جماليات القصة القصيرة جدًا .. “عطر الليل” لـ عمار علي حسن نموذجًا  زكريا صبح

7٬576
الشعب نيوز:-

 

الرواية ، القصة القصيرة ، المسرحية ، المقالة ، كل هذه الانواع الادبية السردية ليست غريبة على سمع القارئ ، وهى ايضا انواع مستقرة من حيث التجنيس ووضوح الخطوط الفاصلة بين كل صنف منها، أما القصة القصيرة جدا والومضة القصصية فهما نوعان أدبيان لم ترسخ بعد أقدامهما على خريطة الأدب عامة والأدب العربى خاصة.
فما إن تذكر لقارئ ما ليس متمرسا فى معرفة التصنيفات الأدبية والأنواع المختلفة منها أنك تقرأ مجموعة قصص قصيرة جدا حتى يتطلع إليك بعينين حائرتين متسائلتين: ماذا تقصد بالقصة القصيرة جدا، أنا اعرف الرواية التى هى قصة طويلة ممتدة فى الزمن متعددة الشخصيات كثيرة الأحداث، بطيئة الإيقاع أحيانا، يتمهل فيها الكاتب وهو يرسم شخصياته، يسرف أحيانا فى وصف الأماكن والمناخ والملابس وأنواع الطعام، وقد يأتى فيها على ذكر ما شاء من علوم ومعارف وتاريخ وفلسفة، ويتعمق فى تحليل شخصياته نفسيا ومعرفيا وسلوكيا، يخوض فيها عوالم مختلفة ، يجرب فيها مستويات مختلفة من الأداء اللغوى، يمزج فيها بين النثر. والشعر بغير تحفظ، يجمع فيها كل ما استطاع من تقنيات متلاعبا بها فى مهارة كى يجذب انتباهنا.
ويمكن لقارئ آخر أن يقول لك: أنتم المتكلفون أيها النقاد، لابد أن تلبسوا علينا الأمور، ما يضيرك لو قلت إنك تقرأ مجموعة قصصية وفقط ؟ لماذا تحبون الغموض والمرواغة باضافة كلمة تجعلنا فى حيرة من أمرنا ؟ نحن نعرف عن ظهر قلب القصة القصيرة كما قرأناها منذ محمود البدوى ويحيى حقى ومحفوظ وسعيد الكفرواى ويحيى الطاهر عبد الله ويوسف إدريس ورفقى بدوى وغيرهم الكثيرين من المبدعين الذين كتبوا هذا الفن الراقى الذى عرفناه بوصفه نصا قصيرا قصرا ملحوظا عن الرواية، وعرفناه محدود الشخصيات مقارنة بالرواية، واستمتعنا به لأنه محدود الموضوع ، لا ينزلق إلى قضايا متشابكة كما تفعل الرواية ، عرفناه نصا مكثفا لا يحتاج منا طويل وقت لاتمامه، فما بالك تضيف الأن كلمة جدا بعد هذا النوع المحبب إلينا، يتطلع المستمع متسائلا: ماذا تعنى بكلمة مجموعة قصص قصيرة جدا ؟
هنا وجدت لزاما علي أن أجلس مع المتسائلين عن هذا الفن بغية توضيح الأمر واستجلائه ،فقلت لهما معا _ الذى حدثنى عن الرواية وصاحبه الذى حدثنى عن غرامه بالقصة القصيرة _ هذا النوع من السرد ربما كان آخر الأنواع الأدبية السردية التى أصبح لها مكانا ومكانة بين انواع السرد ، هو اخر الملتحقين بقطار السرد متعدد العربات ، فقد أصبح له كتابه الذين يجيدون كتابته ، واصبح له نقاده الذين وضعوا له المعايير والحدود ورصدوا السمات العامة له .
اعتدل كلاهما وانتبها لحديثى فشرعت أطرق الحديد ساخنا وقلت متحمسا: تعلمون أن التطور هو سنة الحياة عامة، وسنة الأدب خاصة، ولما كان الأدب ليس إلا تعبيرا عن المجتمعات بما يموج فيها من قضايا وأحداث وشخصيات وتعقيدات فانه بالضرورة لابد أن يساير المجتمعات فى تقدمها أو انهيارها، فى سرعتها أو بطئها، فى بساطتها او تعقيدها.
فإذا كانت الرواية هى الراصد الأول للمجتمع بوصفه كيانا إنسانيا كبيرا يسير. فى دروب التاريخ منذ القدم حتى وصل الى اللحظة الراهنة ، واذا كانت القصة القصيرة قد انشغلت بالانسان الفرد وراحت تهتم بقضاياه النفسية والمعنوية والفكرية ، وليس اهتمام القصة القصيرة بالفرد الا نتيجة مباشرة لموجة التفرق والتشرذم الذى ضربت المجتعات فى سويداء القلب ، فأصبح الانسان الفرد مجتمعا قائما بذاته ، ولذا رافقت القصة القصيرة. هذا الانسان الذى انفصل عن مجتمعه واصبح جزيرة منعزلة فى محيط مجتمعه ،
ليت الامر توقف عند هذا الحد ، فقد رأينا هذا الانسان الفرد وقد انشطر على ذاته ، وبعد ان كان يحب ان تحكى قصته الممتدة على مدار يومه او بعض ايامه اصبح لا يجد وقتا الا لجزء يسير من يومه وربما لا يجد الا لحظات او بعض لحظات يريد ان يقبض عليها لتصبح حكاية صغيرة وسريعة تختصر يومه وقد تشير او ترمز الى مسيرته.
وبعد ان كان الادب يحب ان يرصد المجتمع بكل تحولاته وصراعاته اصبح يحبذ الكتابة عن جزء قليل من افراده. وربما عن فرد واحد منه ، ثم راح يتعاطف مع الانسان الذى مزقته الضغوط وشرذمته الحروب فراح يهتم بلحظاته ، بمواقفه الخاطفة التى يمر بها ، هنا نجدنا وصلنا الى محطة مهمة من السرد الا وهى محطة ( القصة القصيرة جدا).
تطلع الي المتسائلان عن فن القصة القصيرة جدا بوصفه فنا حديثا وتسائل احدهم : هل تقصد ان القصة القصيرة جدا تهتم فقط بلحظة خاطفة من حياة الانسان مما جعل هذا الفن موافقا لروح العصر؟
هنا انبريت متحدثا عن ميزة ميزت القصة القصيرة جدا وجعلت منه موافقا لروح العصر فقلت لهما : ان الحركة السريعة الموارة وتقارب الزمان و ضيق الوقت ولهاث الانسان خلف كل احتياجاته ، كل ذلك لم يترك لانسان العصر الفرصة الكافية للاستغراق فى قراءة اعمال كبيرة تستغرق وقتا كبيرا منه ، هذا فضلا عن التقنيات الاعلامية فى العصر الحديث التى تعتمد المنشورات القصيرة لانه ليس ثمة متسع من الوقت للشرح والتفصيل والوصف والاسهاب ، لذا ليس مستغربا ان يلجأ المبدعون الى هذا النوع الادبى الذى يراعى كل سمات بل وشروط الادب من جهة ويراعى فى الوقت ذاته ظروف هذا الانسان اللاهث الذى لا يجد وقتا كافيا للاستمتاع بالادب وفى الوقت ذاته لا يستطيع التخلى عن حاجته لهذا الادب والاستمتاع به .
اندفع احدهما قائلا: نحن فى حاجة ماسة لمعرفة المزيد عن هذا الفن فهلا حدثتنا عنه ؟
هنا وجدت نفسى ابتسم ابتسامة رائقة واتنفس بعمق وشرعت فى الحديث القصة القصيرة جدا هى فن سردى خالص له سمات عامة واركان واعمدة تحمله وله ايضا تقنياته التى تميزه.
وهنا ربما سأكون مضطرا للمقارنة الدائمة بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا ، فبينما نجد القصة القصيرة التقليدية مهتمة بالشخصية ورسمها رسما بسيطا وربما نحا كاتبها الى تحليل شخصية البطل او شخوص القصة ، اقول بينما نجد ذلك واضحا فى القصة التقليدية نجد القصة القصيرة جدا لا تعول مطلقا على الشخصية ومن ثم لا تهتم بوصفها ولا تحليلها.
كاتب القصة القصيرة جدا مثل لاعب السيرك الماهر الذى يسير بقدم واحدة على حبل رفيع وعليه ان ينتقل من جهة الى. اخرى فى لمح البصر دون ان يسقط او يترنح ، فهل ترى هذا اللاعب سيكون مشغولا بنوع الحبل الذى يسير فوقه او نوع الاضاءة المنداحة فى المكان ام تراه سيكون مشغولا بجموع الجماهير التى تتابعه؟
اظنكم تقولون فى صوت واحد : لا لن يهتم بتفاصيل كل هذه الأمور، وسيكون مهتما بموضع قدمه، وسرعة حركته وابهار النظارة بينما هو يمرق من طرف الى اخر وهم يحبسون انفاسهم ، فاذا نجح فى العبور نال التصفيق الحاد والا نال مذمتهم ،
قلت وكذلك كاتب القصة القصيرة. يتحرك فى مساحة صغيرة على ورقه الابيض فترى نصه لا يتجاوز صفحة بالكاد ولا تقل عن سطور خمسة على اقل تقدير. ، فكيف يتحرك هذا الكاتب الا كما يتحرك لاعب السيرك ، لذا لن تجده مهتما الا بحدث خاطف قام به شخص واحد ، يكتبه مصورا اياه ، جاعلا من نهايته مفاجأة تزلزل القارئ. فينال الكاتب استحسان وتصفيق قرائه كما نال لاعب السيرك اعجاب الناظرين إليه لحظة صمت سادت بيننا ثم فكرت مليا فى أمر ما وحدثتهم بما فكرت فيه : ما رأيكم لو حاولنا تطبيق ما نتحدث به عن القصة القصيرة جدا على عمل اراه يحقق ما سوف نتناوله الان بالدراسة ؟
رحبا معا وقال احدهم : انا شغوف لمعرفة نماذج من هذا الصنف وكيف يكتبه المبدع ؟ وكيف اتلمس التقنيات التى يستعين بها الكاتب لكتابة نصه، قلت لهم بين يديكم مجموعة بعنوان ( عطر الليل ) للكاتب المبدع الكبير عمار على حسن
، استعدنا جميعا الانتباه وشرعنا فى الحديث:
هذه مجموعة قصصية حرص الكاتب على تحديد هويتها منذ اللحظة الاولى عندما كتب جنسها الادبى اسفل العنوان ( قصص قصيرة جدا )
اذن فقد سهل الامر علينا:
* ربما كانت الملاحظة الاولى والتى تؤكد السمة الرئيسة التى تحدثنا عنها منذ قليل اعنى سمة (قصر النص ) الملحوظ مقارنة. بالقصة القصيرة ، اقول الملاحظة الاولى هى اننا امام مايقرب من مائة وستين نص موزعة على ما يقرب من مائة وسبع من الصفحات ، فاذا ما قسمنا عدد القصص على عدد الصفحات تبين لنا ان الصفحة الواحدة ربما احتوت على نصين ، فاذا ما اضفنا الى ذلك صغر حجم الصفحة تأكدنا كيف جاءت النصوص قصيرة من حيث البناء والحجم
** الملاحظة الثانية التى تقع عليها عيوننا مباشرة هى عناوين هذه النصوص ، فقد حرص الكاتب على ان يكون العنوان مفردة واحدة فيما عدا تسعة نصوص جاءت مكونة من كلمتين مضافتين الى بعضهما مثل /حديد ودم و/اللقاء المنتظر و/قزم ونخلة و/موت الحارس و/خولى الانفار و/غزل صريح ، الى اخر هذه العناوين المكونة من مفردتين ،
ودلالة ذلك ان الكاتب يمهد القارئ لنصوص قصيرة وليس قصر عنوانها الا دليلا ناصعا على ذلك ، ودلالة اخرى مؤداها ان الكاتب يعى وعيا تاما بطبيعة نصوصه التى وصفها بالقصر. فكيف يتأتى له ان يجعل عناوين قصصه طويلة ؟
*** الملاحظة الثالثة التى تسترعى الانتباه هى : حرص الكاتب على بداية نصوصه ( اغلبها ) بفعل ، اما ماضى وهو الفعل الذى وقع عليه اختيار الكاتب فى معظم نصوصه وقليل منها جاء فعلا مضارعا مثل نص ( شكوى ) الذى بدأ بالفعل يخرج ونص ( جبل ) الذى بدأ بالفعل يهطل وهما النصان الوحيدان اللذان بدأ بفعل مضارع ،
ودلالة ذلك ما تحدثنا فيه من قبل بخصوص ضيق المساحة التى يتحرك فيها الكاتب وهى لا تسمح له بتمهيد او وصف ولذا حرص الكاتب ان يضع القارئ فى قلب الاحداث مباشرة بفعل يعطى الاحساس بالحركة ومن ثم يشعر. القارئ كأنه كان مندمجا فى احداث سابقة اشار اليها الكاتب من طرف خفى عبر. البداية بفعل وكأنه يقول انا استكمل معك الحكاية ، انظر مثلا فى بداياته المختلفة بأفعال مثل وضع ،سحرته و ازعجه ، و رمى وتعطل و رن ومشى واطلق و اوقفنى ، الى اخر هذه الافعال التى تجعل القارئ يتسائل باداة استفهام مثل من ؟ او متى ؟ او ما ؟ ، كان الفعل لم يكن الا اشارة من الكاتب يحث بها قارئه على استكمال الحكاية ،
لا وقت كى نهدره ، هيا بنا فنحن فى قلب الأحداث:
****
ذكرنا ان القصة القصيرة جدا لا تتبع اليات عمل الرواية او القصة القصيرة فى استعانتهما بالشخصية التى يسعى الكاتب لتجسيدها ووصفها وتحليلها بل تعتمد على حدث ما فيكون هو بؤرة اهتمام الكاتب ومن ثم يكون محل اهتمام القارئ ، ولا تكون الاشارة الى البطل او الشخصية الا عن طريق. الاشارة التى تساهم فى تجسيد الدلالة التى يهدف اليها الكاتب ، وهذا ما وجدناه فى هذه النصوص ، لم نعثر على شخصية واصخة المعالم فيزيقيا ولا نفسيا ، ولذا ليس مستغربا ان تخلو المجموعة من اسماء محددة للابطال وهنا لابد ان نشير الى اكتفاء الكاتب بذكر وظيفة البطل مثل قوله ( اطلق الحكم صافرة البداية ) و ( اوقفنى السائق ) و ( مات الحارس ) و ( رحل خولى الانفار ) و ( رمى السجينتان ) و(كتب الاستاذ ) و ( اخبرنى الرجل الطاعن فى السن )و ( مشت الحسناء ) و ( ماتت زوجة العمدة ) الى اخر هذه الوظائف او الصفات الوظيفية للبطل ، وقد كان الكاتب محنكا اذ بدأ بأفعال الحركة متبوعة بصفات البطل الوظيفية مما اهل القارئ لتصور الموضوع الذى سيطرحه الكاتب ، لسنا اذن فى حاجة لمعرفة اسم البطل او رسمه ، لقد ادركنا وظيفته وذلك كاف جدا فى القصة القصيرة جدا
** واذا كان الكاتب قد استحضر البطل كشخصية نكاد نعرفها عبر وظيفتها فانه قد اتكأ على استحضار شخصيات لا نكاد نعرف عنها شيئا لانه ببساطة حدثنا عن ضمير الغائب وليس عن بطل حاضر مثل. قوله ( مشى متثاقلا ) و ( جاء وطفلته ) و(وقف على الرصيف ) و (رفع رأسه الى المرآة ) و( انزلته العربة ) و( ظللته سحابة) الى اخره من النماذج التى استحضر فيها الكاتب بطلا لا نعرفه ولا نعرف وظيفته ، ببساطة لان لا وظيفته ولا اسمه سيفيد فى إدراك الدلالة.
وعلى صعيد اخر اختار الكاتب الاشياء من الجمادات لتكون ابطالا مثل قوله ( ازعجه رنين لا ينقطع ) و ( تعطل المصعد ) و(رن الهاتف ) و ( تأخرت الطائرة ) و ( غابت الشمس ) و( تمدد الطعام ) و(ضربه نسيم عليل ) و( تمطى البحر ) و( عاندته السمكة ) (ودارت المروحة ) الى اخره من النماذج التى ارتأى الكاتب ان يبدأ قصته بها من حيث هى جمادات غير عاقلة ، ودلالة ذلك ان الكاتب يتساوى عنده ان يكون البطل انسانا او جمادا ما دام نظره وتركيزه منصب على الحدث الذى سيتولد منه الدلالة النهائية .
وهنا لا بد ان نشير الى ان القصة تكاد تكون قد حددت موضوعها بناء على وظيفة البطل او طبيعة الجماد الذى بدأ الكاتب به قصته ، فعندما يقول مثلا ضربه نسيم عليل فليس من شك انك تتصور شخصا ما وقد مسه نسيم عليل ، وربما امتدد التصور الى حديقة غناء ستكون مسرحا للقصة ، وربما ترتب على ذلك انواعا من الفواكه فوق اشجارها ،اليس كذلك ؟
إذن كأن الكاتب نقلنا مباشرة الى الاحداث وحدد مسرحها واطر موضع قصته بجملة واحدة افتتح بها نصه، إنها مهارة لاعب السيرك الذى حدثتكم عنه ، يسير حافى القدمين على حبل رفيع متوازنا لا يهتز ، وكذالك فعل كاتبنا بحرفية شديدة
** وجدير بالذكر هنا ان القصة القصيرة جدا تبدأ بلحظة الازمة ، التى يحددها الكاتب فى مستهل قصته ، لأنها _ اى القصة القصيرة جدا ليست محلا للاسترسال او الفضفضة أو الوصف.
** قلنا ان كل قصة تخلو من الحكاية لا يعول عليها ، فان الحكاية هى جوهر القص ، فلولا الحكاية ما كانت القصص ،
ونفهم ان الحكاية مستطاعة فى نص طويل نسبى. فكيف توجد الحكاية فى نص قد يكون حسابه بالكلمات وربما بالحروف ولا اقول بالأسطر والصفحات ؟
الحق ان القصة القصيرة جدا لا تخلو من حكاية ، لكنها حكاية مجردة تأتى كأنها اشارة من الكاتب للقارئ ان يتخيلها كلها بناء على هذه الاشارة ، وليست الاشارة سمة للحكاية فى القصة فقط بل هى سمة كل ما يتعلق بالقصة القصيرة جدًا.
وفى هذه المجموعة البديعة لم يخل نص من حكاية ما ، يعطينا الكاتب طرف خيطها ونكمل نحن ما استطعنا اليها سبيلا ، لكنها حكاية الاشارة وليست حكاية الاسهاب والاستفاضة ، فعلى سبيل المثال فى قصة ( نعش ) يقول الكاتب : (بينما تنوح النساء ويمشى الرجال منكسرين ، رفرف النعش فوق الاكتاف المكدودة ،واطل رأس الراقد فيه ، ثم اطلق ضحكة ارتعدت لها القلوب ، وامتلأت العيون بدهشة مذهلة ، وبعدها اخرج لسانه وراح يصفع به وجوه السائرين ، فتساقطت منه ديدان سوداء ، تكاثرت حتى سدت أمامهم الطريق)
انتهت القصة ، والقصة اوردتها مكتملة لم اختزل منها شيئا ، فهل تنكر الحكاية الواضحة فيها؟
على هذا المنوال سار الكاتب فى مجموعته ، بحيث تحتفظ النصوص بالادبية من ناحية لغتها و رشاقتها وتقنياتها، وتحتفظ لنفسها من ناحية اخرى بوصفها قصة من حيث ان الحكاية ركن أساسي فيها.

** وهنا لا بد ان اؤكد على امر مهم وهو ، ان هذا النص الذى قرأناه معا اتسم بالتكثيف الشديد ، فكلماته لم تتخطى اربعين كلمة ، ومع ذلك احتفظ لنفسه بكل سمات القصة ، من حيث الحكاية ، والسرد بلغة أدبية ، وعدم الترهل و المفارقة والدهشة، فهو نص مصفى من شوائب الوصف الزائد ، وهو مركز بحيث يصعب ان تحذف منه كلمة ، وقد ابتعد فيه الكاتب عن التقريرية والمباشرة واكتفى بأن رسم قصته مثل لوحة ووضعها امام الناظرين ، ابتعد فيها عن الوعظ الذى يقع فيه كثير من الكتاب ، عندما يبالغون فى تلخيص الدلالة.
والسؤال الان : كيف يختار الكاتب حكاية قصته ؟ كيف يقتنص اللحظة والحدث الذى يجعل منه قصة مشحونة بالدلالة ؟
الحق اننى اردت ان ابدأ بهذا الامر فى مستهل مقالتى لاهميته الشديدة لكن استلبنا الحديث عن المقارنة بين االانواع السردية النثرية الثلاثة ، وها قد حان الحديث عن الكاتب البرجماتى النفعى، نعم فالكاتب قد يسهل عليه كتابة عمل روائى او قصصى وقد يستغرق منه اوقاتا كثيرة ، ولكنه فى هذه الفترات لا يفوت الفرص السانحة فى التقاط المواقف المدهشة ، والاحداث الملفتة ، فكاميرا رأسه لا تتوقف عن العمل ، ولأن المواقف والاحداث التى يراها بل والافكار والقضايا التى تلح عليه ويريد التعبير عنها، أقول لان كل ذلك لا يستطيع ان يخلق منه رواية او قصة قصيرة تقليدية. فانه يلجأ الى ذلك النوع الادبى الرشيق الذى يسمح له بأن يسلك هذه المواقف فى عقد بديع ، مختلفة الوان حباته ، ويبقى ان الكاتب عبر صياغته مثل ( جوهرجى) محترف يخلق من مسحوق الذهب او ذراته عقدا نفيسا.
*** اذا كانت البداية فى مثل هذه النصوص شديدة الصعوبة لانه يتوقف عليها نجاح القصة او الاخفاق فيها ، اقول اذا كانت البداية صعبة فان انهاء القصة اشد صعوبة ، لانها تتطلب من الكاتب مهارة اخرى ، وهى مهارة اتقان صنع المفارقة ، ان كلمة الختام او صورة الختام التى يكتبها الكاتب هى التى تعلق بالذهن ، وهى التى تستثير العقل كى يعيد بناء النص. واستلهام الدلالة ، لذا وجب ان تكون النهاية خاطفة وحاسمة وسريعة وغير متوقعة ، ولنا فى نهاية قصة نعش النموذج فقد جعل الكاتب نهايتها كالاتى ( فتساقطت منه ديدان سوداء ، تكاثرت حتى سدت أمامهم الطريق ).
قد كنا نرى الميت فى نعشه ونرى مشيعيه فاذا بنا نراه يخرج لسانه وتتسافط منه الديدان ، بل وتسد الطريق ، هنا ينشط الخيال وتتصارع الاسئلة فى رؤس القراء. وتتشكل الدلالة بمعان مختلفة تبعا لتأويل كل قارئ .
** ووثيق الصلة فى القصة القصيرة جدا التقنيات التى يعمل من خلالها الكاتب وعلى رأس هذه التقنيات تأتى فكرة الثنائية الضدية الثنائية المكانية والزمنية وثنائية الاصل والصورة ، والشكل والمضمون ، والخير والشر. هذه التقنية التى يتكأ عليها كل كتاب القصة القصيرة جدا من اجل ايجاد المفارقة التى تتشكل باللعب بالثنائية الضدية.
** قد يظن القارئ ان القصة القصيرة جدا بوصفها نصا صغيرا وفكرة واحدة وقضية واحدة وعقدة واحدة ، قد يظن القارئ ان مثل هذا النوع غير قادر على معالجة القضايا الانسانية والاجتماعية، وأنا أسارع فأنفى نفيا تاما مثل هذه الاتهام وإليك هذا النص بعنوان ( كرة … أطلق الحكم صافرة البداية ، لكن اللصوص الذين تسللوا بين المتفرجين سرقوا كل الكرات الموجودة فى الملعب ، كانت مبارة حاسمة ولابد من أن تلعب، فأغمض اللاعبون عيونهم وراحوا يجرون فى اتجاهين متعارضين، سقط بعضهم متألما ، وبعضهم نادى متلهفا كى تصل اليه الكرة فيودعها المرمى الخالى ، واخرون رفعوا علامة النصر بالفوز المبين ، بينما المدرجات تضج بتشجيع يرج الارض ، ويجرى السحاب)
انتهى النص الذى يحتاج الى تأويلات كثيرة ولست أشك لحظة أن يوافق احد هذه التأويلات قضية كبرى، قضية إنسانية مثل قضية الجبر والاختيار، مثل قضية الفساد المستشرى مثل قضية عبثية الحياة، اذن فرغم قصرها إلا انها ناقشت قضية كبيرة.
لست فى حاجة الى الاشارة الى لغة الكاتب البسيطة _ وليست السطحية _ بسيطة بحيث يفهمها معظم من يقرأ وهى عميقة فى الوقت ذاته بحيث لا يستطيع تأويلها إلا أولى العزم من القراء، ولست فى حاجة الى الاشارة ان عدد قصص هذه المجموعة الذى يقترب من الستين بعد المائة وهو عدد لو تعلمون كبير ومع ذلك تستطيع الانتهاء من هذا العدد فى بضع سويعات، ولست فى حاجة الى التنبه الى ان كل نص يحتاج الى قراءة مستقلة ووقت طويل لهضمه واعادة استلهام الدلالة ، وربما اعادة بناء النص وترتيبه داخل كل نفس قارئة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتب وناقد مصري

قد يعجبك ايضا