
التسامح والتذكر: بين التحرر من الماضي والتعلم منه..سعيد ذياب سليم
الشعب نيوز:-
منذ أن شُرعت القوانين لتنظيم العلاقات بين البشر، كما في شريعة حمورابي، قام مبدأ العدالة على القصاص: “العين بالعين والسن بالسن”. ورغم ما يقدمه هذا من إنصاف، إلا أنه يبقي دائرة الانتقام مفتوحة، كما يصوّر ساراماغو في روايته العمى حين يتفكك المجتمع بفقدا “البصيرة” الأخلاقية
ومن هنا يبرز العفو كقيمة تتجاوز العدالة العقابية إلى إصلاح اجتماعي وروحي، كما في قوله تعالى:
{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}.
فالتسامح لا يُعد فضيلة فقط، بل ضرورة لاستمرار الحياة؛ لأن الإنسان لا يستطيع العيش دون السكينة والمغفرة.
لكن حين يواجه الإنسان الأذى، يستبدل الحزن بالغضب ظنًا أن ذلك يُعيد له كرامته، فيقع في فخ الهروب من الألم بدلًا من مواجهته. بينما يغلق القصاص الأبواب على الروح، يمنحها العفو حرية التجاوز. غير أن هذا التجاوز يطرح تساؤلًا مؤرقًا: هل التسامح يتطلب نسيان الألم؟ أم أن الذاكرة ضرورة لحماية الذات والمجتمع من تكرار الأذى؟
في الثقافات المختلفة، تبرز عبارة “سامح وانسَ” كدعوة لقطع حلقات الثأر. لكن، كما تقول ميغ كابو في روايتها Abandon:
“عبارة ‘سامح وانسَ’ لا تبدو منطقية بالنسبة لي. فالمسامحة تتيح لنا التوقف عن الانشغال بالمشكلة، وهو أمر ليس صحيًّا دائمًا. لكن إذا نسينا، فلن نتعلم من أخطائنا.”
إذًا، التسامح ليس محوًا للماضي، بل وعيًا يرفض ربط الحاضر بآلامه، واحتفاظًا بالذاكرة كبوصلة أخلاقية تحمي من التكرار.
التسامح كآلية للتحرر النفسي
1. التحرر من الأعباء العاطفية
التسامح لا يعني التنازل عن الحق، بل التخلي عن عبء الغضب والاستياء. تلك المشاعر تشبه حملًا ثقيلًا يتراكم مع الزمن، فيما يمنحنا العفو القدرة على تركه جانبًا، فنستعيد توازننا العاطفي وننظف جراحنا.
2. من موقع الضحية إلى استرداد الذات
يُساء فهم التسامح حين يُنظر إليه كمنحة للمسيء، بينما هو في جوهره قرار ذاتي يحرر الضحية من سجن الحقد. هو لا ينتظر اعتذارًا أو ندمًا، بل ينطلق من الداخل لأجل الشفاء. أما التسامح تجاه المعتدي، فهو خيار يُمنح حين يُثبت ندمه، لكنه ليس واجبًا ولا شرطًا لتعافي المتضرر.
3. حين يهدأ القلب…
عند المسامحة، لا نُحرر الآخر بقدر ما نُحرر أنفسنا. الجسد يعرف هذا قبل العقل: الغضب يرفع ضغط الدم، والحقد يؤذي المناعة. أما العفو، فيهدئ الأفكار، ويُحسّن النوم، ويُنقّي المزاج، ويُعيد ترتيب الفوضى الداخلية.
4. دقيقة للتوقف
فيكتور فرانكل، الذي نجا من معسكرات النازية، قال: “بين المنبه والاستجابة هناك فراغ، في هذا الفراغ تكمن حريتنا في اختيار استجابتنا.”
في لحظة الغضب، تمنحك “دقيقة توقف” فرصة للوعي، فتقرر أن تسامح لأجلك لا لأجلهم.
التسامح لا يكون من ضعف
التسامح لا يُعد فضيلة إلا حين يصدر عن قدرة، لا عن عجز. فالعفو، في جوهره، خيار أخلاقي يتخذه الإنسان القوي حين يكون قادرًا على الرد والمواجهة، لكنه يختار تجاوز الألم والغضب لا عن خنوع، بل عن شجاعة روحية. وكما قال نيلسون مانديلا: “الشجعان فقط هم من يستطيعون أن يسامحوا… فالتسامح سلاح الأقوياء.” أما حين يُمارس من موقع ضعف، فهو ليس تسامحًا بل تراجعًا عن الحق، وتنازلًا يكرّس المذلة بدل أن يُحرّر الذات. لذلك، لا يصح أن يُطلب من الشعوب المقهورة أن تسامح قبل أن تسترد كرامتها، أو أن يُغفر لمعتدٍ لم يُبدِ ندمًا. فالغضب، حين ينبع من ظلمٍ واقع، ليس عيبًا، بل طاقة أخلاقية تحفظ الذاكرة، وتُبقي جذوة الكرامة حيّة. التسامح بلا عدالة يُكرّس الظلم، أما التسامح المقرون بالقوة، فهو الذي يُعيد ترتيب العلاقة مع الذات والآخر، ويمنح الألم معنى في طريق الشفاء.
لكن هذا لا ينطبق على الظلم البنيوي أو الإبادة، كما في فلسطين. في مثل هذه السياقات، لا يُطلب التسامح من الضحية، بل يُطلب تحقيق العدالة أولًا. فالتسامح لا يجب أن يُستخدم لإسكات الألم أو محو ذاكرة الشعوب.
الذاكرة: سلاح النجاة من السقوط
الإنسان، كالكائنات الأخرى، يمتلك حدسًا داخليًا يحذّره من الخطر. لم يعد يتجوّل في غابة، لكنه يسير في مدن قد تخفي في زواياها أشكالًا جديدة من الأذى. حين لا يملك سلاحًا ماديًا، فإن ذاكرته وخبراته تصبح درعه الخفي.
الخوف، حين ينبع من تجربة مؤلمة، لا يكون ضعفًا، بل أداة نجاة. هو إشعار مبكر يمنعنا من الوقوع مجددًا.
لذا، فالتسامح لا يعني التغاضي عن الأخطاء، بل الامتناع عن تكرارها. والذاكرة لا تُثقلنا، بل تُنير لنا الطريق وتحمينا من التهور.
القرآن نفسه يذكّرنا بقصص الأمم السابقة، لا للترف الأدبي، بل للعبرة. فكما تحمينا الذاكرة الفردية، تحمينا الذاكرة الجماعية. والشعوب التي تنسى آلامها تُعيد إنتاجها. ولذلك، يظل التذكر مسؤولية أخلاقية لحماية المستقبل.
وكما تُظهر تجارب الشعوب، لم يكن التسامح يومًا ضعفًا، بل طريقًا إلى إعادة البناء. رواندا، التي خرجت من واحدة من أفظع المجازر في التاريخ الحديث، لم تنهض إلا حين واجهت ألمها، واعترفت به، ثم تجاوزته عبر عدالة انتقالية وتسامح شجاع. وكذلك جنوب أفريقيا، حيث تحوّل الحقد العنصري إلى مصالحة وطنية بفضل لجنة الحقيقة والمصالحة، التي واجهت الماضي بدلًا من دفنه. بالمقابل، حين يُطلب من المجتمعات نسيان آلامها دون اعتراف أو إصلاح، تتحول الجراح إلى نزاعات متكررة، وتُعاد إنتاج الكراهية بأشكال جديدة، لأن غياب التسامح الواعي يجعل الذاكرة لعنة لا درسًا.
كيف نوازن بين التسامح والتذكر؟
استنادًا إلى كتاب The Body Keeps the Score للدكتور بيسيل فان دير كولك، فإن الجسد يحتفظ بذاكرة الصدمات، ويجب التعامل معها بحذر كي لا تطغى على الحاضر. إليك بعض الاستراتيجيات التي تساعد على تحقيق هذا التوازن:
• الوعي الذاتي: راقب أفكارك ومشاعرك عبر الكتابة أو التأمل.
• التحكم بالتنفس: يساعد التنفس الواعي على تهدئة الجسد عند استعادة الذكريات المؤلمة.
• التعبير الآمن: أكتب رسالة لألمك، لا لترسلها، بل لتفهمه.
• إعادة تأطير التجربة: انظر إلى الجرح كمصدر للنمو لا كوصمة.
هذه الخطوات، رغم بساطتها، تمنحك علاقة أكثر توازنًا مع ذاكرتك، بحيث لا تنكسر تحت ثقلها، ولا تنكرها.
خلاصة
التسامح ليس نسيانًا ولا تبريرًا. بل هو إعادة تعريف العلاقة مع الألم، بحيث لا يصبح قيدًا بل جسرًا نحو الشفاء. أما التذكر، فهو حراسةٌ للذات وللتاريخ. وبين الاثنين، تتسع مساحتنا للحرية والنجاة.