“حين أصبح العمرُ يركض أسرع من أرواحنا …. كيف سرق عصرُ السرعة الإنسان من نفسه؟”بقلمي✍🏻 د. عمّار محمد الرجوب

الشعب نيوز:-

 

على حافةِ هذا الزمن المتسارع، يقف الإنسانُ اليوم مُنهكًا كعدّاءٍ لا يعرف خطَّ النهاية، يركض لأنّ الجميع يركضون، ويُسرع لأنّ التمهّل صار تهمةً في عصرٍ يعبد السرعة.
لم نعد نعيش أعمارنا كما عاشها الأوّلون، بل أصبحنا نطاردها بخوفٍ خفيّ، كأنّ الوقت وحشٌ يلتهم أيامنا كلّما حاولنا أن نلتقط أنفاسنا. والأشدّ قسوة أنّنا لم نعد نخسر الساعات فقط، بل نخسر أنفسنا بصمت، قطعةً بعد أخرى، بينما نظنّ أنّنا نُواكب الحياة.
في هذا العصر، لم يعد الإنسان يعيش عمره بقدر ما يُطارده.
كلّ شيءٍ أصبح سريعًا إلى درجةٍ مُرعبة؛ الأخبار، العلاقات، الطرق، الأحلام، وحتى الحزن لم يعد يجد وقتًا كافيًا لينضج داخل القلب. نحن لا نحيا الزمن، بل نلهث خلفه، كأنّ العالم قرّر أن يجعل من الإنسان آلةً تُقاس قيمتها بعدد ما تُنجزه، لا بعدد ما تشعر به روحه. ولهذا صار العمر يمرّ علينا كما تمرّ المدن خلف نافذة قطارٍ مسرع؛ نراها للحظة، ثم تختفي قبل أن نفهمها أو نودّعها.
لم تعد الحياة تُعاش على مهل.
فنجان القهوة الذي كان يجمع العائلة أصبح يُشرب واقفًا، والرسائل الطويلة التي كانت تُكتب بالشوق اختُزلت في إشعارٍ بارد، والوجوه التي كانت تحفظ تفاصيل بعضها باتت تحفظ كلمات المرور أكثر من ملامح الأحبّة. نحن جيلٌ يملك وسائل تواصلٍ لا تُحصى، لكنه يشعر بوحدةٍ لم يعرفها البشر من قبل. وكأنّ هذا الضجيج الإلكتروني الهائل خلق داخل الإنسان فراغًا أعمق من الصمت نفسه.
عصر السرعة لم يسرق أوقاتنا فقط، بل سرق أعمارنا بطريقةٍ ناعمة لا نشعر بها.
أصبح الإنسان يستيقظ وهو يفكّر بما فاته، وينام وهو يخشى ما سيأتي، وبين الخوفين يضيع يومٌ كامل دون أن يلتفت إلى نفسه. حتى العمر لم يعد يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد المرّات التي خذلتنا فيها الحياة بينما كنّا نحاول أن نبدو بخير أمام الآخرين.
والأغرب أنّ الناس اليوم يركضون بلا معرفةٍ حقيقية إلى أين يذهبون.
الجميع مستعجل، الجميع متوتر، الجميع يريد الوصول، لكنّ قليلين فقط يسألون أنفسهم: إلى ماذا نصل؟
صرنا نربح الوقت ونخسر الطمأنينة، نربح المال ونخسر أعصابنا، نربح الشهرة ونخسر ذواتنا. وكأنّ الحضارة الحديثة أقنعت الإنسان بأنّ قيمته فيما يملك لا فيما يشعر، وفيما يُظهر لا فيما يُخفي.
العمر في هذا الزمن لم يعد يتقدّم بهدوء، بل يحترق.
تمرّ السنوات الآن كأنّها أسبوعٌ طويل، ويكتشف الإنسان فجأةً أنّ ملامحه تغيّرت دون أن يشعر، وأنّ الأشخاص الذين أحبّهم أصبحوا ذكريات، وأنّ الأشياء التي كان يؤجّلها بحجّة “ما يزال أمامي وقت” أخذها الوقت فعلًا ورحل.
وهنا تكمن المأساة الكبرى؛ نحن لا نخاف من الموت بقدر ما نخاف أن تمرّ الحياة دون أن نعيشها حقًّا.
لقد أصبح الإنسان أشبه بساعةٍ رقمية؛ يعمل بدقّة، ويتحرّك بسرعة، لكنّه من الداخل بارد. حتى المشاعر أصبحت سريعة الاستهلاك؛ إعجابٌ سريع، حبّ سريع، خصامٌ سريع، ونسيانٌ أسرع. لم يعد أحد يمنح قلبه الوقت الكافي ليفهم، ولا روحه المساحة الكافية لتتنفّس، ولهذا كثرت الأرواح المتعبة رغم أنّ الحياة تبدو أكثر رفاهيةً من أيّ زمنٍ مضى.
وأحيانًا أشعر أنّ التكنولوجيا لم تختصر المسافات فقط، بل اختصرت الإنسان نفسه.
صار الواحد منّا يحمل العالم كلّه في هاتفه، لكنه يعجز عن حمل نفسه ساعةً واحدة دون قلق. أصبحنا نعرف أخبار البشر في آخر الأرض، لكنّنا لا نعرف ماذا يحدث داخل أرواحنا. وتلك من أكثر صور هذا العصر قسوة؛ أن يكون الإنسان محاطًا بكلّ شيء، وفارغًا من نفسه.
إنّ أكثر ما يؤلم في عصر السرعة أنّه جعل الناس تخجل من التمهّل؛ كأنّ التأمّل ضعف، وكأنّ الراحة ذنب، وكأنّ الإنسان إذا لم يكن منشغلًا طوال الوقت فهو متأخّر عن العالم. مع أنّ الحقيقة الأعمق تقول إنّ بعض البطء نجاة، وإنّ الأرواح لا تُشفى بالركض، وإنّ القلب يحتاج أحيانًا إلى لحظة صمتٍ واحدة أكثر من حاجته إلى ألف إنجاز.
وربّما لهذا السبب أصبح الحنين مرض هذا العصر.
نحن لا نشتاق إلى الماضي لأنّه كان أجمل دائمًا، بل لأنّه كان أبطأ… أكثر إنسانية. كانت اللحظات تُعاش كاملة، لا تُصوَّر فقط. وكان اللقاء يُنتظر بشغف، لا يُستهلك بسرعة. حتى الضحكات القديمة كانت أصدق؛ لأنّها خرجت من قلوبٍ لم تكن مستعجلة على شيء.
ومع كلّ هذا الركض، يبقى السؤال الأكثر رعبًا:
متى سنعيش؟
ليس متى سننجح، أو نصل، أو نجمع، بل متى سنشعر فعلًا أنّنا أحياء؟
فالإنسان لا يموت حين يتوقّف قلبه فقط، بل يموت أيضًا حين تتحوّل أيّامه إلى جدولٍ مزدحم يخلو من المعنى، وحين يصبح عمره مجرّد أرقامٍ تعبر دون أثرٍ حقيقي في روحه.
لهذا أؤمن أنّ النجاة الوحيدة في هذا العصر ليست أن نسبق الوقت، بل أن نفهمه.
أن نمنح قلوبنا فرصةً للهدوء، وأرواحنا فرصةً للتأمّل، وأن ندرك أنّ العمر ليس سباقًا مع أحد. فبعض الناس يعيشون خمسين عامًا دون أن يشعروا بالحياة، وآخرون يصنعون من لحظةٍ صادقة عمرًا كاملًا لا يُنسى.
وفي النهاية، سيكتشف الجميع أنّ الأشياء التي تستحق فعلًا لم تكن الأسرع وصولًا، بل الأعمق أثرًا. وأنّ الإنسان مهما ركض خلف العالم، سيبقى محتاجًا إلى لحظة دفءٍ حقيقية، وإلى قلبٍ مطمئن، وإلى روحٍ لا تُهزم بالزحام.
لذلك، في عصرٍ يركض فيه الجميع، لا تبحث عن السرعة…
ابحث عمّا يُبقي روحك حيّة وسط هذا الضجيج الهائل، لأنّ الذين نجوا حقًّا من هذا الزمن، لم يكونوا الأسرع، بل كانوا الأكثر قدرةً على الاحتفاظ بإنسانيتهم.

 

قد يعجبك ايضا