بين إنصاف القضية الفلسطينية وتجاهل الدور الاردني: قراءة في مسلسل “اصحاب الأرض” كتبت رزان عبدالهادي

الشعب نيوز:-

بعد الانتهاء من متابعة خمس عشرة حلقة من مسلسل أصحاب الأرض، أستطيع القول بثقة إن العمل كان محاولة جادّة لتسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين، ولا سيما في غزة عقب أحداث السابع من أكتوبر.

لقد حمل المسلسل على عاتقه مهمة صعبة: تحويل الألم اليومي، والخسارات المتراكمة، والوجع الإنساني الخام، إلى سرد درامي قابل للمشاهدة والتفاعل.

من حيث المبدأ، يُحسب للعمل أنه أعاد وضع القضية الفلسطينية في واجهة الدراما العربية، بعد سنوات من الغياب أو المعالجة الخجولة.

صحيح أنه لا يرتقي — من وجهة نظري — إلى مستوى العمل المفصلي التغريبة الفلسطينية، الذي شكّل علامة فارقة في الذاكرة الجمعية العربية، إلا أن “أصحاب الأرض” قدّم صورة معاصرة ومباشرة لواقع الحرب، بعيدًا عن التنظير السياسي، وقريبًا من الإنسان في تفاصيل يومه القاسي.

غير أن قراءتي للعمل لم تكن محصورة في بُعده الإنساني فحسب، بل امتدت إلى كيفية تمثيله للسياق الإقليمي المحيط بالأحداث. وهنا تحديدًا يبدأ موضع التساؤل.

أنا ممن يعتبرون فلسطين العين اليسرى، والأردن العين اليمنى. لا أرى بينهما تناقضًا، ولا أقبل أن يُفهم دعمي لإحداهما على أنه انتقاص من الأخرى.
ومن هذا المنطلق تحديدًا، شعرت بأن حضور الأردن في السرد الدرامي لم يكن بمستوى حضوره الواقعي على الأرض.

في المشاهد التي تناولت موضوع المساعدات والإنزالات الجوية، لم يُذكر اسم الأردن صراحة. وربما يكون ذلك خيارًا دراميًا مقصودًا، يرمي إلى تجريد المشهد من التفاصيل السياسية والتركيز على المعاناة ذاتها، لكنّ غياب الإشارة الواضحة أثار لديّ تساؤلًا مشروعًا: هل يمكن فصل الفعل الإنساني عن سياقه بالكامل؟ وهل يُختزل الدور الإغاثي في صورة عابرة، دون الإشارة إلى مصدره، حتى لو كان ذلك المصدر حاضرًا بقوة في الواقع؟

كذلك، فإن الحلقات التي أدرجت إشارات إلى اجتماعات وتحركات سياسية دولية أظهرت أدوار بعض الدول بوضوح ضمن السرد، بينما لم يبرز الدور الأردني بالصورة التي تعكس مكانته وتحركاته خلال الأزمة.

وقد يكون ذلك أيضًا خيارًا دراميًا انتقائيًا، فالعمل في النهاية ليس وثيقة سياسية، بل رؤية فنية لها أولوياتها وزواياها الخاصة. غير أن الانتقائية — حين تمسّ أدوارًا محورية — تصبح جزءًا من النقاش العام حول العمل.

لا أكتب هذا من باب المقارنة بين أدوار الدول، ولا من باب المزايدة الوطنية، بل من منطلق الإحساس بالإنصاف. فالدراما، حين تقترب من الأحداث الراهنة وتربط سردها بوقائع حقيقية، تخرج جزئيًا من إطار الخيال الخالص، وتدخل مساحة التأثير في الوعي العام. وعند هذه النقطة، يصبح السؤال عن التوازن مشروعًا.

لقد أنصف المسلسل فلسطين في تصوير الألم، وفي نقل صورة إنسانية قاسية لواقع الحرب. وهذا بحد ذاته إنجاز يُقدَّر. لكنه — في تقديري الشخصي — لم يُبرز الأردن بما يتناسب مع حضوره السياسي والإنساني خلال تلك المرحلة. وربما لو اختار صُنّاع العمل إما تجنّب الإشارات السياسية تمامًا، أو توسيعها بشكل أكثر شمولًا، لكان النقاش أقل حدّة.

في النهاية، يبقى “أصحاب الأرض” عملًا دراميًا مهمًا في توقيته وموضوعه، ويستحق التقدير على جرأته في الاقتراب من جرح مفتوح. لكن النقد، حين يكون نابعًا من حرص لا من خصومة، هو جزء من احترام العمل ذاته. فالدعم لفلسطين لا يتعارض مع الاعتزاز بالأردن، والوفاء لإحداهما لا يكون على حساب الأخرى.

هكذا أراه: عملٌ أنصف القضية في بعدها الإنساني، لكنه — برأيي — لم يُنصف الدور الأردني كما ينبغي.

قد يعجبك ايضا