
استقلال 80.. والوصاية المقدسية د. حازم قشوع
الشعب نيوز:-
في لحظةٍ تتقاطع فيها معاني السيادة مع ثوابت العقيدة، ويغدو التاريخ شاهدًا على رسوخ الموقف، يطلّ الأردن في عامه الثمانين من الاستقلال بوصفه حامل رسالةٍ لا تنفصل
عن وجدان الأمة، ولا تنفك عن قدسية المكان. فهنا، حيث تتجذر الوصاية الهاشمية في القدس، لا يكون الحديث عن الاستقلال مجرد سردٍ لوقائع الزمن، بل قراءةٌ في معنى الدور، واستحضارٌ لثبات الموقف، وتجديدٌ لعهدٍ لم ينقطع بين الراية والقدس، وبين العقيدة والهوية.
لكل رايةٍ رسالة، كما لكل علمٍ عنوان، ولكل بيرقٍ مضمونٌ يأتي بدلالةٍ تحمل معنىً موصولًا برمزية الدولة؛ وهو ما تعنونه الرسوم، وتبرزه الألوان، وتبينه الكلمات في مكنون العبارة، تلك التي ينشدها الجميع لحياة الوطن، ويلتف حولها الكل فداءً له، والذود عن معانيه حيث تسكن العقيدة.
فمنذ بدايات القرن السادس عشر، حين رُفعت راية بني هاشم في مكة، مستقبِلةً السلطان سليم الأول فاتحها، وهي تمضي بمسيرتها النابضة بالعمل من أجل صلاح الأمة وتمكينها. وهي ذات الراية التي كانت ألوانها تزين دار الندوة منذ أن أُسندت مهام الرفادة والسقاية في الكعبة، في دلالةٍ تاريخيةٍ عميقة على شرف الخدمة والقيادة.
وما يزال مضمون الراية الهاشمية يؤكد رمزية الدفاع عن العرب ورسالتهم المجيدة؛ إذ ظلت ترفرف من أجل وحدة الصف، ووحدة المصير المشترك، والدعوة إلى بناء موقفٍ عربيٍ موحد، وتشكيل حاضنةٍ تحمي الموروث الإنساني لمنطقة مهد الحضارات، بقيمها الجامعة التي انطلقت من المشرق العربي لخدمة الإنسانية جمعاء. وهو مسعىً مستمر لبناء قوامٍ عربي قادر على حماية الرسالة والدفاع عنها.
وقد عبّرت الراية الهاشمية عن هذه المعاني بالرمزية والدلالة؛ بلونها الخمري الداكن رمزًا للتضحية، وعبارة التوحيد عنوانًا للعقيدة، والنجمة البيضاء دلالةً على فاتحة الكتاب بما تحمله من مضمونٍ وقدسية.
وعندما استقبل جند الراية راية المجد وعنوان العقيدة، مرتدين الشماغ الأحمر المقلوب بدلالة جند القدس وباب الواد، جسدوا في تشكيلاتهم العسكرية ترسيمًا سياسيًا واضحًا، عكس صدق العزيمة ورباطة الجأش، وأكدوا الثابت الراسخ في الدفاع عن القدس، وحماية معراج المصطفى. كما عبّروا، في استلامهم الراية، عن دلالةٍ رمزيةٍ مفادها أن القدس أساس العقيدة، وأن علم الوصاية الهاشمية مكانه فوق القدس، والأقصى، وكنيسة القيامة، وحائط المعراج؛ وهو ما يؤكده جلالة القائد العام في لقاءاته، ويجليه في مواقفه وبياناته.
وقد بدا ذلك جليًا مع اشتداد حركة الاصطفافات بين الأقطاب الدولية، وانقسام العالم بين شرقٍ وغرب، في ظل توجهٍ متزايد نحو الحدة في التعاطي مع المشهد العام؛ حيث تسعى الدول لتحقيق مصالحها عبر مواقفها المعلنة. ومع تصاعد التوتر، واحتدام الحرب الاستخبارية في الغرف المعتمة، يثبت الأردن موقفه الواضح: أن القدس خط أحمر، وأن الالتفاف على القانون الدولي أمرٌ مرفوض، وأن المنطقة ليست بحاجة إلى جيوبٍ متطرفة كتلك التي تمثلها حكومة الاحتلال، ولا إلى مناخاتٍ إقصائية يؤججها مستوطنون متطرفون.
فدعاة الغلو منبوذون في التاريخ، ومدانون في الحاضر، ولن يكون لهم مكان في المستقبل. أما الراية الهاشمية، فمكانها معلوم، لا يحتاج إلى بيان؛ ولن يحول أحد دون عودتها إلى مكانتها التاريخية التي كانت عليها منذ بيعة الشريف الحسين بن علي عام 1924… فما زال الشماغ مقلوبًا.
وهكذا، يبقى الأردن، في عامه الثمانين، ثابتًا على عهده، متمسكًا بدوره، حارسًا لرسالته، لا تغيّره تبدلات السياسة ولا تزعزعه صراعات المحاور. فالوصاية الهاشمية ليست موقفًا عابرًا، بل قدرٌ تاريخيٌّ متصل، وامتدادٌ لعهدٍ صاغته البيعة ورسخته التضحيات. وستظل القدس، كما كانت، في قلب الراية، كما ستبقى الراية مرفوعةً فوق القدس، عنوانًا للحق، وشاهدًا على أن ما كان ثابتًا بالعقيدة، لا يتبدل بتقلبات
الزمن كما هى رايته ينشد مضمونها ويقول :
هنا الأُردنُّ ارتفعَ اللواءُ مُحلِّقَا .. وسما برسالتِهِ العظيمةِ مُشرِقَا
ثمانونَ عامًا والثباتُ شعارُهُ ..يمضي على نهجِ الكرامةِ مُطلِقَا
هاشِميُّ العهدِ استقامَ لوعدِهِ …وبقى على دربِ المبادئِ مُوثِقَا
والقدسُ في وجدانِهِ عنوانُهُ …عهدًا مصونًا في الضميرِ مُعمَّقَا
فالوصايةُ الغرّاءُ عهدٌ خالدٌ …تبقى، ويَبقى الحقُّ فيها مُشرِقَا
يا صاحبَ الوصايةِ سرْ متوَّجًا ..فالقدسُ تشهدُ أنَّ عهدَكَ أصدَقَا