حمود المنسية .. قرية لم يتذكرها الوطن إلا حين تذكّرها الإرهاب! د . بشار حوامدة 

 

هناك قرى تعيش خارج حسابات المدن، لا تعرف صخب المولات ولا استعراضات الحياة الحديثة. قرى تنام في ملكوت الله، وتستيقظ على صوت الأذان، وتعيش على المحبة والستر والنخوة. حمود واحدة من هذه القرى؛ بلدة لم تكن بحاجة إلى ضجيج كي تعيش، لكن الإرهاب أجبرها على دخول ذاكرة الناس من باب الفاجعة.

في حمود، البيوت التراثية ليست حجارة قديمة، بل ذاكرة أجيال. وبقالة القرية أهم من مول في عمّان؛ ففيها أخبار الناس، ووجوه الغائبين، وسؤال عن مريض، واطمئنان على جار. هناك، لا يُقاس الغنى بما تملك، بل بمن يقف إلى جانبك حين تضيق بك الدنيا.

أهلها أناس طيبون، لم يحتاجوا إلى دورات في الأخلاق ليتعلموا النخوة، ولا إلى شهادات في الإنسانية ليعرفوا معنى الجيرة. ومن بيوتها المتواضعة خرج أطباء ومهندسون ومحامون وسياسيون؛ أبناء حملوا العلم إلى المدن، لكن جذورهم بقيت في أرض القرية، حيث تعلّموا أن قيمة الإنسان في علمه وأخلاقه، لا في مظهره وألقابه.

ثم جاء الإرهاب، فاستيقظت حمود على الدم، واستيقظنا نحن على اسمها.

يا للمفارقة! قرية لم تجد ما يكفي من الاهتمام وهي تعيش بسلام، فوجدت طريقها إلى عناوين الأخبار حين امتدت إليها يد الإرهاب.

أيُّ عارٍ أكبر من أن تحتاج قرية إلى فاجعة كي يكتشف الآخرون وجودها؟

وأيُّ قسوة أن تتحول كنيسة إلى هدف، وأناس آمنون إلى ضحايا، ووطن يفترض أن يحمي سكينتهم إلى شاهد على جرحهم!

الإرهاب لا يمثل دينًا، ولا يصنع بطولة، ولا يملك قضية تستحق قطرة دم واحدة. إنه جبن يرتدي قناع العقيدة، ويستهدف الإنسان لأنه عاجز عن مواجهة الحياة. ومن يظن أن قتل الأبرياء يحمي هوية أو ينتصر لفكرة، لا يفعل سوى فضح خوائه الأخلاقي.

أما الأردن، فلا يجوز أن يسمح للقتلة بأن يرسموا حدود المحبة بين أبنائه. الكنيسة ليست غريبة عن الوطن، وأهلها ليسوا ضيوفًا فيه، والمواطنة ليست منّة يمنحها أحد لأحد. هذا وطن الجميع، ودم الأردني ليس أقل حرمة لأن صلاته تختلف عن صلاة جاره.

لكن الغضب الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند الجريمة؛ بل يجب أن يصل إلى السؤال الأكثر إيلامًا: لماذا لا نرى هذه القرى إلا حين تنزف؟

أين الاهتمام بتراثها؟ أين التنمية التي تحفظ شبابها؟ وأين حضور الدولة قبل أن تتحول الأماكن الهادئة إلى أخبار دامية؟

ليس المطلوب أن نزور حمود بعد الفاجعة، ونلتقط الصور، ونكتب كلمات مؤثرة، ثم نغادر مطمئنين إلى ضمائرنا. المطلوب ألا تبقى القرى المنسية خارج المشهد حتى تقع الكارثة. فالأوطان لا تُقاس بعدد الأبراج في عواصمها، بل بقدرتها على حماية أبعد قرية وأبسط مواطن.

يا حمود، لم يكن ينقصك الطيبون، ولا العلم، ولا التاريخ. كان ينقصك أن يراك الناس قبل أن يراك الإرهاب.

ولن يكون الوفاء لكِ بالبكاء أيامًا، بل بأن تبقى حكايتك حاضرة، وأن تُصان بيوتك القديمة، ويُحترم أهلك، ويُسمع صوتك، وألا تعودي إلى هامش الذاكرة بعد انطفاء الكاميرات.

حمود ليست قرية الإرهاب؛ إنها قرية استهدفها الإرهاب، وكشف بدمه عجز ذاكرتنا عن رؤية الأماكن المنسية.

فلا تجعلوا القتلة آخر من يتذكرها، ولا تسمحوا للنسيان أن ينتصر مرتين: مرة حين تجاهلناها، ومرة حين تركناها بعد الفاجعة.

العار ليس أن تكون حمود قرية صغيرة؛ العار أن يكون طريقها إلى ذاكرة الوطن جريمة.