ناصر عمار يفتح ملف الجنوب الليبي.. من يملك الأرض ومن يمتلك الشرعية؟

 

آمر قوة الإسناد بعملية «بركان الغضب» ..”حماية الحدود الجنوبية تتطلب استراتيجية وطنية تتجاوز الانقسام السياسي”

طرابلس –

لم يعد الجنوب الليبي، وفق قراءة ناصر عمار، آمر قوة الإسناد بعملية «بركان الغضب»، مجرد منطقة جغرافية بعيدة عن مراكز القرار، بل أصبح عنواناً مركزياً للصراع على النفوذ والشرعية والسيطرة على الحدود والثروات الاستراتيجية، في ظل استمرار الانقسام السياسي والعسكري بين شرق البلاد وغربها.

ويطرح عمار جملة من التساؤلات بشأن حساسية الجنوب وأهميته، ودور القيادة العامة بالرجمة في حماية حدوده الاستراتيجية، فضلاً عن مستوى الدعم المعنوي الذي يقدمه رئيس أركان القوات البرية صدام حفتر للقوات المرابطة في هذه المناطق، بهدف رفع مستوى التعبئة والجاهزية والكفاءة.

ويرى عمار أن الجنوب ليس مجرد ورقة للمساومة السياسية أو ساحة للصراع على الشرعية بين الشرق والغرب، بل هو التزام وطني ينبغي أن يتحمل مسؤوليته من يمتلك القدرة والاستعداد لحماية البلاد. ويؤكد أن عمق الجنوب وثرواته يستحقان استراتيجية وطنية موحدة تتجاوز التجاذبات الضيقة، وتضمن استقراراً حقيقياً ينهي التهميش ويحفظ سيادة ليبيا.

القيادة العامة والنفوذ الميداني

وبحسب قراءة عمار، تتولى القوات التابعة للقيادة العامة بالرجمة السيطرة الميدانية الفعلية على جزء كبير من الشريط الحدودي الجنوبي، ويمتد نفوذها عبر مناطق واسعة من فزان والجنوب الشرقي.

ففي المناطق الممتدة من الحدود الجزائرية غرباً وصولاً إلى غات، تنتشر وحدات تابعة للقيادة العامة لمراقبة المسالك الصحراوية ومكافحة التهريب وتأمين المنشآت والحقول النفطية، ومن بينها حقلا الشرارة والفيل.

أما شرقاً، وصولاً إلى الحدود المصرية والسودانية، فيشير عمار إلى دور القوات التابعة للقيادة العامة في مراقبة المثلث الحدودي مع مصر والسودان وتشاد، من خلال منطقة الكفرة العسكرية وتشكيلات من بينها كتيبة «سبل السلام» واللواء 128، في مناطق تتأثر بالتوترات المستمرة المرتبطة بالأوضاع الأمنية في السودان وتشاد.

ويعتبر عمار أن هذا الانتشار يمنح القيادة العامة موقعاً مؤثراً في المعادلة الأمنية للجنوب، بالنظر إلى امتداد مناطق نفوذها إلى عدد من المدن والقواعد والقواطع العسكرية القريبة من الحدود مع تشاد والنيجر والسودان.

صدام حفتر ورسائل التحركات العسكرية

ويربط عمار بين هذه المعطيات والتحركات والزيارات والمناورات العسكرية التي شهدها الجنوب خلال اليومين المشار إليهما في قراءته، معتبراً أنها تحمل رسائل إلى الداخل والخارج بشأن قدرة القيادة العامة على تثبيت حضورها الميداني.

ويذهب عمار إلى أن هذه التحركات تعكس، من وجهة نظره، أن السيطرة الميدانية في مساحات واسعة من الجنوب تقع بيد القيادة العامة، وأنها تسعى إلى تأكيد هذا الواقع أمام الأطراف السياسية والعسكرية الأخرى.

كما يطرح تساؤلات بشأن دور صدام حفتر، رئيس أركان القوات البرية، في رفع معنويات القوات المرابطة في الثغور الحدودية، وتعزيز مستوى التعبئة والاستعداد، ومتابعة ظروف انتشارها في مناطق تتسم باتساع المسافات وصعوبة التضاريس والظروف الصحراوية.

الشرعية في طرابلس والسيطرة على الأرض

في المقابل، يلفت عمار إلى ما يعتبره فجوة بين الشرعية السياسية والمؤسسية التي تتمتع بها السلطات الموجودة في طرابلس، وبين السيطرة العسكرية الفعلية على مناطق واسعة من الشرق والجنوب.

فالمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي يحمل، وفق الترتيبات السياسية القائمة، صفة القائد الأعلى للجيش الليبي، إلا أن عمار يرى أن سلطته الميدانية تتركز أساساً في غرب البلاد، ولا تقابلها سيطرة مباشرة مماثلة على المعابر والمناطق الحدودية الجنوبية.

ويستخدم عمار توصيفاً نقدياً حاداً عند تناوله هذا الوضع، متسائلاً عن أسباب محدودية الحضور الميداني للسلطات في طرابلس في الجنوب، وما إذا كان الإقليم يُعامل عملياً كما لو أنه خارج نطاق الاهتمام الفعلي للدولة.

أما حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الذي يتولى حقيبة الدفاع، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، فيشير عمار إلى امتلاك الحكومة نفوذاً مالياً وإدارياً، وقدرتها على إدارة الميزانيات والتحرك في ملفات تطوير وتأمين الحدود.

ويثير في هذا السياق تساؤلات بشأن الصفقات والمشاريع المرتبطة بمراقبة الحدود، مطالباً، وفق مضمون قراءته، بالنظر في طبيعة الإنفاق ونتائج المشاريع ومدى انعكاسها على أمن الجنوب.

كما يشير إلى تحركات سابقة لقوات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية، من بينها اللواء 444 أو تشكيلات من غرب ليبيا، باتجاه مناطق قريبة من الشويرف أو غدامس، معتبراً أن هذه التحركات قد تخلق نقاط تماس وتوتر مع قوات القيادة العامة.

من الأولى بقيادة ليبيا؟

ويختتم عمار قراءته بطرح معضلة يعتبرها جوهرية: كيف يمكن تحقيق استقرار مستدام في ظل وجود جهة تمتلك الشرعية السياسية والدولية والموارد المالية في طرابلس، وجهة أخرى تمتلك، بحسب تقديره، السيطرة العسكرية الفعلية على مساحات واسعة من الشرق والجنوب والحدود الاستراتيجية؟

كما يتساءل عما إذا كانت الزيارات والاستعراضات والتحركات العسكرية قادرة على فتح الطريق أمام توحيد البلاد، أم أنها قد تكرس موازين القوة القائمة وتفتح الباب أمام جولات جديدة من الصراع على المنافذ والحقول النفطية والمناطق الاستراتيجية، ولا سيما غدامس.

وفي نهاية المطاف، يربط عمار مستقبل الجنوب بقدرة الليبيين على تجاوز الانقسام، وتحويل الثروات والمواقع الاستراتيجية إلى مشاريع تنموية ملموسة تنهي التهميش، بدلاً من إبقائها رهينة للصراع على من يمثل الدولة ومن يقود جيشها.