توريث النكبة في رواية «شظايا الذاكرة» لمحمد سرسك موسى إبراهيم أبو رياش

موسى إبراهيم أبو رياش

ثمة أحداث تاريخية ترفض أن تنقضي في حياة الناس، وتبقى كامنة في اللغة والعادات والمخاوف وصورة المكان، وتنتقل من الآباء إلى الأبناء، حتى يصبح الذين لم يشهدوها شهودًا متأخرين عليها. والنكبة الفلسطينية من أكثر الأحداث العربية والعالمية وضوحًا في هذا المعنى؛ لأنّ خسارة الأرض والبيوت في عام 1948، وما رافقها من مذابح وتهجير، كانت بداية لتحوّل عميق في حياة الفلسطيني ونظرته إلى نفسه وإلى العالم، وهي آثار استمرت في الأجيال التي ولدت بعد النكبة ولم تر القرى التي هُجّر منها آباؤها وأجدادها.
ويمكن قراءة رواية «شظايا الذاكرة» للأردني محمد سرسك من هذا المنظور؛ فهي تتخذ من تاريخ عائلة فلسطينية ممتدة عبر أجيال وأمكنة مختلفة وسيلة لرصد انتقال النكبة من كونها واقعة عاشها جيل بعينه إلى ميراث نفسي وثقافي ووجودي تحمله الأجيال التالية. ولهذا يقوم البناء الروائي على تعدد الشخصيات والأزمنة والأمكنة، من فلسطين إلى الضفة والمخيمات والشتات، بحيث تبدو كل شخصية امتدادًا لشخصية سبقتها، وإن تغيّرت ظروف الحياة وصور المواجهة.

صدمة وانكسار
تبدأ آثار النكبة في الرواية من الصدمة الأولى، من لحظة الخروج من المكان؛ فالتهجير انهيار مفاجئ لنظام كامل من الحياة، لأنّ البيوت والبيارات والأرض والعمل والمواسم والعلاقات الاجتماعية تتحوّل فجأة إلى ماضٍ، ويجد الإنسان نفسه في العراء أو في خيمة، يحمل القليل مما استطاع إنقاذه، فيما تبقى الأشياء الأثقل مثل البيت والأرض والذاكرة وراءه.
وتقدم الرواية صورًا مُوجعة لهذا التحوّل مثل أناس يهربون تحت الخوف، ونساء يواجهن مشقة الطريق، وعائلات تنتقل إلى جبال الضفة باحثة عن الخبز أو مصدر رزق بعدما كانت تملك أرضًا وعملًا وحياة مستقرة.
وهنا تقع المحنة الأولى في الشخصية الفلسطينية، حيث ينتقل من صاحب مكان إلى إنسان يبحث عن مأوى، وهذا التحوّل هو الجرح الذي ستنشأ عنه تحوّلات كثيرة لاحقة؛ فالإنسان الذي اُقْتُلِعَ مرّة يبقى داخله خوف غامض من أن يُقْتَلَعَ مرّة أخرى، والذي فقد ما بناه طوال عمره يصبح أكثر حساسية تجاه الأمان والاستقرار والملكية، وأكثر التصاقًا بما تبقى لديه.

المخيم حالة نفسية
يُشكل المخيم في الرواية بيئة تصنع نمطًا جديدًا من الإنسان، فاللاجئ الذي كان يملك بيارة أو بيتًا أو حرفة يجد نفسه ينتظر المساعدة والطعام والملابس والمسكن، وبمرور الوقت لا تعود المأساة مجرد فقر مادي، وإنما تمس صورة الإنسان عن نفسه.
وتلتقط الرواية هذه المسألة بحدّة عندما تتحدث عن تحوّل الإنسان من صاحب أرض وبيت إلى متلقٍّ للمعونة، وعن الملابس المستعملة التي كانت توزع على اللاجئين، فتغدو هذه التفاصيل اليومية جزءًا من الإحساس بالانكسار.
لكن الرواية لا تجعل المخيم فضاءً للاستسلام، فداخله يولد في الوقت نفسه رفض شديد للوضع الجديد، وبين الشعور بالعجز والرغبة في استعادة الكرامة تتشكل شخصية الجيل التالي، وهكذا يرث الأبناء من الآباء فقرهم، وغضبهم من الفقر وأسبابه، ويصبح توريث النكبة عملية معقدة، إذ ينتقل الألم، ومعه ينتقل رفض الألم.

«الجينات»
استخدمت الرواية مفهوم «الجينات» كثيرًا، لأنّ النكبة، في التصوير الروائي، تبدو كأنّها أعادت تشكيل الإنسان الفلسطيني وزرعت فيه صفات جديدة فرضتها حياة اللجوء والتهجير، وتصف الرواية اللاجئ وكأنّه يعيش بين صورتين ويفكر بطريقتين، بينما يظل «يحزن بقلب واحد».
هذه «الجينات» ينبغي فهمها مجازيًا، إنها جينات الذاكرة والثقافة والخبرة التاريخية ويقصد بها الحذر، والخوف من الفقد، والتعلّق بالمكان، والقدرة على التأقلم، والشعور بالغربة، والإصرار على البقاء.
ولذلك تقدم الرواية الفلسطيني في الشتات بوصفه كائنًا يتعلّم العيش في بيئات متعددة دون أن يستطيع التخلص تمامًا من صورته الأولى، فاللاجئ يأخذ معه ثقافته وذاكرته وملابسه ولهجته وعاداته ومصطلحاته وأسماء أسلافه، ويُعيد إحياءها في المكان الجديد، وكأنّه يحاول أن يمنع الغياب من إتمام مهمته. إنّه يستطيع مغادرة المكان، لكن المكان لا يغادره.

توريث النكبة
أشد أشكال توريث النكبة عمقًا أنّ الأبناء والأحفاد يحملون حنينًا إلى أماكن قد لا يكونون قد رأوها أصلًا، وهنا تتحوّل الحكاية إلى وسيلة توريث.
الأب والجد يُعيدان سرد القرية والبيارة والبرتقال والطابون والطرق والوجوه؛ فتغدو الحكايات بديلًا مؤقتًا عن الجغرافيا، وعندما يستعيد الجيل الأول رائحة الخبز أو البرتقال فإنّه يمارس الحنين، والأهم أنّه يبني في ذاكرة أبنائه مكانًا موازيًا للمكان المفقود.
ولهذا يظل البرتقال والخبز والطابون ورائحة الأرض في الرواية أكثر من تفاصيل جمالية، إنّها مستودعات للذاكرة، فالجيل الذي لم ير القرية يستطيع أن يتخيّلها من خلال ما سمعه عنها، حتى تصبح قرية الجد جزءًا من وعي الحفيد.
ومن هنا نفهم لماذا تظل قضية العودة حيّة لدى الأجيال المتتابعة للفلسطينيين، مع أنّهم لم يرثوا الأرض قانونيًا، لأنّهم ورثوها حكائيًا ووجدانيًا.

وعي المقاومة
ينتقل جرح النكبة إلى الأجيال الجديدة في صورة مقاومة ورفض؛ فجيل الآباء يتذكر الخروج والقرية والحياة التي ضاعت، بينما تتلّقى الأجيال التالية هذه الذكريات داخل واقع جديد من الاحتلال والحواجز والاعتقال والمواجهة، وهكذا تتحوّل الذاكرة بالتدريج من حنين إلى فعل.
ويظهر هذا التحوّل في شباب المخيم الذين يرفضون واقعهم، ويصر بعضهم على العودة إلى أرض الآباء والأجداد، وفي الجنازات التي تتحوّل إلى مظاهرات، وفي محاولة اختراق الحدود والعودة ولو لحظات، ليعود الشاب أحيانًا حاملًا حبات برتقال أو ثمرًا من الأرض التي أصبحت وراء الأسلاك.
هذه التفاصيل ذات دلالة كبيرة؛ فالبرتقال الذي كان في حياة الجد محصولًا اقتصاديًا يصبح عند الحفيد علامة هوية وذاكرة وانتماء. وهكذا تنتقل النكبة من ذاكرة الخسارة إلى ذاكرة تطالب باسترداد ما خسرته.

هوية موزعة
تزداد المسألة تعقيدًا لدى الأجيال التي تعيش في الداخل الفلسطيني أو الشتات، فهذه الأجيال لا تواجه النكبة بالصورة نفسها التي واجهها الجد؛ إنها تعيش ازدواجًا لغويًا وثقافيًا واجتماعيًا. وتقدم الرواية مثلًا لفتى يتحدث العبرية في المدرسة بينما تبقى اللهجة الفلسطينية لغة البيت، فينشأ داخل مجالين متجاورين ومتصارعين في آن.
وهذا من أعمق آثار النكبة في الأجيال اللاحقة؛ لأنّها تجعل مسألة الهوية أمرًا يوميًا، فالهوية بالنسبة إلى الإنسان المستقر قد تكون مُعطىً بديهيًا، أما الفلسطيني الذي ولد تحت سلطة الاحتلال أو في مخيم أو في بلد هجرة فيُضطر إلى إعادة تعريف نفسه باستمرار: مَنْ أنا؟ إلى أين أنتمي؟ ما علاقتي باللغة التي أتكلمها؟ وأي وطن هو وطني؛ المكان الذي ولدت فيه أم المكان الذي حدثني عنه أبي؟ وبذلك يتسع أثر النكبة من الأرض إلى الوعي بالذات.

الاغتراب والمنفى
تتابع الرواية بعض شخصياتها خارج فلسطين وفي مجتمعات مختلفة، وهناك تظهر صورة أخرى لتوريث النكبة، فالفلسطيني قد ينجح اقتصاديًا أو مهنيًا، وقد يندمج في المجتمع الجديد، لكنه يحمل داخله انقسامًا يصعب تجاوزه.
ويتجسد ذلك في فكرة «الجينات القديمة والجديدة»؛ الإنسان الذي يتعلّم لغة أخرى، ويتكيّف مع مجتمع مختلف، لكنه يظل يحمل داخله ذاكرة المكان الأول، والنجاح في المنفى لا يمحو النكبة ولكن يمنحها شكلًا جديدًا.
لهذا يبدو المنفى في الرواية ذا وجهين: فرصة للنّجاة ومصدرًا للاغتراب، فالفلسطيني يتعلّم باستمرار كيف يعيش في مكان آخر، لكنه لا يتعلّم بسهولة كيف يعتبر ذلك المكان بديلًا كاملًا من وطنه.

توريث التجربة
لا تصور الرواية الأجيال نسخًا متماثلة، فالأبناء لا يرثون تجربة الآباء كما هي، لأنّ كل جيل يعيد تشكيلها وفق زمنه؛ فالجيل الأول يحمل صورة البيت والبيارة والخروج. أما الجيل التالي فيحمل المخيم والفقر ومحاولة بناء حياة جديدة. جيل آخر يواجه الاحتلال والاعتقال والمقاومة، وآخر يعيش تجربة الاغتراب والاندماج والصراع الثقافي.
وحتى عندما تضعف الصلات العائلية المباشرة، ويرحل الآباء والأجداد، وتعيش الفروع في أماكن مختلفة، تبقى آثار التجربة موزعة في الشخصيات، وإن اختلفت وسائلها في البقاء والتكيّف. وتشير الرواية بوضوح إلى تباعد الأحفاد واختلاف العوالم التي يعيشون فيها، فيما يظل الفقر والبحث عن وسائل جديدة للحياة عنصرًا مشتركًا بينهم.
وبعد؛ إنّ «شظايا الذاكرة» (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2026)، رواية تؤكد أنّ النكبة لا تنتهي بانتهاء رحلة التهجير، ولا بموت الذين شهدوها، لأنّها تبدأ من هناك، ثم تأخذ في تغيير أشكالها من جيل إلى آخر؛ تصبح مرّةً حنينًا إلى بيارة، ومرّة خوفًا من الفقر، ومرّة غضبًا في مخيم، ومرّة شهيدًا أو معتقلًا، ومرّة ازدواجًا لغويًا وثقافيًا، ومرّة غربة يحملها الفلسطيني معه إلى أقصى الأرض.
ومن هنا يكتسب عنوان الرواية دلالته الأعمق؛ فالذاكرة تحطمت إلى «شظايا» توزعت بين الأبناء والأحفاد، لكن الشظيّة، مهما صغرت، تحتفظ بشيء «جينات» من الجسم الذي انفصلت عنه، وكل جيل يأخذ شظيته الخاصة؛ قد يختلف شكلها وحدتها وموضعها، غير أنّها تظل آتية من الانكسار الأول نفسه.
ولعل أهم ما تقوله الرواية في هذا السياق أنّ أخطر نتائج النكبة ما ظلت تفعله بالفلسطيني بعد نكبة 1948، فقد غيّرت علاقته بالمكان والأمان والهوية والآخر والوطن، وفرضت على أبنائه وأحفاده أن يدخلوا التاريخ قبل أن يختاروا دخوله، ومع ذلك، فإنّ الذاكرة التي حملت الجرح حملت في داخلها أيضًا وسيلة مقاومته؛ إذ ما دام الجيل اللاحق يعرف أسماء القرى التي لم يرها، ويستعيد حكايات الذين خرجوا منها، فإنّ النكبة لم تنجح في إنجاز غايتها الأخيرة بالنسيان والاستسلام وقبول الأمر الواقع.
وأخيرًا لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ الحمولة المعرفية الكبيرة، والفترة الزمنية الطويلة التي تتناولها الرواية، وكثرة الأسماء، أثقلت كاهل الرواية، كما أنّه كان من الأفضل أن تعيش شخصيات الرواية التاريخ لا أن تسرد التاريخ، ومع ذلك تبقى الرواية إضافة مهمة، ورصاصة فلسطينية في وجه السردية الصهيونية، ومحاولاتها للمحو والتزوير.