طقوس دينية مثيرة للجدل أمام عموم الناس بمراكش.. بين حرية المعتقد واحترام الرمزية التاريخية

الشعب نيوز:-

 

عثمان بنطالب

في مشهد أثار موجة واسعة من الجدل والاستياء على منصات التواصل الاجتماعي، وثّق مقطع فيديو متداول إذا صح، قيام أشخاص يرتدون لباسًا دينيًا يهوديًا بأداء طقوس ليلية أمام أحد الأسوار التاريخية لمدينة مراكش، وتحديدًا بالقرب من باب دكالة، في واقعة طرحت أكثر من علامة استفهام حول خلفياتها وتوقيتها وسياقها.

وفي خضم هذا الجدل، يجد المرء نفسه أمام واقعة تستدعي الوقوف عندها بجدية، ليس من زاوية الانفعال، بل من منطلق حقوقي وقانوني مسؤول.

إن المغرب، الذي راكم عبر تاريخه نموذجًا فريدًا في التعايش بين الأديان، لا يمكن أن يكون ضد حرية المعتقد أو ممارسة الشعائر الدينية، فذلك حق دستوري لا نقاش فيه.

غير أن هذا الحق، كما هو متعارف عليه عالميًا، يظل مقيدًا بضوابط النظام العام واحترام خصوصيات المجتمع ورمزية الفضاءات.

ما وقع أمام سور مراكش يطرح أكثر من سؤال مشروع: هل تم الحصول على ترخيص قانوني لممارسة طقوس دينية في فضاء تاريخي مفتوح؟ ما هي خلفيات اختيار هذا المكان بالذات؟ وهل نحن أمام ممارسة عفوية أم فعل مقصود يحمل رسائل معينة في توقيت إقليمي ودولي حساس؟

سور باب دكالة بمراكش ليس مجرد جدار أثري، بل هو جزء من الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية، الممتدة عبر قرون من تاريخ الدولة المغربية، من المرابطين إلى الدولة العلوية. وبالتالي، فإن أي ممارسة غير مألوفة في هذا الفضاء، خاصة إذا تمت بشكل علني وملفت، قد تُفهم كنوع من الاستفزاز أو عدم مراعاة للشعور العام.

إن التدين، أيًّا كان، له فضاءاته المنظمة والمعروفة، سواء داخل دور العبادة أو في أماكن مخصصة لذلك، وليس من المقبول أن يتحول إلى ممارسة ارتجالية في فضاءات عامة ذات رمزية قوية، لما قد يترتب عن ذلك من لبس أو توتر أو حتى تأويلات مغلوطة.

ومن هذا المنطلق، فإن ما جرى يستوجب فتح تحقيق جدي لتحديد ملابساته، وكشف الجهات التي تقف وراءه، وترتيب المسؤوليات إن ثبت وجود خرق للقوانين الجاري بها العمل.

المغرب سيبقى بلد التسامح والتعدد، لكنه أيضًا بلد المؤسسات والقانون، حيث تُمارس الحريات في إطار يحفظ التوازن المجتمعي ويصون الثوابت الوطنية، بعيدًا عن أي سلوك قد يفتح الباب أمام الفتنة أو يهدد الاستقرار.

والرهان اليوم ليس على تقييد الحريات أو التعايش، بل على حسن تدبيرهما بما يضمن احترام الجميع دون استفزاز أحد.

وجدير بالذكر أن التدين في الديانة اليهودية، كما هو ثابت، يقوم على طقوس منظمة تُؤدى في أماكن مخصصة كالمعبد أو داخل الفضاءات الخاصة، وليس بشكل ارتجالي في أماكن عامة ذات رمزية تاريخية.

وعليه، فإن ما وقع في مراكش يبدو متناقضًا مع طبيعة هذا التدين نفسه، ويطرح تساؤلات مشروعة حول خلفياته. فحرية المعتقد مكفولة، لكنها تظل مرتبطة باحترام النظام العام ورمزية الأماكن، بما يحفظ التوازن ويجنب أي توتر أو تأويلات غير مرغوبة.

قد يعجبك ايضا