نجح الأردن، خلال ستين ساعة فقط، في احتواء تداعيات الجريمة النكراء والقبض على منفذيها بسرعة لافتة، في إنجاز أمني يعكس مستوى الجهوزية العالية التي تتمتع بها المؤسسات الأمنية، وقدرتها على التعامل مع الأحداث وفق منظومة متكاملة من المتابعة والتحليل والاستجابة. كما عكس هذا الإنجاز منعة النسيج الأردني الواحد، وقدرته على احتواء تداعيات الأزمات بعيدًا عن التسييس الإعلامي أو الانجرار إلى الفتنة والانقسام.
وتستند هذه الجهوزية إلى منظومة متكاملة من المتابعة الاستخبارية والاستقصائية والتحليلية، وغرف العمليات الفرعية والمركزية، إلى جانب أنظمة التتبع الميداني والوجاهي وآليات الرصد السيبراني. وهي منظومة تتكامل فيها أدوات الرصد والتحليل مع سرعة الاستجابة، بما يعزز القدرة على كشف ملابسات الأحداث ومتابعتها والتعامل معها وفق مقتضيات الموقف.
إن الثناء على الأجهزة الأمنية واجب وطني، والشكر لمنتسبيها تعبير عن التقدير لجهودهم في حماية أمن الوطن وصون سلامة المجتمع. وهذا ما يجعلنا جميعًا، في هذا المقام، نتقدم بخالص الثناء وعظيم التقدير لنشامى الأمن العام وفرسان الحق، لما قدموه من إنجاز مشرّف وحسن أداء يعكسان مستوى الجهوزية والكفاءة في حماية الوطن ومواطنيه.
وصحيح أن إلقاء القبض على المتورطين خلال هذه الفترة القصيرة يُعد إنجازًا أمنيًا مهمًا، فإن الإنجاز الأكبر يتمثل في استكمال التحقيقات وتتبع خيوط هذه الجريمة النكراء، وصولًا إلى كشف الجهات التي تقف وراءها، وتحديد من تولّى تعبئة مرتكبيها أو دعمهم أو التحريض عليهم، إن ثبت ذلك.
فالمسؤولية لا تقف عند حدود التنفيذ المباشر، بل تمتد، وفق ما تثبته التحقيقات والأدلة، إلى كل من خطط أو حرّض أو موّل أو أسهم في توفير الغطاء لهذه الجريمة. إن كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون هما ما يضمنان عدم تكرار مثل هذه الجرائم، ويعززان أمن المجتمع وثقته بمؤسساته.
ومع دخول المنطقة منزلقات خطيرة نتيجة تصاعد حدة الاصطدام والتصادم، تبرز أهمية اتخاذ تدابير احترازية تتناسب مع طبيعة المرحلة، عبر تعزيز الحضور الأمني بصورة واضحة ومدروسة، وتأمين مواقع التجمعات في دور العبادة والمناطق السياحية والمرافق الرياضية، إلى جانب المواقع التي تشهد كثافة في الحضور. فالتدابير الوقائية تشكل عنصرًا أساسيًا في حماية المواطنين، والحد من فرص استغلال الظروف الإقليمية المضطربة، وتعزيز الشعور بالأمان.
ولا تقل الوقاية الفكرية أهمية عن الإجراءات الميدانية، الأمر الذي يستدعي تفعيل منصات توعوية تسهم في تحصين المجتمع من الفكر التكفيري، وكشف خطاباته ومصادر استقطابه، والتصدي لمنطلقاته الأيديولوجية التي تبرر العنف وتستبيح الدماء. ويتطلب ذلك خطابًا معرفيًا وتربويًا وإعلاميًا مسؤولًا، يرسخ ثقافة الاعتدال وقبول الآخر وسيادة القانون، ويعزز قدرة الشباب على التمييز بين الوعي والتضليل، وبين الاختلاف المشروع وخطاب التطرف.
وعلى هذه الأرضية، فإن أمن الأردن لا يقوم على كفاءة الأجهزة الأمنية وحدها، بل يستند أيضًا إلى منعة المجتمع ووعيه، وقدرته على رفض تحويل الجرائم إلى أزمات اجتماعية أو مداخل للفتنة والانقسام. وتقتضي المسؤولية الوطنية عدم الانجرار وراء الشائعات، وعدم استباق نتائج التحقيقات، وترك المجال للجهات المختصة لتوضيح الحقائق وفق الأصول القانونية، بما يحفظ حقوق المواطنين ويصون استقرار المجتمع.
إن الإنجاز الأمني الذي تحقق خلال ستين ساعة فقط يُسجَّل للمؤسسات الأمنية وكفاءتها وجهوزيتها، كما يُسجَّل للنسيج الأردني الواحد الذي أثبت تماسكه ووعيه في مواجهة الأزمات. وهو إنجاز يستحق الثناء والتقدير، ويستدعي الإشادة بموقف جلالة سيدنا الملك عبدالله الثاني، وولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، والثقة الراسخة بقدرات الشعب الأردني ومؤسساته الوطنية على تجاوز الأزمات مهما بلغت صعوبتها وتشابكت مخاطرها.
فالأردن واحد، وسيبقى موحدًا خلف قيادته الهاشمية التي تتعامل مع المجتمع الأردني باعتباره أسرة واحدة، وتكرّس قيم التضامن والتكافل بين أبنائه. وقد تجلّى هذا المعنى في مشاركة الملكة رانيا العبدالله وسمو الأميرة رجوة الحسين في بيت العزاء، في مشهد عبّر عن التفاعل الإنساني والأسري مع أهلنا في حمود، وعن وقوف الأردنيين جميعًا إلى جانب ذوي هذا المصاب الجلل الذي ألمّ بأهالي القرية في محافظة الكرك. وهي صورة تجسد وحدة المجتمع الأردني، وتؤكد أن المصاب لا يخص أسرة أو منطقة بعينها، بل يمس الوطن كله.
وإذ نؤكد أن الأردن سيبقى آمنًا ومتماسكًا بحفظ الله، فإننا نتقدم إلى أهلنا في حمود بأصدق مشاعر العزاء والمواساة، ونقول لهم: عظم الله أجركم، ورحم الله فقيدكم، وألهمكم الصبر والسلوان. فالمصاب مصاب الوطن كله، والتضامن مع أهلنا في هذا الظرف واجب تمليه وحدة المجتمع الأردني وتماسك نسيجه الوطني.
فالأردن، المحمي بحفظ الله، أثبت عبر محطاته المختلفة قدرته على تجاوز المحن مهما اشتدت، مستندًا إلى تماسك جبهته الداخلية، وكفاءة مؤسساته، ووعي أبنائه. وستبقى وحدته الوطنية صمام أمانه، فيما يظل أمنه واستقراره ركيزة مسيرته نحو المستقبل….حفظ الله الأردن آمنًا مستقرًا، وحمى أبناءه، وبارك جهود أجهزته الأمنية ومنتسبيها، وجعل أمن الوطن وسلامة مواطنيه فوق كل اعتبار ليبقى الاردن آمن بحمدالله .