغدو المال أقل أهمية، والثاني حذّر من اضطراب قد يصيب أسواق العمل ودعا إلى الاستعداد المبكر لحماية الفئات الأكثر عرضة للتأثر. لكن فهم المستقبل لا يبدأ من أكثر التصريحات إثارة، بل من التمييز بين ما نعرفه، وما نتوقعه، وما لا يزال احتمالًا.
هل انتهى عصر الذكاء الاصطناعي؟
أثار إيلون ماسك الانتباه حين كتب أن مصطلح «AI» لم يعد مناسبًا، وأن «SI» أفضل، في إشارة إلى «Super Intelligence» أو الذكاء الفائق. لكن هذه العبارة لا تعني أن الذكاء الاصطناعي انتهى أو أن تقنية جديدة حلّت محلّه فجأة. فقد وجّه أمر تنفيذي أمريكي في سبتمبر 2026 المؤسسات التابعة للسلطة التنفيذية إلى استخدام مصطلح «الذكاء الفائق» بدل «الذكاء الاصطناعي» في مراسلاتها ووثائقها الرسمية. إنه تحول في التسمية والسياسة الرسمية، لا إعلان علمي عن اختفاء التقنية السابقة أو تحقق ذكاء يتفوق على البشر في كل المجالات. [1، 2]
والأهم أن مصطلح «الذكاء الفائق» يُستخدم أيضًا لوصف قدرة افتراضية تتجاوز الإنسان على نطاق واسع، لكن مجرد تداول الاسم لا يثبت أن هذه القدرة تحققت بالفعل. فالتقنيات الموجودة اليوم قوية ومتطورة، لكنها ما زالت متفاوتة في الدقة والموثوقية، وتحتاج إلى مراجعة بشرية، كما أنها لا تفهم العالم أو تتحمل المسؤولية بالطريقة التي يفعلها الإنسان.
ماذا تقول الدراسات عن الوظائف؟
ينبغي أن نفرّق بين تأثر الوظيفة واختفاء الوظيفة. قد تتغير بعض مهام المحاسب أو الصحفي أو المعلم أو موظف خدمة العملاء، وقد تُنجز الأدوات الذكية أجزاء من العمل بسرعة أكبر؛ لكن ذلك لا يعني تلقائيًا زوال المهنة بكاملها.
ويقدّر تقرير مشترك لمنظمة العمل الدولية والمعهد الوطني البولندي للأبحاث أن وظيفة واحدة من كل أربع وظائف عالميًا تقع ضمن مهن قد تتأثر بالذكاء الاصطناعي التوليدي. لكنه يخلص إلى أن تحول المهام هو الاحتمال الأرجح من الاستبدال الكامل؛ إذ تبقى في كثير من المهن مسؤوليات تتطلب التواصل والحكم المهني والتعامل مع ظروف لا يمكن اختزالها في نمط ثابت. كما يشير التقرير إلى أن التأثير يتفاوت بين المهن والفئات، وأن السياسات والتدريب سيؤثران في طريقة انتقال العاملين إلى أدوار جديدة. [3]
وتضيف الصورة العربية ما يستحق التوقف عنده: فتقرير لمنظمة العمل الدولية عن أسواق العمل العربية يرى أن خطر خسارة الوظائف على نطاق واسع بسبب الذكاء الاصطناعي التوليدي محدود مقارنة بفرصة تحسين العمل والإنتاجية، لكنه يحذر من أن التحول قد يزيد بعض أوجه التفاوت، خصوصًا إذا لم تتوافر فرص التدريب والبنية الرقمية والسياسات التي تضمن انتقالًا عادلًا. [4]
هذا لا يدعو إلى الاطمئنان المطلق. فهناك مهن ومهام أكثر عرضة للتغيير، وقد تمر بعض الفئات بفترات صعبة، خصوصًا من لا تتاح لهم فرصة اكتساب مهارات جديدة. لكنه يعني أن الحديث عن «اختفاء كل الوظائف» لا تسنده الأدلة المتاحة؛ والأدق أن نقول إن طبيعة العمل ستتغير، وإن الاستعداد لهذا التغير سيؤثر في من يستفيد منه ومن يتحمل كلفته.
بين توقعات ماسك وتحذيرات غيتس
يتحدث ماسك عن وفرة مستقبلية قد تنتج من عمل الروبوتات والأنظمة الذكية، وربط ذلك بتصور «دخل مرتفع للجميع» وربما تراجع أهمية المال. إنها رؤية مستقبلية مشروطة بزيادة هائلة في إنتاج السلع والخدمات، وبكيفية توزيع هذه الثروة، وبقرارات اقتصادية وسياسية لم تُحسم بعد. لذلك لا ينبغي التعامل معها كأنها موعد محدد أو وعد بأن الرفاه سيصل تلقائيًا إلى الجميع. فالوفرة التقنية، حتى لو تحققت، لا تضمن وحدها عدالة توزيعها. [5]
أما بيل غيتس، فقد نبّه في مقال حديث إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يغير قطاعات متعددة، من خدمة العملاء والبرمجيات إلى القانون والطب، وأن انتقالًا بهذا الحجم قد يضر بأشخاص يفقدون وظائفهم أو يشعرون بأنهم فقدوا السيطرة على مستقبلهم. لكنه يربط النتيجة بالاختيارات التي تتخذها الحكومات والشركات والمجتمعات، ويدعو إلى وضع خطط تجعل ثمار التقنية أوسع توزيعًا وتمنح الناس حماية وفرصًا للتأقلم. هذا التحذير ليس إعلانًا بأن البشر سيصبحون بلا دور؛ بل تنبيه إلى أن إدارة التحول لا تقل أهمية عن تطوير التقنية نفسها. [6]
هل سيصبح الإنسان عبئًا؟
السؤال الأجدى ليس: «هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟» بل: من سيملك هذه الأدوات، ومن سيحدد طريقة استخدامها، ومن سيستفيد من الإنتاجية التي ترفعها؟
فالذكاء الاصطناعي لا يقرر وحده شكل المجتمع. البشر يختارون أين يُستخدم، وما القرارات التي يجوز أن يُسهم فيها، وكيف تُحمى الخصوصية والحقوق، وكيف تُوزع عوائد الإنتاج. وتبقى في مجالات كثيرة عناصر لا تختزل في سرعة الحساب: الرعاية، والثقة، والتعاطف، والمسؤولية، والحكم الأخلاقي، وفهم السياق الإنساني.
وقد لا تكون وظيفة الإنسان المقبلة هي تنفيذ كل مهمة بنفسه، بل أن يعرف كيف يحدد المشكلة، ويختار الأداة المناسبة، ويتحقق من النتائج، ويتحمل مسؤولية القرار. وهذا يتطلب تعليمًا لا يكتفي بحفظ المعلومات، بل ينمّي التفكير النقدي، والقدرة على التعلم، والتواصل، والإبداع، ومعرفة كيفية التعامل الآمن والواعي مع الأنظمة الذكية.
ما الذي ينبغي أن نفعله عربيًا؟
الاستعداد للسنوات الست المقبلة لا يعني مطاردة كل تطبيق جديد، بل بناء قدرة عربية على الاختيار والإنتاج. ويبدأ ذلك بتطوير التعليم والتدريب المهني، وتوسيع المحتوى والبيانات العربية عالية الجودة، ودعم الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، ووضع قواعد واضحة لحماية البيانات ومساءلة الأنظمة عن القرارات التي تؤثر في حياة الناس.
كما ينبغي أن يصل التدريب إلى العاملين والطلاب والمعلمين والموظفين، لا إلى المتخصصين في التقنية وحدهم. فالهوة الرقمية قد تجعل بعض المجتمعات تتحمل آثار الأتمتة من دون أن تحصد مكاسبها. ومن هنا تبرز مسؤولية الحكومات والمؤسسات والقطاع الخاص في ضمان اتصال رقمي أفضل، وفرص تعلم مستمرة، وشبكات حماية تساعد الناس على الانتقال إلى أعمال ومهارات جديدة.
المستقبل ليس موعدًا مكتوبًا
بين عامي 2026 و2032 ستتطور قدرات الذكاء الاصطناعي والروبوتات على الأرجح، وسيتغير معها شكل قطاعات كثيرة من حياتنا. لكن لا أحد يستطيع أن يحدد بدقة كيف سيبدو هذا المستقبل، ولا أن يضمن أن توقعًا مثل «العمل سيصبح اختياريًا» سيتحقق خلال سنوات قليلة. فهذه التوقعات تعتمد على التقدم التقني، وكلفة الطاقة والحوسبة، والاقتصاد، والقوانين، وقدرتنا على توزيع المكاسب ومعالجة الأضرار.
ليس مطلوبًا من الإنسان أن يخاف من المستقبل أو أن يسلّم له دون تفكير. المطلوب أن يفهمه ويشارك في صياغته. فالذكاء الاصطناعي قد يسرّع العمل ويوسّع إمكانات العلاج والتعليم والإنتاج، لكنه لن يصنع مجتمعًا عادلًا من تلقاء نفسه. تلك مسؤولية الإنسان.
والسؤال الذي يستحق أن يشغل الشارع العربي ليس ما إذا كانت الآلة ستسيطر حتمًا، بل كيف نضمن أن تكون هذه الأدوات في خدمة الناس، وأن نمنح أبناءنا المعرفة والمهارات التي تجعلهم شركاء في المستقبل، لا متفرجين على تحوّلاته.