لم تُنهِ انتخابات الكنيست السادسة والعشرين الصراع على السلطة في إسرائيل، بل فتحت فصلاً جديداً من أزمة نظامها السياسي، يتجاوز حدود نتائج الاقتراع. فوفقاً لأرقام الفرز المعلنة، تصدّر حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو المشهد، لكن معسكره اكتفى بـ53 مقعداً، مقابل 48 لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حققت الأحزاب العربية اختراقاً لافتاً بحصدها 19 مقعداً. وتضع هذه الأرقام إسرائيل أمام مفارقة سياسية: يتقدم نتنياهو من دون أغلبية تتيح له تشكيل حكومة، بينما يملك آيزنكوت فرصة حسابية لإقصائه، لكنه يفتقر إلى التوافق السياسي اللازم لتحقيقها. وبينهما، تتحول المقاعد العربية إلى قوة ترجيح يصعب تجاهلها، ومحظور سياسي يصعب استيعابه، من دون أن يعني ذلك بالضرورة استعداد الأحزاب العربية للمشاركة في الحكم. وتكشف هذه النتائج المعلنة أن الأزمة تتخطى التنافس بين زعيمين، لتصبح اختباراً لقدرة النظام على تشكيل حكومة مستقرة وسط انقسامات سياسية وقومية ودينية عميقة. كما تضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تربطه علاقة وثيقة بنتنياهو، أمام حدود النفوذ الأمريكي في التوازنات الإسرائيلية الداخلية، مهما بلغت قوة التحالف الاستراتيجي بين البلدين. فالحسابات البرلمانية لا تستجيب تلقائياً لرغبات واشنطن، وتصدُّر الانتخابات لا يمنح تلقائياً القدرة على تشكيل الحكومة، ما يفتح المشهد على احتمالات حكومة وحدة، أو إعادة ترتيب قيادة الليكود، أو استمرار الجمود وصولاً إلى انتخابات جديدة. ويرتبط فهم هذه التعقيدات بطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، الذي يجمع بين التمثيل النسبي الواسع والتشرذم الحزبي، في ظل غياب دستور موحّد ينظّم العلاقة بين السلطات، والاعتماد بدلاً منه على قوانين أساسية. وتعتمد إسرائيل دائرة انتخابية وطنية واحدة وقوائم حزبية مغلقة، وتُوزَّع مقاعد الكنيست الـ120 نسبياً بين القوائم التي تتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25%. ورغم أن هذا النظام يتيح تمثيل تيارات اجتماعية ودينية وقومية متعددة، فإنه يصعّب حصول حزب منفرد على أغلبية مطلقة. لذلك، لا يُحسم تشكيل الحكومة بإغلاق صناديق الاقتراع، بل عبر مفاوضات ائتلافية معقدة تتيح للأحزاب الصغيرة ابتزاز الكتل الكبرى وفرض شروطها. وقد منحت هذه الآلية الأحزاب الدينية والقومية المتشددة نفوذاً يفوق وزنها العددي، خصوصاً في ملفات التجنيد والميزانيات والتعليم الديني الحريدي والاستيطان؛ إذ يستطيع حزب محدود المقاعد تهديد استقرار الحكومة بالانسحاب منها وإسقاط أغلبيتها. كذلك، أبقى غياب الدستور الموحّد قضايا جوهرية موضع صراع دائم، من بينها علاقة الكنيست بالمحكمة العليا، وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية، والتوازن بين يهودية الدولة ومبادئ الديمقراطية والمساواة. وكشفت أزمة التعديلات القضائية عام 2023 عمق هذه التناقضات، من خلال مواجهة سياسية ومجتمعية بين تيارات تخشى تغوّل السلطة التنفيذية على القضاء، وأخرى ترى في تدخل المحكمة العليا تقييداً لإرادة الأغلبية المنتخبة. وعليه، فإن الانسداد الراهن ليس حدثاً معزولاً، بل امتداد لأزمة بنيوية في نظام يبرع في تمثيل الانقسامات الاجتماعية، لكنه يعجز مراراً عن تحويلها إلى أغلبية حاكمة متماسكة.
ورغم تصدّر الليكود، يواجه نتنياهو معضلة تأمين ثمانية مقاعد إضافية لبلوغ أغلبية الـ61 مقعدًا؛ وهي مهمة لا تقتصر على استقطاب نواب إضافيين، بل تصطدم بخلافات شركائه المحتملين حول شخصه وسياساته وتحالفه مع اليمين الديني والمتطرف، فضلًا عن محاكمته المستمرة في قضايا فساد، التي تمنح خصومه مبررات إضافية لرفض بقائه في السلطة. وهنا تتبدّى حدود دعم ترامب؛ فرغم إسهامه في تعزيز صورة نتنياهو لدى بعض الناخبين، فإنه لا يكفي لتجاوز الخلافات الأيديولوجية والحسابات الشخصية التي تحكم تشكيل الائتلافات. غير أن هذه الضغوط لا تعني خروجه الوشيك؛ فقد أثبت نتنياهو اتساع نفوذه داخل الليكود وقدرته على تحويل الانتخابات إلى استفتاءات على قيادته، لتبقى أمامه ثلاثة خيارات:
– استمالة قوى من يمين الوسط.
– قبول تسوية تفضي إلى تشكيل حكومة وحدة.
– البقاء في منصبه خلال المرحلة الانتقالية ريثما تُحسم المفاوضات
لكن الرهان على الوقت محفوف بالمخاطر؛ فإطالة أمد الانسداد تزيد الضغط على الأحزاب للتوصل إلى تسوية، وتثير مزيدًا من التساؤلات داخل الليكود حول ما إذا كان بقاء نتنياهو ضمانةً للاحتفاظ بالسلطة أم عائقًا أمام تشكيل ائتلاف أوسع.
في المقابل، تبدو معضلة آيزنكوت أكثر تعقيداً، إذ ترتبط بالفجوة بين الممكن حسابياً والمقبول سياسياً؛ فمعسكره، الذي يضم 48 مقعداً، يستطيع نظرياً بلوغ أغلبية مريحة من 67 مقعداً بإضافة المقاعد العربية الـ19، لكن ذلك لا يعني استعداد هذه القوى للانضواء في ائتلاف واحد. وينتمي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق، إلى تيار أمني وقومي واضح يخاطب الوسط ويمين الوسط، ما يجعل اعتماده على أحزاب عربية تعارض السياسات العسكرية تجاه الفلسطينيين اختباراً حساساً ومجازفة مكلفة أمام جمهوره وحلفائه. وتتفاقم هذه المعضلة مع تباين مواقف القوى العربية نفسها؛ فبينما فتح منصور عباس، زعيم القائمة العربية الموحدة، باب المشاركة الائتلافية بانضمامه إلى حكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد عام 2021، تربط قوى عربية أخرى تعاونها الحكومي باتخاذ مواقف أكثر وضوحاً إزاء الحقوق القومية والمدنية والقضية الفلسطينية.
وهنا يبرز التساؤل حول قدرة آيزنكوت على تحمّل الكلفة السياسية للدعم العربي اللازم لإقصاء نتنياهو؛ فالمشاركة الرسمية للأحزاب العربية في الحكومة تختلف عن دعمها برلمانياً من الخارج، سواء لمنحها الثقة أو لمنع سقوطها. ورغم أن الخيار الثاني أقل كلفة سياسياً، فإنه لا يبدّد اعتراض الأحزاب اليهودية التي ترى في اعتماد حكومة إسرائيلية على أصوات عربية في القرارات المصيرية تجاوزاً لخطوطها الأيديولوجية. وهكذا، تمنح المقاعد التسعة عشر أصحابها قوة تفاوضية استثنائية، من دون أن تضمن لهم المشاركة في السلطة التنفيذية. وتكمن المفارقة في امتلاك العرب القدرة على منع نتنياهو من تشكيل حكومة، مقابل عجزهم عن فرض بديل يقبل شراكتهم؛ ما يكشف حدود التأثير البرلماني العربي، والفجوة بين المساواة في التصويت والمشاركة الفعلية في صنع القرار السياسي والأمني.
وإزاء تعذّر استقطاب نتنياهو المقاعد الثمانية التي يحتاجها، وعجز آيزنكوت عن بناء أغلبية مقبولة سياسياً، تبرز حكومة الوحدة بوصفها مخرجاً محتملاً يجمع الليكود وقوى الوسط ويمين الوسط في ائتلاف واسع، من دون الاعتماد على الأحزاب العربية أو بعض أحزاب اليمين المتطرف. غير أن نتنياهو يظل العقبة الرئيسية؛ إذ قد يدفع رفض المعارضة المشاركة في حكومة برئاسته إلى تمرير خيار الوحدة عبر إعادة ترتيب قيادة الليكود، بما يفتح الباب أمام أسماء ذات خبرة حكومية وأمنية، مثل يسرائيل كاتس ونير بركات، من دون وجود توافق فعلي عليهما حتى الآن. وقد يبرز نفتالي بينيت أو آيزنكوت ضمن ترتيبات أوسع لقيادة بديلة، وفق موازين التفاوض. بيد أن إقصاء نتنياهو ليس أمراً تستطيع المعارضة فرضه بسهولة، بل يتطلب تحولاً داخل الليكود أو تسوية ترضي قيادته وقواعده. وحتى إذا تجاوزت حكومة الوحدة عقدة القيادة، فستواجه خلافات شائكة حول تجنيد الحريديم، ومستقبل الإصلاحات القضائية، والاستيطان، وإدارة الحرب، والعلاقة مع الفلسطينيين؛ لتكون بذلك حلاً لأزمة تشكيل السلطة، لا نهايةً لأزمة النظام السياسي ذاته.
وتكتسب الأزمة بُعداً إضافياً مع الحضور المعلن لترامب، الذي شهدت ولايته الأولى تحولات بارزة، من بينها الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل ورعاية اتفاقيات أبراهام، ما يجعل نتنياهو شريكاً مألوفاً له في ملفات إيران والتطبيع والقضية الفلسطينية. غير أن المصالح الأمريكية لا تتطابق دائماً مع المصالح الشخصية لرئيس الحكومة؛ إذ تحتاج واشنطن إلى حكومة قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذ التفاهمات الاستراتيجية، في ظل التوترات الإقليمية وتعقيدات الملف الإيراني ومستقبل قطاع غزة. لذلك، لا يعني دعم ترامب لنتنياهو تمسّك واشنطن به مهما ارتفعت كلفة الانسداد السياسي. وقد تفضّل الإدارة الأمريكية حكومة وحدة واسعة، حتى إن لم يترأسها نتنياهو، لما قد تتيحه من قدرة على تنفيذ تفاهمات أمنية ودبلوماسية طويلة الأمد. ومع ذلك، يظل هذا الاحتمال تقديراً سياسياً، لا خطة مؤكدة، في غياب أدلة موثوقة. وفي المحصلة، لا يستطيع النفوذ الأمريكي تجاوز البنية الحزبية الإسرائيلية، ويبقى الحسم مرهوناً بتوزيع المقاعد وتفاهمات الكتل.
وخلف صراع الرئاسة، تكمن أزمات داخلية قابلة للانفجار، تتصدرها قضية تجنيد اليهود الحريديم وتمويل مؤسساتهم التعليمية وعلاقة الدين بالدولة. فقد أصبحت الإعفاءات العسكرية لطلاب المدارس الدينية بؤرة انقسام حاد مع تزايد الأعباء الأمنية، بين قطاعات علمانية ترى فيها تكريساً لغياب المساواة وتطالب بتوزيع عادل للأعباء، وأحزاب حريدية تستخدم ثقلها البرلماني لرفض تجنيد تعتبره تهديداً لطبيعة مجتمعها. وبذلك، تغدو هذه القضية عاملاً حاسماً في بقاء الحكومات أو سقوطها، إلى جانب الصراع حول استقلال القضاء وصلاحيات المحكمة العليا وحدود سلطة الأغلبية. وقد تدفع هذه الأزمات إلى بحث تعديلات انتخابية ودستورية، مثل رفع نسبة الحسم أو تغيير قواعد تشكيل الحكومات، غير أنها قد تتحول إلى إجراءات إقصائية إذا قلّصت تمثيل الأقليات والأحزاب الصغيرة. لذا، يقتضي الإصلاح ألا يصبح السعي إلى الاستقرار أداة لتقييد التعددية البرلمانية. ويتقاطع هذا المأزق مع أعباء اقتصادية خانقة تلقي بها الحروب وتعبئة قوات الاحتياط وارتفاع الإنفاق الدفاعي على الإنتاج والاستثمار وسوق العمل. ففي غياب حكومة مستقرة، تتعطل القرارات المتعلقة بالموازنة والضرائب والإنفاق العام، وتتزعزع ثقة المستثمرين، ما يدفع قطاع الأعمال إلى المطالبة بتسوية سياسية لا يستطيع فرضها بمفرده.
بدوره، يطرح الملف الإيراني معادلة حساسة بشأن أثر أي تصعيد عسكري على التوازنات الداخلية؛ إذ قد تدفع الأزمات الأمنية الكبرى الأحزاب إلى تجميد خلافاتها والانضمام إلى حكومات طوارئ، أو إلى تحميل القيادة السياسية مسؤولية الإخفاقات والخسائر. وقد يعيد التصعيد ترتيب الأولويات الداخلية، من دون الجزم بأن نتنياهو قد يختار الحرب لإنقاذ مستقبله السياسي؛ فالقرار العسكري يخضع لاعتبارات أمنية ومؤسسية واستراتيجية، فضلاً عن طبيعة العلاقة مع واشنطن واحتمالات الرد الإيراني. كما تمتد تداعيات أي مواجهة واسعة إلى القواعد الأمريكية والملاحة الدولية وأسواق الطاقة ودول الخليج. وتدرك العواصم العربية مخاطر الحرب الشاملة على أمنها واستقرارها الاقتصادي، ما يجعل تجنّب التصعيد مصلحة إقليمية تتجاوز مصير الحكومة الإسرائيلية. وتظل فرص توسيع التطبيع العربي الإسرائيلي مرهونة بمستقبل القضية الفلسطينية وملف الاستيطان وإقامة الدولة الفلسطينية، لا بتغيير رئيس الوزراء أو توزيع الحقائب الوزارية. وتضع النتائج المعلنة إسرائيل أمام ثلاثة مسارات رئيسية:
– المسار الأول: نجاح نتنياهو في استقطاب قوى إضافية لتأمين الأغلبية، مقابل تنازلات قد تُضعف تماسك الحكومة واستقرارها.
– المسار الثاني: تشكيل حكومة وحدة تضم الليكود وقوى الوسط ويمين الوسط، عبر تسوية تُبقي نتنياهو ضمن ترتيبات الحكم أو تفضي إلى قيادة بديلة. ويوفر هذا المسار أغلبية أوسع، لكنه يتطلب تجاوز خلافات شخصية وسياسية عميقة.
– المسار الثالث: استمرار الجمود وتعذّر تشكيل الحكومة، وصولاً إلى انتخابات جديدة قد تعيد إنتاج المأزق، ما لم تتغير مواقف الناخبين أو تحالفات الأحزاب.
وفي جميع السيناريوهات، ترتفع الكلفة السياسية والعددية لاستبعاد المقاعد العربية التسعة عشر كلما تقاربت موازين القوى بين المعسكرات، لتكشف الانتخابات عن أربعة تناقضات بنيوية في النظام الإسرائيلي:
– قدرته على إنتاج تمثيل برلماني واسع، مقابل عجزه المتكرر عن تحويل هذا التمثيل إلى سلطة مستقرة.
– تصدُّر نتنياهو المشهد، دون امتلاك الأغلبية اللازمة للحكم.
– امتلاك آيزنكوت أغلبية نظرية، تقيّدها المحظورات التي تحكم خياراته الائتلافية.
– حيازة الأحزاب العربية وزناً انتخابياً مؤثراً، دون ضمان ترجمته إلى مشاركة فعلية في الحكم.
كذلك، يصطدم ترامب بحقيقة أن السياسة الإسرائيلية لا تُدار من واشنطن وحدها، وأن الانقسامات الداخلية تعرقل الترتيبات المدعومة خارجياً. وتتجلى المفارقة الكبرى في احتمال اتفاق القوى الإسرائيلية على منع نتنياهو من الحكم، مع عجزها عن التوافق على خليفته. ويبقى السؤال الأعمق: هل يستطيع النظام استيعاب تحولات مجتمعه، أم ستعيد كل انتخابات إنتاج الأزمة نفسها بأسماء مختلفة وتحالفات مؤقتة، دون معالجة جذورها البنيوية؟ وفي الحالتين، تظل المقاعد العربية اختباراً للفارق بين حق التصويت والشراكة في الحكم، وبين أغلبية قادرة على الإسقاط وأخرى قادرة على البناء.
وأخيراً، تبقى انتخابات الكنيست شأناً إسرائيلياً داخلياً؛ فرئيس الوزراء القادم، يمينياً كان أم يسارياً، لن يختلف في التزامه بالأجندة الصهيونية العامة. وما التباين بين التشدد والمرونة، في المحصلة، إلا اختلاف في الأدوات والوسائل لخدمة هدف واحد: تكريس الاحتلال والاستيطان، والتنكر لحقوق الفلسطينيين، ورفض إقامة دولتهم. في المقابل، يتمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه المشروعة وخيار المقاومة حتى استعادة أرضه وتقرير مصيره، مُظهراً، رغم القمع وتعقيدات العملية الانتخابية، قدرة استثنائية على التماسك وحصد 19 مقعداً لمواجهة السياسات الإسرائيلية. وهنا يبرز الواجب العربي في التضامن والتوحد واستلهام هذا الصمود لصياغة استراتيجية عربية موحدة، تنطلق من إدراك أن تبدّل وجوه الحكم في إسرائيل لا يُغني عن مواجهة جوهر المشروع الصهيوني التوسعي. فحماية الأمن الوطني ومصالح العواصم العربية تبدأ بمشروع نهضوي ينبذ الفرقة التي زرعها المتربصون، ويقف في وجه أي قوة مهما بلغ نفوذها، انتصاراً لفلسطين ولشعب عانى عقوداً من الظلم والاستبداد والتنكيل والإبادة