المشرق بين الأحمر والأزرق د. حازم قشوع

 

لم يعد المشرق العربي يُقرأ من خلال خرائط الدول وحدودها السياسية فحسب، بل من خلال خرائط النفوذ وممرات الطاقة وشبكات التنسيق الأمني والعسكري، وما يتصل بها من برامج تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة. وفي هذا السياق، تبدو الضربة النوعية، بما تحمله من احتمالات التصعيد، جزءاً من مشهد أوسع تتداخل فيه القوة العسكرية مع هندسة القرار وإعادة توزيع الأدوار الإقليمية.

وعلى الرغم من تأكيدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم اللجوء إلى السلاح النووي، وما رافق مواقفه من حديث عن استخدام «أم القنابل»، فإن المسألة باتت لا تتعلق بالتسمية
أو بحجم السلاح وحدهما، وإنما بما يمكن أن يترتب على استخدام القوة المفرطة من فوضى تتجاوز حدود إيران إلى الإقليم بأكمله. فالقنبلة النووية، إن استُخدمت، لن تكون مجرد أداة لإنهاء مواجهة عسكرية، بل ستفتح الباب أمام تداعيات إنسانية وبيئية واستراتيجية واسعة، يصعب احتواء آثارها ضمن حدود جغرافية محددة.

وفي موازاة ذلك، تكشف الاتصالات والتفاهمات بين القوى الكبرى أن مسارات التصعيد لا تتحرك بمعزل عن حسابات الطاقة والتكنولوجيا والردع، بما فيها شبكات الاتصال الفضائي المرتبطة بساحات الصراع. فالتفاهم على ملف قد يقابله تفاهم في ملف آخر، وقد تتحول المصالح المتبادلة إلى أدوات لإدارة المواجهة وتحديد سقوفها، الأمر الذي يجعل قراءة المشهد بحاجة إلى تجاوز التصريحات المباشرة نحو فهم شبكة المصالح التي تنتظم خلفها.

لذلك، فإن قراءة التصعيد لا تنفصل عن حسابات السياسة الأمريكية الداخلية، ولا سيما ما قد تفرضه الانتخابات المقبلة من ضغوط على الإدارة. فخسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس قد تحدّ من قدرة الرئيس على تمرير أجندته السياسية، لكنها لا تكفي وحدها للقول إن التصعيد العسكري سيكون نتيجة حتمية لذلك. والأهم هو إدراك أن القرارات الاستراتيجية الكبرى تتحرك عند تقاطع المصالح الداخلية مع حسابات الردع والنفوذ وموازين القوى الدولية.

في ضوء ذلك، يمكن قراءة المشهد من خلال مسارين متقابلين، نطلق عليهما البرنامج الأحمر والمشروع الأزرق. يرتبط الأول بصعود تيار «ميغا» والتقاطعات بين أجزاء من التيار الجمهوري الأمريكي والصهيونية الدينية، فيما يتصل الثاني بالتيار الديمقراطي الأمريكي والمقاربات التي تؤكد أهمية القانون الدولي وأنسنة المواطنة، وتوسيع المشاركة في صناعة القرار بدلاً من اختزالها في أطر سلطوية، ضمن سياقات تقوم على الندية والتنافسية المحمودة.

ولا يعني هذا التقسيم أن كل تيار يمثل كتلة متجانسة، أو أن مواقفه ثابتة في مختلف الملفات، وإنما يوفر إطاراً تحليلياً لفهم التنافس على طبيعة النظام الإقليمي المقبل: فهل تتقدم القوة والأيديولوجيا في رسم خرائط المنطقة، أم تتقدم قواعد القانون وحقوق الشعوب والمشاركة السياسية في تحديد مستقبلها؟

وتبعاً لذلك، فإن فهم بيت القرار الإسرائيلي لا يتوقف عند معرفة من يتولى رئاسة الحكومة، بل يتطلب قراءة العلاقة بين مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب، وبين المؤسسة العسكرية والتيارات الأيديولوجية، وكيفية توزيع الأدوار في التعامل مع سوريا وفلسطين والسعودية واليمن والممرات البحرية. وفي هذا السياق، تكتسب طبيعة الإسناد الأمريكي لبنيامين نتنياهو دلالة تتجاوز حدود العلاقة التقليدية بين حليفين، خصوصاً عندما ينتقل الدعم إلى مستوى التدخل العلني في معادلة التنافس على قيادة إسرائيل، بما يجعل مستقبل الحكومة الإسرائيلية متصلاً بحسابات واشنطن الإقليمية، وليس بالاعتبارات الانتخابية الإسرائيلية وحدها.

وقد أعاد إعلان ترامب دعمه الصريح لنتنياهو، قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر، فتح باب التساؤل حول حدود العلاقة بين الدعم الشخصي والبرنامج الاستراتيجي ويبرز سؤال عن الثمن المقابل !؟ . فحين يتقدم الإسناد الأمريكي إلى هذا المستوى من الوضوح والتوقيت، يصبح السؤال متعلقاً بما إذا كان الدعم موجهاً إلى شخص نتنياهو، أم إلى المسار السياسي والأمني الذي يمثله، وإلى طبيعة المرحلة التي يراد لإسرائيل أن تدخلها. وهنا لا يعود اختلاف المرشحين مسألة داخلية إسرائيلية بحتة، بل يصبح جزءاً من التنافس على اتجاهات القرار في المشرق، وحدود المواجهة مع إيران، ومستقبل غزة والضفة الغربية، وشكل التفاهمات الإقليمية المقبلة.

فالدعم الخارجي لا يحدد وحده نتائج الانتخابات، لكنه قد يؤثر في حسابات القوى المتنافسة، ويمنح بعض البرامج مساحة أوسع للحركة. ومن هنا، فإن قراءة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب ينبغي أن تنطلق من السياسات والنتائج، لا من التصريحات وحدها، ولا من افتراض أن التوافق في ملف واحد يعني التطابق في جميع الملفات.

وتبرز سوريا في هذا المشهد بوصفها إحدى ساحات الاختبار الأساسية. فالتقارير المتداولة بشأن اتصالات بنيامين نتنياهو بالرئيس السوري أحمد الشرع، وما يُطرح بشأن حماية دروز السويداء وعودة اليهود إلى دمشق واستعادة ممتلكاتهم، تفتح الباب أمام التساؤل عن طبيعة التفاهمات المحتملة بين الطرفين. كما أن ما يُتداول عن ترتيبات عسكرية سورية، والإشارات إلى الفرقتين 84 و90، يثير تساؤلات بشأن احتمالات مشاركة سوريا في أي مواجهة مرتبطة باليمن أو بأمن السعودية.

وإذا ما تبلورت تفاهمات أمنية وسياسية مترابطة، فإن دلالتها قد تتجاوز الاتصالات الدبلوماسية إلى بناء أرضية جديدة للعلاقات الإقليمية، وربما تمهد، في مرحلة لاحقة، لمسارات تطبيع بين إسرائيل وبعض دول المشرق. غير أن العلاقات بين الدول لا تبدأ دائماً من لحظة الإعلان الرسمي، فقد تسبقها ترتيبات ميدانية وأمنية تتراكم تدريجياً. ويبقى السؤال الأهم متعلقاً بطبيعة هذه الترتيبات، والجهات المستفيدة منها، ومدى تأثيرها في استقلال القرار السوري وموقع سوريا ضمن الجغرافيا السياسية للمنطقة.

وعلى امتداد هذه الصورة، تبرز الساحتان السعودية واليمنية ضمن تصور أوسع لتوزيع الأدوار الإقليمية، حيث لم يعد أمن البحر الأحمر وباب المندب منفصلاً عن أمن السعودية ومصالح القوى المطلة على الممرات البحرية. وفي هذا السياق، يكتسب الموقف المصري أهمية خاصة، بعدما أعلنت القاهرة استعدادها لتقديم الدعم اللازم للسعودية دفاعاً عن أمنها واستقرارها، بالتزامن مع تصاعد الهجمات الحوثية واتساع المخاوف من انتقال المواجهة إلى جبهة إقليمية أوسع.

فالموقف المصري لا يُقرأ فقط باعتباره تضامناً مع الرياض، بل باعتباره تعبيراً عن ارتباط الأمن القومي المصري بأمن البحر الأحمر ومداخله الجنوبية، وما يمثله باب المندب من أهمية لحركة التجارة والملاحة الدولية، فضلاً عن علاقته المباشرة بقناة السويس وإيراداتها. فكل اضطراب طويل في باب المندب ينعكس على حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس، ويضع الاقتصاد المصري أمام تكاليف إضافية، إلى جانب ما يفرضه من اعتبارات أمنية واستراتيجية وهذا ما يفسر انتشار الجيش الباكستاني فى الجنوب حيث عدن وانتشار الجيش المصري فى الدمام فى شرق السعودية وهو التعليل الذى قد يجيب على ذلك فى حال اندلاع حرب شاملة .

غير أن أهمية الموقف المصري تكمن أيضاً في طبيعة الدور وحدوده فالقاهرة تطرح دعم السعودية في إطار الدفاع عن أمنها، بالتوازي مع الدعوة إلى التهدئة، وهو ما يفتح المجال أمام معادلة تجمع بين الردع ومنع اتساع الحرب. كما أن أي انتقال من الموقف السياسي إلى المشاركة العسكرية الفعلية يظل مرتبطاً بالإجراءات الدستورية والقرارات التنفيذية وطبيعة الطلب السعودي. ومن ثم، فإن دلالة الموقف لا تكمن في افتراض دخول مصر حرباً مفتوحة، وإنما في أن أمن البحر الأحمر بات يفرض مستوى أعلى من التنسيق العربي، وأن حماية الممرات البحرية لم تعد قابلة للمعالجة من خلال دولة واحدة أو مقاربة منفردة.

وفي المقابل، تطرح بعض السيناريوهات احتمال الاعتماد على الموارد البشرية السورية، والعتاد العسكري التركي، والدعم الاستخباري واللوجستي الإسرائيلي، في أي ترتيبات مستقبلية مرتبطة بالبحر الأحمر وخليج عدن. لكن هذه التصورات التحليلية لا تتحول إلى ترتيبات محسومة إلا إذا تكاملت هذه الأدوار فعلياً. وعندئذ، لن يكون اليمن مجرد ساحة محلية للصراع، بل نقطة اتصال بين أمن السعودية والممرات البحرية وموازين النفوذ الإقليمي، فيما ستصبح مصر والأردن معنيتين مباشرة بما قد ينشأ من توازنات جديدة على امتداد البحر الأحمر.

وهنا تتقدم أهمية الجغرافيا البحرية في قراءة المشرق؛ فمضيق هرمز وباب المندب وخليج عدن والبحر الأحمر ليست ممرات تجارية فحسب، وإنما مفاتيح مؤثرة في أمن الطاقة والتجارة الدولية وحركة القوى العسكرية. ومن يمتلك القدرة على التأثير في هذه الممرات يمتلك أدوات ضغط تتجاوز حدود الدولة التي ينطلق منها. ولذلك، فإن أي إعادة توزيع للأدوار بين سوريا وتركيا وإسرائيل، وما قد يرتبط بها من مصالح سعودية ومصرية وأردنية، تستدعي قراءة إقليمية شاملة، لا الاكتفاء بتحليل كل ساحة بمعزل عن الأخرى.

فإذا كانت واشنطن وتل أبيب تتحركان ضمن حسابات تتصل بمستقبل المواجهة وترتيب النفوذ، فإن الموقف المصري يضيف بعداً عربياً لا يمكن تجاهله في معادلة البحر الأحمر. وبين الإسناد السياسي لنتنياهو والاستعداد المصري لدعم السعودية، تتضح صورتان مختلفتان من صور التأثير في الإقليم: الأولى تتصل بتوجيه المسار السياسي الإسرائيلي، والثانية تتصل بحماية الأمن العربي وممراته الحيوية. ولا يعني ذلك أن المسارين يتحركان في مواجهة مباشرة أو وفق برنامجين متقابلين بالضرورة، لكنه يبين أن مستقبل المشرق لن يتحدد من خلال الصراع على الحكومات وحده، بل من خلال القدرة على تنظيم العلاقات بين الأمن والسيادة والمصالح الاقتصادية.

أما داخل إسرائيل، فإن التباينات بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت ونفتالي بينيت تكشف أهمية التمييز بين التنافس على السلطة والتنافس على البرنامج الذي سيحكم المرحلة المقبلة. فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يستطيع تشكيل الحكومة، وإنما بطبيعة التوازن بين الاعتبارات الأمنية والعسكرية من جهة، والرؤى الأيديولوجية المتعلقة بالأرض والسكان والحقوق من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، تبرز احتمالات التقاطع بين حسابات المؤسسة العسكرية وتوجهات الصهيونية الدينية، حتى مع وجود تناقضات بين أطرافها. فالمسار الذي يسعى إلى إدارة الصراعات من خلال التفاهمات الأمنية قد يتقاطع مع مسار آخر يريد إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، بما يجعل التفاهمات وسيلة لإدارة الواقع، فيما تستمر محاولات تغييره وفقاً لموازين القوة. ومن ثم، فإن الحكم على اتجاهات بيت القرار الإسرائيلي ينبغي أن يستند إلى السياسات والنتائج، لا إلى أسماء المرشحين وحدها.

أما نفتالي بينيت، فتتصل مقاربته، ضمن التنافس السياسي الإسرائيلي، بمستقبل غزة والضفة الغربية، وبالتصورات المتعلقة بالعلاقة مع مصر وإعادة ترتيب الوجود الفلسطيني. وهنا تتجلى إحدى أخطر المسائل السياسية في المنطقة، وهي الانتقال من التعامل مع الفلسطينيين بوصفهم شعباً صاحب حق في تقرير المصير وإقامة دولته، إلى التعامل معهم باعتبارهم تجمعات سكانية تُنظَّم إقامتهم وحقوقهم المدنية وفق اعتبارات أمنية تفرضها القوة المسيطرة.

فالفرق بين المواطنة والإقامة ليس فرقاً في المصطلحات،
وإنما في طبيعة الحقوق ومصدرها. فالمواطنة والحقوق الوطنية تنطلقان من الاعتراف بالإنسان صاحب حق، وبالشعب صاحب إرادة سياسية، بينما تؤدي إدارة السكان وفق مقتضيات السيطرة إلى تجريد القضية من مضمونها الوطني وتحويلها إلى ملف إداري وأمني. وبذلك يرتبط مستقبل الانتخابات الفلسطينية والتمثيل السياسي وحق تقرير المصير بطبيعة المشروع الذي يُراد للمنطقة أن تستقر عليه.

وعند هذه النقطة، يتضح معنى البرنامج الأحمر، الذي نربطه في هذه القراءة بتيار «ميغا» والتقاطعات القائمة بين أجزاء من الحزب الجمهوري الأمريكي والصهيونية الدينية. فهو مسار يقوم على توظيف القوة والنفوذ وإعادة ترتيب الجغرافيا السياسية بما يتيح تثبيت وقائع جديدة في المنطقة. ولا يتوقف امتداده عند حدود إسرائيل، بل يتصل بمستقبل فلسطين وسوريا والممرات البحرية، وبطبيعة العلاقات التي ستربط دول المنطقة بعضها ببعض.

وفي المقابل، يقوم المشروع الأزرق على مقاربات سياسية تؤكد الاحتكام إلى القانون الدولي، وأنسنة المواطنة، والاعتراف بالإنسان بوصفه صاحب حقوق لا يجوز اختزالها في الدين
أو الهوية أو الموقع الجغرافي. ولا يعني ذلك أن الحزب الديمقراطي الأمريكي يمثل موقفاً موحداً في جميع الملفات، أو أن الالتزام بالقانون الدولي يقتصر عليه، وإنما المقصود تحديد اتجاه سياسي يضع حقوق الشعوب وحقها في تقرير المصير في مواجهة منطق فرض الوقائع بالقوة.

وبهذا المعنى، لا يمثل الأحمر والأزرق مجرد لونين في خريطة سياسية، وإنما إطارين لقراءة التنافس على شكل النظام الإقليمي المقبل. أهو نظام تتقدم فيه القوة والأيديولوجيا على الحقوق، أم نظام تُضبط فيه القوة بقواعد القانون الدولي، وتُحمى فيه حقوق الشعوب وفقاً للأعراف والقيم، والمشاركة الإقليمية التي تُصان عبرها سيادة الدول؟ إن الإجابة لا تتحدد بالشعارات وحدها، وإنما بقدرة كل مسار على تحويل تصوره إلى سياسات وأدوات مؤثرة في القرار الدولي.

ومن هنا تكتسب الأعوام القادمة أهمية خاصة بوصفها نافذة لاختبار اتجاهات القرار الإسرائيلي، وحدود التفاهمات الإقليمية، وقدرة القوى الدولية والعربية على التأثير في مآلاتها. أما عام 2030، فيمثل في هذه القراءة أفقاً استشرافياً للبرنامج الأحمر، وليس موعداً مؤكداً لتنفيذ مشروع بعينه. ويبقى السؤال ما إذا كان المشروع الأزرق سيتمكن من بناء معادلة سياسية وقانونية وردعية تحول دون انتقال البرنامج الأحمر إلى مراحل أوسع من التطبيق، في ظل حسابات التوازن الانتخابي في الولايات المتحدة، وما قد تفرزه الانتخابات من توزيع للسلطة بين مجلسي الكونغرس، بما يؤثر في قدرة الإدارة على تمرير أجندتها.

إن مواجهة هذا المسار لا تتحقق بمجرد انتظار تغير الإدارة الأمريكية أو تبدل الحكومات الإسرائيلية، وإنما تتطلب بناء توازن إقليمي قادر على حماية سيادة الدول وحقوق الشعوب، وتعزيز التنسيق العربي، وربط أي ترتيبات للتطبيع بضمانات واضحة تتصل بالقضية الفلسطينية والقدس، ورفض التهجير، وصون حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. فالقانون الدولي لا يتحول إلى قوة مؤثرة بمجرد الاحتجاج به، وإنما حين تسنده إرادة سياسية وأدوات دبلوماسية واقتصادية قادرة على التأثير في حسابات الأطراف.

وعليه، فإن اتساع دائرة الاتفاقات الإبراهيمية أو دخول دول جديدة في مسارات التطبيع قد يصبح جزءاً من إعادة تنظيم العلاقات الإقليمية، لكنه لا يعني أن صورة المشرق قد حُسمت، ولا أن التطبيع يشكل بذاته نهاية الصراع. فالسؤال الأهم ليس من سيطبع مع إسرائيل، وإنما ما الذي سيأتي بعد التطبيع، وما طبيعة المشروع الذي ستخدمه الاتفاقات، ومن سيملك حق رسم قواعد المرحلة المقبلة.

وهنا تتحدد دلالة بيت القرار الإسرائيلي؛ فاختلاف المرشحين وتعدد التيارات لا يكفيان لفهم الاتجاه المقبل ما لم نقرأ العلاقة بين مراكز النفوذ والأدوات الأمنية والأهداف السياسية. وقد تتغير الوجوه وتتبدل التحالفات، فيما تستمر بعض الغايات الاستراتيجية أو يُعاد تقديمها بوسائل مختلفة. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في نتائج السياسات على الأرض، وفي ما إذا كانت ستقود إلى تسوية تحفظ الحقوق وتوازن المصالح، أم إلى ترتيبات تعيد تشكيل المنطقة وفق موازين القوة وحدها.
إن المشرق بين الأحمر والأزرق يقف أمام سؤال يتجاوز التطبيع والحكومات والانتخابات ليصل إلى جوهر القرار ومستقبل المنطقة: من يحدد قواعد اللعبة، ومن يملك القدرة على حماية الحقوق، ومن يستطيع منع احتكار طرف واحد لرسم الجغرافيا السياسية؟ فالمعركة ليست على هندسة الطاولة وحدها، وإنما على هندسة القرار الذي سيحدد ما يدور فوقها وما يترتب عليه.

ذلك هو التحدي الذي ينبغي أن يتقدم أولويات بيت القرار العربي، حتى يتحول من موقع متابعة التحولات إلى موقع التأثير فيها، وأن يبني من تكامل المصالح العربية قوة سياسية قادرة على حماية المشرق وصون حقوق شعوبه، ومنع تحويل مستقبل فلسطين والمنطقة إلى نتيجة محسومة سلفاً في حسابات الآخرين.

وإذا كان الموقف المصري من أمن السعودية وباب المندب يعكس إدراكاً متزايداً لترابط الأمن العربي، فإن المطلوب هو البناء على هذا الإدراك من خلال تنسيق سياسي وأمني واقتصادي يربط البحر الأحمر بقضية فلسطين، ويحفظ للدول العربية استقلال قرارها، ويحول دون استفراد أي قوة خارجية بتحديد اتجاهات المنطقة. فالتحدي لا يكمن في مواجهة التهديدات كلٌّ على حدة، بل في بناء معادلة عربية تنظر إلى الممرات البحرية والموارد الطبيعية والبشرية وحقوق الشعوب باعتبارها عناصر متكاملة في أمن المشرق ومستقبله.

وهي الأرضية التي يحاول الملك عبدالله الثاني بناءها، وينسج خيوطها بين العواصم المؤثرة أمنياً وسياسياً، لإيجاد برنامج عمل يقوم على الدرع الوقائي والردع الاحترازي لصون الموارد البشرية والطبيعية، وحماية المنجزات العربية في المشرق. فالمطلوب ليس الاكتفاء بقراءة اللونين، على أهمية ما يتضمنه هذا المقال من قراءة، وإنما امتلاك القدرة على رسم معادلة عربية تحفظ التوازن، وتمنع أن تصبح الجغرافيا العربية مجرد مساحة تتقاسمها برامج الآخرين حتى لا ننجر فى موقعه يراد لها ان تكون عنوانا للطاولة السياسيه ما بعد ذلك .