متخصصة في الابتكار والملكية الفكرية واقتصاد المعرفة
هناك فرق كبير بين دولة تمتلك المعرفة، ودولة تعرف كيف تحوّل المعرفة إلى قوة اقتصادية. الدولة الأولى تمتلك جامعات جيدة، وخريجين أكفاء، وباحثين، وأوراق علمية وأفكار مبتكرة. أما الدولة الثانية فتمتلك، فوق ذلك، منظومة تستطيع أن تأخذ الفكرة من عقل صاحبها،وتحولها الى اختراع ملموس وتحميه قانونيا، وتختبره فنيا، وتقيّمه اقتصاديا، وتموله، وتنقله إلى شركة أو مصنع، ثم توصله إلى السوق المحلي والعالمي.
الأولى تنتج المعرفة. أما الثانية فتبني اقتصاد من المعرفة. وربما يكون هذا أحد أهم الأسئلة الاقتصادية التي ينبغي أن يطرحها الأردن على نفسه في المرحلة المقبلة، هل يريد الاردن أن يبقى اقتصاد يمتلك رأس مال بشري جيد، أم نريد أن نبني نظام يجعل العقل الأردني نفسه أصلا اقتصاديا وطنيا؟ هذا السؤال ليس فكري أو أكاديمي. إنه سؤال في النمو والتشغيل والتنافسية والأمن الاقتصادي وقدرة الدولة على تمويل مستقبلها.
ففي دولة محدودة السوق والموارد، لا يمكن أن تكون استراتيجية النمو قائمة على زيادة كمية ما ننتجه. جزء أساسي من المستقبل يجب أن يقوم على رفع قيمة ما نعرفه وما نصنعه وما نبتكره. وهنا تحديدا يبدأ الانتقال من اقتصاد المعرفة إلى اقتصاد القيمة.
الأردن لا يعاني من ندرة المعرفة بقدر ما يحتاج إلى مضاعفة عائدها فهذه حقيقة تستحق التأمل. في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2026، تقدم الأردن إلى المرتبة 60 عالميا من بين 139 اقتصادا، بعد أن كان في المرتبة 81 عام 2020. والأكثر لفتا أن المنظمة العالمية للملكية الفكرية وضعت الأردن في المرتبة الأولى عالميا على مؤشر المقالات العلمية والتقنية قياسا إلى حجم الاقتصاد، واعتبرته من الاقتصادات التي تحقق أداءً ابتكاريا أعلى مما قد يُتوقع قياسا إلى مستوى دخلها.
هذه الإشارة مهمة للغاية. فهي تقول بصورة غير مباشرة أن المشكلة الأردنية ليست غياب العقل أو القدرة على إنتاج المعرفة. لدينا معرفة. لدينا باحثون. ولدينا جامعات وخبرات وشباب قادرون على التعامل مع التكنولوجيا والعلوم المتقدمة. لكن الاختبار الأصعب يبدأ بعد ذلك: كم من هذه المعرفة يتحول إلى قيمة اقتصادية؟ فالورقة العلمية لا تصبح تلقائيا منتجا. والاختراع لا يصبح تلقائيا شركة. وبراءة الاختراع لا تصبح تلقائيا استثمارا. والمبرمج المتميز لا يصبح تلقائيا شركة تكنولوجية مصدّرة. والجامعة القوية أكاديميا لا تصبح تلقائيا محركا للنمو. بين المعرفة والقيمة توجد سلسلة طويلة من المؤسسات والقوانين ورأس المال والقدرة التنفيذية. وهذه السلسلة هي التي ينبغي أن تصبح محور المرحلة المقبلة.
تعبير اقتصاد المعرفة أصبح واسع الاستخدام حتى كاد يفقد جزء من دقته. فامتلاك المعرفة لا يكفي. القيمة تنشأ عندما تصبح المعرفة قابلة لـ: التملّك، والحماية، والتقييم، والتمويل، والتطبيق، والترخيص، والتوسع والتصدير. وقد تملك دولة آلاف الباحثين لكنها تستورد التكنولوجيا التي يستخدمها اقتصادها. وقد تسجل الجامعات مئات الاختراعات لكن تبقى غالبيتها داخل الأدراج. وقد تنفق الدولة ملايين الدنانير على التعليم ثم تجد أن أكبر عائد اقتصادي على هذا الاستثمار ينتقل إلى اقتصادات أخرى حين يهاجر أصحاب المهارات الأعلى.
وهنا تصبح المسألة أعمق من هجرة العقول. إنها أحيانا هجرة القيمة. فالخسارة ليست فقط مغادرة المهندس أو الباحث، انما أن المعرفة التي موّلت الدولة جزء من تكوينها ستنتج لاحقا براءة أو شركة أو ضريبة أو صادرات أو تكنولوجيا في اقتصاد آخر. لهذا يجب أن تتحول السياسة العامة من التركيز على إنتاج الكفاءة البشرية وحده إلى بناء بيئة تستطيع أن تجعل هذه الكفاءة تنتج قيمة داخل الاقتصاد الأردني، حتى عندما تعمل ضمن شبكة عالمية
في الاقتصاد التقليدي، من السهل رؤية الأصول. الأرض أصل. المصنع أصل. المبنى أصل. الآلة أصل. لكن الاقتصاد الحديث نقل جزء متزايد من القيمة إلى أصول لا تُرى بالعين، براءة الاختراع، والبرنامج الحاسوبي، والخوارزمية، والعلامة التجارية، والبيانات، والتصميم الصناعي، والمعرفة الفنية، والأسرار التجارية، وحقوق الترخيص. هذه كلها أصول غير ملموسة. وفي بعض الشركات العالمية، تشكل هذه الأصول الجزء الأكبر من قيمة المؤسسة.
وهنا يحتاج الأردن إلى تحوّل ثقافي ومؤسسي كبير بان نتوقف عن معاملة الفكرة كمنتج فكري فقط، ونبدأ بمعاملتها كأصل اقتصادي. وهذا يحتاج إلى أكثر من مكتب تسجيل براءات. يحتاج إلى محامين وتقنيين من مختلف القطاعات الفنية ومحللي أسواق وخبراء تقييم ومستثمرين وبنوك ومديري صناديق يعرفون كيف يفهمون قيمة المعرفة. لأن الفكرة التي لا تستطيع المنظومة الاقتصادية تحويلها الى اختراع له قيمة فعلية يصعب عليها تقييمها و تمويلها. والاختراع الذي لا تستطيع حمايته يصعب الاستثمار فيه. والاختراعات التي لا تعرف كيف تسوقها ستبقى حبر على ورق مهما كانت عبقريتها.
لدينا قانون للبراءات لكن اقتصاد الملكية الفكرية أكبر من قانون البراءات، يوفر الأردن إطار قانوني لحماية الاختراعات من خلال قانون براءات الاختراع رقم 32 لسنة 1999 وتعديلاته، يُعرَّف الاختراع على انه حل تقني جديد لمشكلة محددة، يتجسد في منتج أو طريقة أو كليهما، ويكون قابلًا للتطبيق العملي، ويستوفي الشروط القانونية اللازمة لمنحه براءة اختراع. لكن وجود قانون للبراءات لا يعني تلقائيا وجود اقتصاد للملكية الفكرية. القانون يمنح الحق. أما الاقتصاد فيجب أن يعرف ماذا يفعل بهذا الحق. وهنا يوجد فارق جوهري. تسجيل البراءة هو بداية دورة القيمة، وليس نهايتها.
بعد التسجيل تبدأ الأسئلة الأصعب، ما القيمة التجارية للاختراع؟ هل هناك سوق؟ هل توجد حرية في التشغيل دون التعدي على حقوق الآخرين؟ من سيمول إثبات الفكرة؟ من سيطور النموذج الأولي؟ هل الأفضل تصنيع التقنية أم ترخيصها؟ كيف تقسم العوائد بين الباحث والجامعة والممول؟ هل يمكن استخدام الأصل الفكري لجذب استثمار؟ ومن يستطيع التفاوض على اتفاقية ترخيص دولية؟ هذه ليست قضايا قانونية فقط. إنها سياسة اقتصادية.
ولهذا كان من اللافت أن البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي قد وضع ضمن مبادرات البحث والتطوير والابتكار مراجعة البيئة التشريعية للملكية الفكرية في القطاع العلمي والتعليمي، وتحفيز الملكية الفكرية وتبسيط إجراءات تسجيلها. والخطوة التالية المنطقية هي الانتقال من تسهيل تسجيل الملكية الفكرية إلى بناء اقتصاد قادر على تسويقها.
أهم حلقة هي ان تتحول الجامعة من مركز لإنتاج المعرفة إلى شريك في صناعة الاقتصاد. نحن نقيس الجامعة عادة بعدد الطلبة، والبرامج، والأبحاث، والتصنيفات الأكاديمية. وكلها مؤشرات مهمة. لكن اقتصاد المستقبل يضيف أسئلة أخرى، كم شركة خرجت من هذه الجامعة؟ كم براءة انتقلت من مختبراتها إلى السوق؟ كم ترخيص تكنولوجي وقّعت؟ كم استثمار جذب باحثوها؟ وكم مشكلة صناعية وطنية حُلّت داخل مختبراتها؟ ليس المطلوب تحويل الجامعة إلى شركة تجارية. لكن المطلوب ألا تنتهي رحلة المعرفة عند النشر العلمي. فالورقة المنشورة قيمة علمية. لكن إذا كان داخلها اكتشاف قابل للتطبيق، يمكن أن تحمل أيضا قيمة اقتصادية.
وقد يكون توقيت النشر نفسه مسألة ينبغي إدارتها بعناية إذا كان هناك اختراع يحتاج إلى حماية قبل الإفصاح العلني عنه. وهنا نحتاج إلى مكاتب نقل تكنولوجيا حقيقية، لا وحدات إدارية تحمل الاسم. مكاتب تستطيع إجراء التحليل للبراءات، ودراسة السوق، وتقييم الاختراع، وإدارة الملكية الفكرية، والتفاوض على التراخيص، ومساعدة الباحث على تأسيس شركة منبثقة عندما يكون ذلك مناسب، عندها يصبح الأستاذ الجامعي منتجا للعلم كما هو اليوم، لكنه يستطيع أيضا، عندما تكون طبيعة بحثه مناسبة، أن يصبح شريكا في خلق أصل اقتصادي وطني.
كثيراً ما نقول إن المبتكر الأردني يحتاج إلى المال. هذا صحيح جزئيا. لكن السؤال الأدق هو أي مال؟ وفي أي مرحلة؟ وبأي منطق؟ تمويل البحث الأساسي يختلف عن تمويل إثبات الفكرة. وإثبات الفكرة يختلف عن تمويل شركة ناشئة. والشركة الناشئة تختلف عن شركة تحتاج إلى التوسع عالميا. أخطر منطقة في منظومة الابتكار هي المسافة بين البحث وبين الاستثمار التجاري. هناك اختراعات جيدة جدا لكنها لا تزال مبكرة على المستثمر، ومتقدمة جداً على البحث الأكاديمي التقليدي. هذه المنطقة تسمى أحيانا وادي الموت للابتكار.
وهنا يمكن أن تفقد الدولة سنوات من البحث لأن بضعة عشرات أو مئات الآلاف من الدنانير لم تتوافر في اللحظة الصحيحة لنقل التكنولوجيا من المختبر إلى مرحلة يستطيع المستثمر فهمها. لذلك ليس المهم فقط زيادة حجم الأموال المتاحة للابتكار. المهم بناء سلسلة تمويل تتناسب مع مراحل نضج الفكرة.
النظام المصرفي التقليدي يعرف كيف يمول العقار والآلة والمخزون لأن هناك أصول واضحة يمكن تقييمها ورهنها. لكن كيف يمول شركة أهم أصولها برنامج حاسوبي أو محفظة براءات او علامات تجارية أو خوارزميات؟ هنا يبدأ التحدي. فالاقتصاد الذي يريد شركات معرفية يحتاج في مرحلة ما إلى تطوير قدرته على تقييم الأصول غير الملموسة. ليس المطلوب أن تتحول البنوك إلى صناديق رأس مال مغامر. فلكل مؤسسة طبيعتها ومستوى المخاطر الذي تتحمله.
لكن يمكن تطوير أدوات ضمان، ومعايير تقييم، وصناديق مشاركة مخاطر، وأطر محاسبية وتمويلية تجعل الأصل الفكري مفهوم داخل النظام المالي بدلا من أن يكون قيمة لا تظهر إلا يوم بيع الشركة لمستثمر أجنبي. وقد تكون إحدى علامات نضج الاقتصاد المعرفي مستقبلا أن يستطيع صاحب شركة أردنية أن يدخل اجتماعا مع ممول ولا تكون الإجابة عن السؤال ماذا تملك؟ محصورة في أرض ومبنى ومعدات. ولكن قد يكون الجواب نملك تكنولوجيا ومحفظة حقوق ملكية فكرية وصناعية واسواق تجارية مهمه ومعرفة لا يملكها الآخرون.
هناك أداة بالغة الأهمية كثيرا ما يتم التقليل من شأنها وهي المشتريات الحكومية. الدولة واحدة من أكبر المشترين في أي اقتصاد. وإذا صُممت المشتريات العامة بذكاء، يمكن استخدامها ليس فقط لشراء ما هو موجود في السوق، وإنما لفتح سوق أمام حلول وطنية جديدة مع المحافظة على المنافسة والشفافية والجودة. فالوزارة التي تواجه مشكلة لا تحتاج دائما إلى تحديد اسم المنتج المطلوب. يمكن في بعض الحالات أن تطرح المشكلة والنتيجة المطلوبة، وتسمح للشركات بتقديم حلول مبتكرة. هذه الطريقة استخدمتها اقتصادات عديدة لتحريك الابتكار. دور الدولة هنا ليس حماية منتج محلي ضعيف أو شراء التكنولوجيا لمجرد أنها أردنية. انما إعطاء الابتكار الأردني الجيد فرصة عادلة لإثبات نفسه. وهناك فرق كبير بين الحماية وبين صناعة السوق. الأولى قد تضعف المنافسة. أما الثانية فتستطيع أن تبني شركة قادرة لاحقا على المنافسة دوليا.
السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بما تملكه الدولة من أرض أو موارد. هناك سيادة دوائية، وسيادة رقمية، وسيادة بيانات، وسيادة تكنولوجية ومعرفية. وهذا لا يعني أن تصنع الدولة كل شيء بنفسها، فهذا غير ممكن حتى لأكبر الاقتصادات. السيادة الذكية هي أن تعرف أين يجب أن تمتلك المعرفة. وأين يكفي أن تضمن الوصول إليها. وأين ينبغي أن تبني شراكات. وأين لا يجوز أن تكون معتمدا بالكامل على مورد خارجي واحد. وأين توجد تقنية لو توقفت عنك ستتوقف معها خدمة وطنية حرجة. لهذا تصبح خرائط البراءات وخرائط سلاسل التوريد وقواعد البيانات التقنية أدوات لا تختلف في أهميتها الاستراتيجية عن كثير من أدوات التخطيط الاقتصادي التقليدي.
عندما نواجه مشكلة مؤسسية في الأردن، يكون أول الحلول المطروحة أحيانا إنشاء هيئة أو مجلس جديد. لكن اقتصاد القيمة لا يحتاج بالضرورة إلى مزيد من المؤسسات. قد يحتاج أكثر إلى إعادة هندسة العلاقة بين المؤسسات الموجودة أصلا. لدينا جامعات. ولدينا صندوق للبحث العلمي والابتكار. ولدينا وزارة صناعة وتجارة. ولدينا وزارة اقتصاد رقمي. ولدينا بنوك وصناديق استثمار. ولدينا شركات وصناعة ومؤسسات تنظيمية. إذن السؤال كيف نجعل الموجود يعمل كسلسلة واحدة؟ وهذه قضية حوكمة قبل أن تكون قضية تمويل.
إذا أراد الأردن الانتقال فعليا من اقتصاد المعرفة إلى اقتصاد القيمة، فإن المرحلة المقبلة يمكن أن تتمحور حول خمسة تحولات عملية
1. إطار وطني موحد لتسويق المعرفة الممولة من المال العام. بحيث تكون قواعد ملكية الاختراعات وحقوق الباحث والجامعة والدولة وآليات تقاسم العوائد والترخيص وتأسيس الشركات المنبثقة واضحة ومتوقعة وقابلة للتطبيق، مع مراعاة طبيعة كل قطاع.
2. ربط جزء من تمويل البحث التطبيقي بمسار الوصول إلى السوق. فلا يكفي السؤال عن القيمة العلمية للمشروع؛ ينبغي، حيث تنطبق الطبيعة التطبيقية، أن يشمل التقييم خريطة البراءات، والاسواق المحتملة، وحرية التشغيل، ومستوى الجاهزية التكنولوجية وخطة الاستفادة من النتائج.
3. إطلاق مسار للمشتريات الحكومية الابتكارية. يبدأ في عدد محدود من القطاعات التي تمتلك الدولة فيها احتياجات واضحة، بحيث تتحول الحكومة إلى أول عميل للحلول التي تثبت تفوقها الفني والاقتصادي، لا إلى ممول دائم لها.
4. بناء سوق لتقييم وتمويل الأصول غير الملموسة. من خلال معايير مهنية للتقييم، وأدوات ضمان مناسبة، وتشجيع المستثمرين والصناديق على فهم المحافظ التقنية والبرائية باعتبارها جزءا من قيمة الشركات.
5. تحديد محفظة وطنية للتقنيات ذات الأولوية. لا يمكن للأردن أن ينافس في كل شيء. المطلوب اختيار مجالات تمتلك المملكة فيها قدرة علمية أو سوق أو مشكلة وطنية يمكن أن تتحول إلى فرصة عالمية مثل الصحة والدواء، المياه، الطاقة، التكنولوجيا الزراعية، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي العربي وبعض الصناعات الهندسية المتقدمة، ثم ربط البحث والتعليم والاستثمار والمشتريات والسياسات الصناعية بهذه الأولويات.
تدخل رؤية التحديث الاقتصادي في مرحلتها التنفيذية الثانية للأعوام 2026–2029، وهي مرحلة أعلنت الحكومة أنها ستبنى على نتائج المرحلة الأولى، وتربط مشاريع التحديث الاقتصادي والإداري والرقمي ضمن برنامج تنفيذي واحد. وفي الوقت ذاته، تستهدف استراتيجية التحول الرقمي 2026–2028 تعزيز الإنتاجية والابتكار والاقتصاد الرقمي، فيما تضع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي بناء القدرات والبحث العلمي والاستثمار وريادة الأعمال ضمن محاورها الأساسية. أي أن الأردن لا يبدأ من فراغ. البنية الاستراتيجية موجودة بدرجة مهمة. والتحسن في مؤشر الابتكار العالمي يؤكد أن هناك حركة في الاتجاه نفسه. فقد انتقل الأردن من المرتبة 81 عام 2020 إلى 60 في 2026، بينما أصبح في المرتبة الخامسة ضمن اقتصادات شريحة الدخل المتوسط الأدنى في المؤشر. لكن المؤشرات ليست الغاية. حتى منظمة الملكية الفكرية العالمية، وهي تشير إلى تقدم الأردن وقوته في الإنتاج العلمي، تلفت إلى أن الاختبار الأوسع لدول المنطقة هو تحويل هذه القدرات إلى ابتكار داخل الشركات ومخرجات تنافسية مستدامة. وهنا يوجد مفتاح المرحلة المقبلة.
الأردن أنفق لعقود على الإنسان. وهذا كان قرارا استراتيجيا صحيح الاتجاه لدولة لا تستطيع بناء مستقبلها على وفرة الموارد الطبيعية وحدها. لكن المرحلة المقبلة يجب أن تضيف طبقة جديدة إلى هذا الاستثماروهي أن نحمي قيمة الإنسان الذي علّمناه. وليس المقصود حمايته من الهجرة، فالحركة العالمية للكفاءات يمكن أن تكون مصدر للقوة إذا أحسنّا استخدامها. المقصود ألا يبقى النموذج الاقتصادي هو أن ننفق على تكوين المعرفة محليا ثم نستورد ثمارها تكنولوجيا من الخارج. ينبغي أن يصبح لدينا مسار آخروهو نعلم هنا. نبحث هنا. نبتكر هنا. نحمي الاختراعات المنبثقة من الافكار هنا. نمولها هنا. ثم نبيعها للعالم.
وعندها لا نحتاج إلى الاختيار بين بقاء الأردني داخل المملكة أو نجاحه عالميا، يمكن لشركة أردنية أن تعمل من عمّان وتبيع في عشرين دولة. ويمكن لباحث أردني في جامعة عالمية أن يكون جزء من شبكة تطوير تقنية أردنية. ويمكن لبراءة أردنية أن تُرخص لشركة دولية من دون أن يغادر صاحبها البلد. هذه هي طبيعة اقتصاد المعرفة حين يصبح اقتصاد قيمة.
كثير من السياسات الاقتصادية تقيس القيمة المضافة للمادة. نستخرج مادة خام، فنسأل كيف نصنع منها منتج أعلى قيمة؟ وهذا صحيح. لكن ينبغي أن نسأل السؤال نفسه عن الإنسان الأردني. طالب يدخل الجامعة. يتعلم عشرين عام. يحصل على شهادة. يدخل سوق العمل. ما مقدار القيمة الاقتصادية التي تسمح المنظومة بإضافتها إلى قدرته؟ هل يستخدم 20% من معرفته؟ أم 80%؟ هل يعمل في وظيفة منخفضة الإنتاجية لأن الاقتصاد لم يخلق الوظيفة التي تناسب معرفته؟ هل يبتكر ولا يجد تمويل؟ هل يؤسس شركة ثم يبيعها مبكرا لأن البيئة لا تسمح لها بالتوسع؟ هذه كلها ليست مشكلات فردية. إنها فواقد اقتصادية وطنية. فكما نحسب فاقد المياه والطاقة، يمكن للدولة أن تفكر أيضا في فاقد المعرفة. وهو الفرق بين ما يستطيع رأس المال البشري الأردني إنتاجه، وما تسمح المنظومة الاقتصادية له فعليا بإنتاجه.
هناك لحظة فارقة في حياة الاقتصادات. تحدث عندما تتوقف الدولة عن النظر إلى التعليم باعتباره قطاعا اجتماعيا فقط، والبحث باعتباره نشاطا أكاديميا فقط، والملكية الفكرية باعتبارها ملفا قانونيا فقط، والتكنولوجيا باعتبارها قطاع حاسوب فقط. وتبدأ برؤية هذه الملفات باعتبارها أجزاء من رأس المال الوطني. عندها يتغير السؤال. لا يصبح هدف الجامعة فقط تخريج طالب. ولكن تخريج قدرة. ولا يصبح هدف البحث فقط نشر ورقة. ولكن خلق معرفة. ولا تصبح البراءة شهادة. انما أصل. ولا تصبح الشركة الناشئة تجربة شبابية جميلة. انما احتمالا لشركة وطنية عالمية. ولا يصبح المبتكر شخص نكرمه بعد النجاح. لكن استثمار ينبغي أن نبني حوله المنظومة قبل النجاح.
هذه هي النقلة التي يحتاجها اقتصاد القيمة. والأردن يمتلك أساسا حقيقيا للقيام بها. ليس المطلوب أن نتحول إلى وادي سيليكون آخر، ولا أن نستنسخ نموذج أجنبي لا يشبهنا. المطلوب أن نبني النموذج الأردني انطلاقا من نقاط قوتنا وحدودنا واحتياجاتنا. نموذج يعتبر محدودية الموارد دافعا إلى رفع الإنتاجية. وحجم السوق دافعا إلى التصدير منذ اليوم الأول. وارتفاع مستوى التعليم دافعا إلى الصناعات والخدمات الأعلى قيمة. وموقع الأردن واستقراره وشبكة علاقاته دافعا إلى أن يصبح منصة إقليمية للمعرفة والتكنولوجيا والخدمات المتخصصة.
إن التحدي الاقتصادي الأردني يتعلق بكيفية الاحتفاظ بحصة أكبر من قيمة ما ننتجه. وهذه هي المعادلة التي تستطيع أن تغير موقع الدولة في الاقتصاد العالمي، المعرفة التي لا نملكها نشتريها. والمعرفة التي نملكها ولا نستثمرها نهدرها. أما المعرفة التي ننتجها ونحميها ونموّلها ونوصلها إلى السوق، فإنها تتحول من فكرة إلى رأسمال.
وحين تصل الدولة إلى هذه المرحلة، تصبح براءة الاختراع صادرات مستقبلية، ويصبح البحث استثمارا، وتصبح الجامعة جزء من الاقتصاد، ويصبح العقل الأردني أصلا في الميزانية الوطنية حتى لو لم يظهر بعد في دفاتر المحاسبة. وعندها فقط نكون قد انتقلنا فعلا من اقتصاد يتحدث عن المعرفة إلى اقتصاد يصنع القيمة منها.