بقلم : أُسَيْد الحوتري
يُعدّ الإحساس بالاغتراب من الهواجس الراسخة في الأدب، فالاغتراب ليس بالضرورة غربة المكان أو الوطن؛ إذ قد يعيش الإنسان غريبا في بيته، وبين أهله وناسه، وقد تكون أقسى أشكال الغربة أن يصبح غريبا عن ذاته. إنه شعور بالانفصال عن العالم المحيط، وبالعجز عن إقامة علاقة متصالحة معه، بحيث يبدو الإنسان كأنه يقف خارجه ويراقبه، أو يعيش فيه دون أن يشعر بأنه ينتمي إليه. وقد اتخذ هذا الشعور أشكالا وصورا متعددة في الأدب العربي والغربي؛ ففي الأدب الغربي نجد شخصيات (فرانز كافكا)، ولا سيما في “المسخ”، حيث يتحول الاغتراب إلى عزلة قصوى وانفصال عن الأسرة والمجتمع والذات، كما نجده لدى (ألبير كامو) في “الغريب” في صورة إنسان يبدو منفصلا عن القيم والمشاعر التي تحكم المجتمع من حوله. وفي الأدب العربي، تتجلى أشكال مختلفة من الاغتراب في أعمال مثل “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، حيث يرتبط الاغتراب بأسئلة الهوية والانتماء والصراع بين عالمين وثقافتين. ومن هذا المنظور يمكن قراءة مجموعة “أهرب من ظلي”، فشخصياتها لا تبدو غريبة عن المكان فحسب، بل تبدو في حالات متكررة من العجز عن الانسجام مع العالم، وكأن كل شخصية تحمل متاهتها الخاصة وتحاول، بوسائل مختلفة، أن تهرب مما يلاحقها.
في “أهرب من ظلي” لا يأتي الاغتراب في صورة واحدة، بل يتخذ أشكالا نفسية واجتماعية واقتصادية ووجودية، فتبدو الشخصيات عاجزة عن إقامة علاقة متوازنة مع المجتمع من حولها أو مع ذواتها. غير أن الكاتب لا يقدّم هذا الاغتراب بلغة مأساوية خالصة، وإنما يمزجه بالسخرية والمفارقة أحيانا، فيتحول الألم إلى موقف يثير الابتسام بقدر ما يثير القلق. وهكذا يصبح الاغتراب خلفية مشتركة تتحرك فوقها شخصيات المجموعة، قبل أن تتكشف صوره المختلفة في تفاصيل القصص.
في قصة “انهيار” يتجسد الاغتراب في شخصية رجل فقد قدرته على التوافق مع العالم من حوله، فأصبح يرى ما لا يراه الآخرون، ويتعامل مع الواقع من خلال هواجسه وكوابيسه. يبدأ الانفصال من الداخل، حين تتحول الأحلام بانهيار المباني في حيّه إلى يقين يطارده، ثم يتسع ليصبح انفصالا عن المجتمع الذي لا يصدقه ويضعه في المستشفى بوصفه مريضا. والمفارقة أن ما يراه الرجل بوصفه وهما في نظر الناس من حوله يثبت بعضه لاحقا أمام أعين الآخرين، فتختلط حدود المرض بالبصيرة، والحقيقة بالوهم. لذلك فإن اغترابه لا يتمثل في ابتعاده عن المكان، بل في عجزه عن التواصل مع عالم لا يفهم لغته ولا يأخذ مخاوفه على محمل الجد، حتى يصبح المستشفى، الذي يفترض أن يكون مكانا للعلاج، المكان الوحيد الذي يختار البقاء فيه لأنه لم يعد يجد لنفسه مكانا بين الناس في الخارج.
وفي قصة “مشوار” يتخذ الاغتراب شكلا أكثر هدوءا وانغلاقا، فالشخصية الرئيسية تعيش وحيدة، وقد انكمشت علاقتها بالعالم الخارجي إلى حدّ جعل خروجها من البيت حدثا أسبوعيا استثنائيا تحيط به طقوس دقيقة. لا يبدو الرجل مغتربا عن المجتمع بسبب موقف صريح منه، بل بسبب انسحابه التدريجي من الحياة اليومية، حتى يصبح البيت عالمه المغلق، ويغدو الخارج مساحة تثير التردد والقلق. وتكشف التفاصيل الصغيرة، من بطء الحركة إلى مراجعة الحاجيات والعودة إلى المنزل بعد نزول الدرج، عن شخصية فقدت عفوية الاتصال بالعالم. وهكذا يصبح اغترابه اغترابا عن الحياة نفسها؛ فهو لا يرفض الخروج لأنه لا يحتاج إلى العالم، بل يبدو كأنه لم يعد يجد سببا كافيا ملحا للذهاب إليه.
وفي “مؤامرة” يتخذ الاغتراب صورة مختلفة؛ فالشخصية الرئيسية لا تعيش عزلة مكانية، وإنما تعاني اغترابا عن عالم الكتابة نفسه، رغم أنها تنتمي إليه وتحاول إثبات ذاتها داخله. ينشغل الكاتب بالرغبة في إنتاج نص استثنائي، فيغرق في المصطلحات والأساليب والتيارات الأدبية، حتى تصبح الكتابة فعلا مرهقا بدل أن تكون وسيلة للتعبير. ومع تكرار الفشل، يتولد لديه شعور بأن الجميع يقف ضده، فيسقط إحساسه بالعجز على الأدباء والنقاد، ثم على برنامج الكتابة ذاته، الذي يتحول في وعيه إلى طرف في المؤامرة. وهنا يبدو اغترابه نابعا من عجزه عن تحقيق الانسجام بين ما يتصوره عن الكتابة وما يستطيع إنتاجه، فينتهي به الأمر غريبا حتى عن الأداة التي يفترض أن تساعده على الكتابة.
وفي قصة “معركة خاسرة” يتخذ الاغتراب بعدا اجتماعيا وإنسانيا أكثر قسوة، فالشخصية الرئيسية تنشأ منذ طفولتها خارج دائرة الأمان والانتماء، وتتنقل من فقد الأم والأب إلى الميتم ثم إلى العمل، من دون أن تجد مكانا مستقرا تشعر فيه بأنها تنتمي إلى حياة طبيعية. وحتى حين يجد شخصا يوفر له المأوى والطعام والرعاية، لا يتحول ذلك إلى خلاص حقيقي، إذ يكتشف عند محاولة الاستقلال أنه لا يملك من أجر سنوات عمله إلا القليل. ومع تراكم الفقر والاستغلال والمآسي، يصبح شعوره بالاغتراب اغترابا عن الحياة ذاتها؛ فهو لا يرى لنفسه مستقبلا ولا يجد في العالم سببا يدفعه إلى التمسك به. ومن هنا تأتي نهاية القصة بوصفها ذروة لهذا الاغتراب: لم يعد الرجل يحاول تغيير حياته، بل فقد الرغبة في استمرارها، وكأن المعركة التي خاضها طوال عمره انتهت بانفصاله الكامل عن العالم.
وفي “متاهة” يبلغ الاغتراب صورة وجودية واضحة، فالرجل يجد نفسه فجأة في مكان واسع ومفتوح، لكنه، بدل أن يشعر بالحرية، يشعر بالضياع والعجز عن تحديد موقعه أو وجهته. المفارقة هنا أن السجن الذي كان يخشاه لم يعد موجودا، ومع ذلك تحولت الحرية نفسها إلى نوع من الأسر، فهو محاصر بالجهل بالمكان والاتجاه، وبالجوع والعطش والحرارة، ولا يملك سوى مواصلة السير دون غاية واضحة. وهكذا يصبح اغترابه نابعا من فقدان البوصلة الداخلية قبل أن يكون فقدانا للمكان، فهو موجود في عالم مفتوح، لكنه عاجز عن العثور على طريقه فيه. وحين يحل الليل ويستسلم لمشهد النجوم والقمر ثم للنوم، يبدو كأنه يعلّق مؤقتا رحلة البحث عن معنى أو مخرج.
وفي “حاوية” يتحول الاغتراب إلى نتيجة مباشرة للفقر والتفاوت الطبقي، فالشخصية الرئيسية لا تعيش فقط خارج مستوى الحياة الذي يعيشه الأغنياء، بل تبدو وكأنها تعيش في عالم اجتماعي آخر لا يراها فيه أحد. الملابس التي تستمدها من القمامة، والطعام الذي يتحاشى الحديث عنه، والحاويات التي تصبح مصدرا للرزق، كلها تفاصيل تكشف انفصال الفقير عن منظومة الحياة الطبيعية التي يفترض أن توفر للإنسان الحد الأدنى من الكرامة. وتزداد المفارقة قسوة حين تصبح نفايات الأحياء الغنية موردا لحياة الفقراء؛ فما هو فائض عن حاجة طبقة يصبح ضرورة لبقاء طبقة أخرى. وهكذا لا يعود الاغتراب هنا شعورا نفسيا فحسب، بل يصبح اغترابا طبقيا، يجد فيه الإنسان نفسه خارج المجتمع الذي يعيش فيه، قريبا من مظاهره لكنه محروم من شروط الحياة الكريمة داخله.
وفي قصة “أهرب من ظلي” يصبح الاغتراب انفصالا عن الذات قبل أن يكون انفصالا عن الآخرين، فالرجل لا يشعر بالأمان حتى مع أكثر الأشياء التصاقا به، أي ظله. يتحول الظل في وعيه إلى كائن يطارده ويتآمر عليه، فيحاول الفرار منه بالتاكسي، لكنه يكتشف أنه عاجز عن التخلص منه. ومع تصاعد هواجسه، ينتقل شعوره بالاغتراب من الداخل إلى الخارج، فيتهم سائق التاكسي بالتآمر عليه، ثم يحاول مواجهة ظله بالعنف. والمفارقة أن الرجل يهرب من العالم بحثا عن الأمان، لكنه يحمل مصدر خوفه معه أينما ذهب. وهنا يبدو الظل رمزا للذات التي لا يستطيع الإنسان الانفصال عنها، لذلك يصبح الهروب مستحيلا، لأن الإنسان لا يستطيع أن يهرب من نفسه.
في النهاية، تبدو شخصيات “أهرب من ظلي” جميعها وكأنها تحاول الهروب من حالة الاغتراب التي تحاصرها، غير أن كل شخصية تختار ملاذا مختلفا. ففي القصة الأولى يهرب الرجل من الناس إلى المستشفى، لكنه لا يجد فيه خلاصا من غربته؛ وفي الثانية يهرب من الناس إلى بيته، فيغلق على نفسه بابه ويجعل العزلة أسلوبا لحياته. وفي الثالثة يهرب الكاتب إلى الكتابة، محاولا أن يجد فيها عالما بديلا، لكنه لا يلبث أن يجد غربته تلاحقه حتى داخل الكتابة نفسها. أما في الرابعة، فقد بلغ اليأس بالرجل حدّ الهروب من الحياة ذاتها، بعد أن أثقلته المآسي فلم يعد يرى فيها ما يستحق التمسك به. وفي الخامسة يجد الشخصية ملاذها في النوم، فتغدو الغفوة هروبا مؤقتا من التيه والاغتراب، بينما تهرب الشخصية في السادسة إلى الحاويات، حيث تجد في بقايا عالم الأغنياء ما يسد حاجتها إلى الطعام والكساء. ثم تأتي قصة “أهرب من ظلي” لتكشف جوهر هذه الرحلات كلها: إن الإنسان قد يهرب من الناس، أو إلى البيت، أو الكتابة، أو النوم، أو حتى من الحياة، لكنه لا يستطيع أن يهرب مما يسكن فيه ويلازمه؛ فالشيء الذي يطارده ليس دائما خارجا عنه، بل قد يكون جزءا من ذاته ووعيه ووجوده، تماما كما يلازم الظل صاحبه. ولذلك يستحيل الهروب، لأنك أينما ذهبت، تأخذ غربتك معك. وربما لا يستطيع الإنسان أن يتخلص من ظله إلا إذا اختار أن يعيش في الظلام، لكن ذلك لن يكون خلاصا، بل شكلا آخر من أشكال الاغتراب.