حين يُشهر الكاتب قلمه في وجه الفتنة

 

ثَمّةُ أقلامٌ تكتب كي تُرى، وأقلامٌ تكتب كي تُعَرف، وأقلام تثير الفتنة بحروفها لمجرد النقل، وأقلامٌ قليلة تعرف أن وظيفتها الأشدّ نبلا أن تمنح الحدث حقّه في الامتناع عن النشر بما قد يشكّل حولها الخطر .
وهنا يبدأ امتحان الكاتب الحقيقي.
فالقلم ليس أداة عابرة من حبرٍ تمرّ على الورق ثم ينتهي أمره؛ إنّه أثرٌ يمشي بعد صاحبه، وقد يدخل عقلًا لم يكن يعرف الفكرة، ويوقظ غضبًا كان نائمًا، ويفتح في جدارٍ اجتماعيّ شقًا لا تملك الكلمات بعد ذلك قدرةً على رتقه.
لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله صاحب القلم ليس أن يكتب كلمةً خاطئة، أو نحو وإملاء خاطيء، بل أن يعرف خطر الكلمة ثم يمنحها الصفحة.
فالفتنة لا تأتي دائمًا بشكل مباشر؛ أحيانًا تصلنا في هيئة سؤال، أو تعليق، أو خبر ناقص، أو رأي مشحون، أو حكايةٍ معلّقة لا يُعرف أين تبدأ الحقيقة فيها وأين تنتهي الرغبة في إشعالها.
وتنتظر فقط من يفتح لها الباب لتثير الجدل والتكهنات.
وهنا لا يكون الكاتب مجرد ناقل. بل من يفتح هذا الباب ليسمح للحرف أن يدخل ويعيث صداه الفساد، وإمّا أن يضع قلمه أمام عتبة المرور ويراجع نفسه قبل أن ينثر ما وصله ويتحقق من صحته.
وهذه ليست رقابةً على الحقيقة، بل رقابةٌ ضمير كاتب على نصه، قبل أن تُسلَّم إلى يد لا تعرف كيف تطفئها.
هنا يقع على عاتق الكاتب وهو صاحب الحرف مسؤولية توخّي الحذر في كل حرف يكتبه ويوصله إلى الناس .
فالكاتب المسؤول قد يحلّ محلّ الإعلام في نقل الحقيقة،لا تخيفه الحقيقة، لكنه يخاف أن تتحول الحقيقة إلى ذريعة لإهانة إنسان، أو إثارة فوضى ، أو تأليب فئة على أخرى وغيرها من الأحداث السلبية.
وهو لا يخشى النقد، لكنه يخشى أن يتنكر التشهير في هيئة نقد.
ولا يهرب من الاختلاف، لكنه يعرف أن هناك مسافةً أخلاقية بين أن تختلف مع إنسان، وأن تدفع جمهورك إلى كراهيته.
ذلك هو الفارق بين من يملك قلمًا ومن يستحقه.
لقد أصبح بإمكان سطر واحد أن يقطع المسافات بين ما يقوم بنشره من كلمات وبين مئات الآلاف من جميع أنحاء العالم خلال دقائق؛ ولذلك لم تعد مسؤولية الكاتب تقف عند حدود صفحة داخل غلاف كتابه ولا السؤال هل ما يكتبه صحيح،
بل تمتد إلى سؤال أكثر قسوة:
ماذا سيفعل هذا الصواب حين يضعه في أيدي الناس؟
فليست كل حقيقة تُقال بالطريقة نفسها، وليست كل معلومة تُنشر في اللحظة نفسها، وليست كل مساحة مفتوحة دعوة إلى ملئها.

هناك كلماتٌ تحتاج إلى شجاعة نشرها، وهناك كلماتٌ تحتاج إلى شجاعة دفنها.
والكاتب الذي يستطيع أن يدفن حرفا كان قادرًا على صناعة ضجيج هائل، ثم يمضي دون أن ينتظر تصفيقًا؛ هو كاتب بكل معنى الكلمة، انتصر لقيمته قبل أن ينتصر لصفحته ورقم المشاهدات.
أمّا أولئك الذين يشحنون صفحاتهم بما يثير الغضب، ويشعلون نار الكراهية بين الناس ثم يجلسون يتابعون سرعة زحف الحريق من خلف الشاشة، وعداد نسبة المشاهدات في تزايد، وحجتهم أنّهم مجرد ناقلي خبر، لا يستحقون مهنة شرف سلاح القلم .
فمن ينقل شرارةً إلى غرفةٍ مليئةٍ بالقش، ثم يقول: لم أقصد أن أشعل النار في باقي القش، لم يفهم معنى المسؤولية.
قد لا يكون هو من صنع الفتنة، لكنه حين يمنحها عنوانًا، ومساحةً، وجمهورًا، ويدفع بها إلى واجهة المشهد، يكون قد منحها ما كانت تبحث عنه في تربة خصبة ومنبرًا مدويّا.
المنبر أحيانًا أخطر من الفكرة ذاتها.
لذلك، ليس الكاتب المخضرم من يستطيع أن يجعل منشوره حديث الناس فحسب؛ بل من يستطيع أن يجعل ضميره أقوى من أن يكون هو حديث الناس.
فالكاتب الحقيقي لا تغرّه كثرة التعليقات، ولا يستدرجه التصفيق.
ولا يبيع كلماته لخرق هدوء المجتمع مقابل رقم يرتفع على شاشة. لأنه يعلم أنّ بعض الأرقام تُنسى، أما الجراح التي تصنعها الكلمات فقد تخلّف دمارا وتبقى في الذاكرة أعوامًا.
وهنا تحديدًا ينبغي أن يتسلّح الكاتب بشيء من البصيرة التي تسبق حبره.
بأن يقرأ النص قبل أن يقرأه القارئ مرارا وتكرارا.
وأن يرى العاقبة قبل أن يرى التفاعل.
وأن يسمع الصدى قبل أن يضغط زر النشر.
وأن يسأل نفسه، قبل أن يسأل الصفحة عن عدد المشاهدات:
هل أضيء بهذه الكلمة عقلًا، أم أوقظ فيها غضبًا؟
هل أفتح بابًا للحوار، أم أترك بابًا للخصومة؟
هل أخدم الحقيقة، أم أخدم شهية الجمهور إلى الإثارة؟
إن كان القلم سلاحًا، فليكن سلاحه الأول الامتناع عن إطلاقه حيث لا ضرورة.
وإن كانت الصفحة منبرًا، فليكن أول ما يقف عليه الكاتب هو ضميره.
وإن كان القارئ أمانة، فلا تجعلوه حقلًا لتجاربكم في صناعة الغضب والرهان على مدى استجابته للفتنة أم لا .
ومن هذا المنطلق أنصح نفسي قبل كل من يحمل شرف اليراع :
لا تمنح الفتنة مقعدًا في الصف الأول ثم تطلب من الناس ألّا يصفقوا لها.
لا تضع الحطب بين سطور كلماتك ثم ترجوهم عدم إشعال النار.
ولا تجعل من قدرتك على إثارة الناس دليلًا على قدرتك على الكتابة.
فالكتابة ليست أن تعرف كيف تضغط على أكثر مواضع الوجع في الناس؛ الكتابة أن تعرف متى وكيف تقترب من الوجع، ومتى تضع يدك عليه دون أن تزيده نزفا.
وقد يكون أنبل نصّ يكتبه الكاتب هو ذلك الذي لا يراه أحد.
حرفٌ حذفه لأنّ ضميره منعه من كتابته.
عنوانٌ غيّره لأن معناه قد يُفهم على غير مقصده.
منشور أزاله بعد كتابته، لأنه أدرك أن انتشاره لن يضيف وعيًا، وإنما سيشعل فتنة و خصومة.
وفي هذه الحالة لا تعدّ هزيمة للقلم، بل هي لحظة انتصاره.
فالكاتب لا يُقاس فقط بما تركه من نصوص خلفه، بل أيضًا بما حال بينه وبين الناس من أذى.
وربما لا يعرف الكاتب أبدًا كم فتنة أوقفها نصّ لم ينشره، وكم خصومة ماتت لأن جملةً بقيت في مسوداته، وكم قلب نجا لأن يده توقفت لحظةً قبل أن تضغط زر النشر.
لهذا واجب على كل كاتب ،حين تعبر حروف الفتنة أمام قلمه،أن يتحقق منها بماذا ستترك خلفها؟
فإن كانت ستترك نارًا، فليكن قلمه أول مطفأة لها.
وإن كانت ستترك كراهية، فليكن حبره حاجزًا بينها وبين القارئ.
وإن كانت ستبحث عن جمهورٍ لتغويه، فلا يكن هذا الكاتب من يمنحها التوغّل بين الجمهور.
فالقلم الذي يعرف كيف يكتب، موهبة ووعي؛ أما القلم الذي يعرف متى لا يكتب، فذلك ضمير.
وفي زمنٍ باتت فيه الفتنة تبحث عن أصابع تضغط زرّ النشر،
كن أنت الإصبع الذي يتوقف عندما يتطلب الأمر منك ذلك دون تردّد.
فليس كلّ صمتٍ عجزًا عن الكلام؛ فبعض الصمت كلمة جريئة أخفت كلاما كثيرًا من أن يتحول إلى حرب وخراب.

بقلم
الكاتبة مي صالح