المرأة في النصوص الستة، صانعة للحدث، صانعة للمصير.
هكذا كان الحبل السري الذي ينظم ستة نصوص مسرحية سكتا بين دفتي كتاب (طار الحمام – ست مسرحيات) لغنّام غنّام، الصادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، ويمكن للقارئ أن يلتقط طرف الخيط أو الحبل حين يطالع كلمة المؤلف المقتضبة التي دونها غنام في مقدمة نصوصه (في كل تص امرأة هي (بعض مني، وفيها تلك البلاد التي لا بد أن تعود لنا ونعود لها)
في النص الذي حملت المجموعة اسمه (طار الحمام) وهو أحدث نصوص المؤلف، هناك آمنة، سيدة فلسطينية في الثمانين من عمرها، من حيفا، عاشت لاجئة في غزة، وتوفيت مصابة بكورونا في 21 أبريل 2020، تلك التي وصفت الوحدة للروبوت الطبي المكلف بخدمتها (تالوس): الوحدة أن تدير المفتاح في قفل باب بيتك، ولا تسمع في البيت غير صدى صوته، الوحدة ألا ينادي أحد باسمك وهو يدخل البيت، ألا يقبل رأسك ابن أو ابنة وهما يعودان إلى البيت، أن تكون صورهم هي كل ما تبقى في هذا البيت.
في (صباح ومسا)، الذي كان كتابة جديدة عام 2009 لنص سابق للمؤلف بعنوان (خمس دمى وامرأة) كُتِب عام 1997، يلتقي غريبان (هي وهو) في مكان هو جسر تحت الإنشاء، لتبدأ حواراتهما بأخذهما لإنشاء تاريخ مضى لعلاقتهما ببعضهما، تقول المرأة “هي”: خبرة الشوارع علمتني، أن المجتمع لا يعترف إلا بالقوانين، الزواج قانون، وخارج خط القانون بمليمتر واحد، فأنت خطاءٌ تستحق العقاب، كم من العلاقات التي تجري على قارعة الطريق يغلفها الرضا، وكم من تلك التي تجري تحت مظلة القانون يغلفها الاغتصاب.
وتنهي حدث النص المسرحي وهي تحمل حقيبتها باتجاه هروب جديد، مطلقة سؤالها الوجودي (لماذا نهرب منهم بالهروب من أنفسنا؟ ولماذا لا نجد فسحة للحياة بعيداً عن حياتنا، حياتنا التي ما اخترنا القدوم إليها، فلماذا نُكرَه عليها دون أن نمنح فرصة أن نتركها أحراراً.
أما في (حياة حياة) النص الذي كتبه غنام عام 1997 والذي تواجه حياة 55 سنة نفسها وهي في سن 25 سنة، بعد ثلاثين عاما من افتراق الشخصية عن ذاتها، بعد أن غادرها حبيبها (نهار) للأبد، بعد أن استحال التعايش بينهما، وفي لحظة احتدام تقول الصبية لنهار: أحلام، أوهام، سمها ما شئت، لكن قل لي أي فائدة ستجنيها لو سوقت أحلامك للناس ولم تزرع حلماً في عين امرأتك، أي فارس في الميدان أنت وبيتك لا صهيل فيه؟
وفي نص (بدرانة) الذي كتبه عام 1993، عن تلك المرأة التي يقتلها التخلف، المرأة المغتصبة التي تعاقب بالموت بدل أن يعاقب مغتصبها، ويشكل ذلك صرخة مبكرة ضد ما تعارف عليه القانون بجرائم الشرف، إذ أن الذي يقوم بقتلها، هو زوجها، حبيبها، وقبل أن يتم ذلك تبوح له بحلمها الذي يتعلق بذلك الحمل الذي في رحمها نتيجة ذلك الاغتصاب: أتدري يا نايف؟ أريد لهذه الدودة أن تكون بنتاً، سأسميها ندى، لن أسميها نوار، نوار مني ومنك، وهذه مني ومن إنسان آخر، سأربيها دون أن تعرف، سيرتبط اسمها باسمي، وإذا سألتني ذات يوم، سأقول لها إني نزلت إلى النهر فضاجعني وحملت بها، فكانت ندى.
أما في (البحث عن حنظلة)، والذي استنطق فيه غنام كاريكاتيرات ناجي العلي، فجعل شخصياته فاطمة وحنظلة، وكتب معارضة مسرحية (كما المعارضة الشعرية)، وعندما تفقد حنظلة تناديه وتناجيه: عد يا حنظلة، عد وضع رأسك على حجري ورنم “خذيني أمي إذا عدت يوماً وشاحاً لهديك، وغطي عظامي بعشب تعمد من طهر كعبك. عد واقرأ لي شعر ناظم، أجمل الأطفال ذلك الذي لم يولد بعد، اقرأها على قبر محمد الدرة وإيمان واقرأ لهم داغستان بلدي لحمزاتوف، وغسان يحكي عن الرجال والبنادق، تعال وأبق فهؤلاء جميعاً عابرون في كلام عابر”.
أما سادسة النساء في مجموعة (طار الحمام) فهي “هي” دون اسم في نص “الأبواب – الحبيب المجهول” تلك التي تزلزل الحياة كما تربك الأبواب والرجل المطمئن لرجولته، تقول: الخيانة هي أن لا أحبك وفي نفس الوقت أضاجعك، الخيانة هي أن أخونك وأمضي، الاعتراف حب أكبر من كل ذلك، كانت لحظة أحبتها وجرت خلفها، هي لن تنساها، وستظل مميزة في حياتها.
بعد فترة من العِشرة نصبح معتادين الأمر كما لو أننا نفتح أدراجاً وخزائن، هذا أفتحه إن كنت أريد سروالاً داخلياً، وذلك لأتناول منه قميصاً؛ اعتياد قضاء الوطر، لأا بد أن تبقى في حالة اكتشاف دائم”.
هذه إشارات دالة على السر وراء تسكين هذه النصوص الستة في كتاب واحد، وأن يحمل عنوان “طار الحمام”، فقد حرص غنام الكاتب ومنذ مطالع تجربته منتصف السبعينيات في كتابة النصوص المسرحية أن يبقى في حالة اشتباك ومشاكسة مع الواقع السياسي والاجتماعي، أن يشاكس المعتقد ولا يستكين، وأن “يخرمش” الأسطح التي صقلها الزمن بالتسليم والاستسلام.
يقول دكتور يوسف عايدابي (السودان) في مقدمة كتاب طار الحمام:
“أعتقد أن هذا النوع من الكتابة الجديد قريب جدا من المشاهد، قريب جدا من فنون الأداء الحديثة، وبالتالي فإن الحوار لدى غنام غنام هو نوع من التوليد المتجدد بين الأحداث والحوادث. والشخصيات، والانطباعات، وما يعتريك وأنت أيها القارئ في الطريق من مشاغبات ومن أحداث، ومن سماع لأغاني أو الحوارات أو المشادات، وبالتالي فهو حياة في مشهد واحد يتكرر في صيغ مختلفة، كأنه تعدد نغمي على لحن واحد:
لماذا أضحت الحياة خواء يتمدد ويتمدد ويتمدد؟!”.