
الدخلاء ينهشون جسد المهنة… فأين أنتم يا نقابة الصحفيين؟
الشعب نيوز:-
؛
الكاتب والمحلل الامني د. بشير الدعجه
لم أكن أنوي الكتابة اليوم… لكن ما حدث معي يكشف حجم الخلل الذي صار يعبث بالمشهد الإعلامي… خلل يهين المهنة… ويجرّدها من وقارها… ويضع ضيوفها وخبراءها في خانة لا تليق بهم ولا بتاريخ الصحافة الأردنية…
اتصلت بي إحدى الفتيات من أحد البرامج… طلبت مقابلة حول “جرائم القتل” كما قالت… ظننتها تريد نقاشًا مهنيًا حول الأسباب… والدوافع… والإجراءات الأمنية… ودور المواطن… لكن ما إن سألتها عن المحاور حتى فاجأتني بإصرار غريب على عبارة واحدة فقط… “بدنا إصص قتل”… وكأنها تبحث عن حكواتي يجلس أمام الجمهور… لا عن خبير أمني واستراتيجي يقدم معرفة وتحليلًا وتأطيرًا علميًا…
أوضحت لها أن دوري ليس رواية الحكايات… وأن التحليل الأمني مسؤولية علمية… وليس عرضًا ترفيهيًا… فعادت تقارن الأمر باستضافة شخص سبق وتحدث عن “قصص مخدرات”… فقلت لها بوضوح… أنا لست هو… ولا أشبهه… ولا أقبل أن يُختزل علمي وخبرتي في جلسة استعراض رخيص يبحث عن مشاهدات عابرة…
هذه ليست حادثة فردية… بل عرض لمرض يتسلل بصمت إلى بعض المؤسسات الإعلامية… مرض يحول الإعلام من منصة وعي إلى مساحة سرد دموي… ومنبر رسالة إلى سوق ترفيهي متعطش للقصص المثيرة..
أخطر ما يهدد الصحافة اليوم ليس فقط ضعف المهنية… بل الدخلاء الذين يقتحمون المهنة بلا معرفة… بلا أخلاق… وبلا أي إحساس بقدسية الكلمة… دخلاء حولوا بعض البرامج إلى ساحات استهلاك… وإلى مطابخ محتوى رخيص… وإلى منصات صراخ واستعراض… لا يوجد فيها احترام للضيف… ولا تقدير للخبرة… ولا وزن لحرف واحد يقال على الهواء…
هؤلاء الدخلاء أساؤوا للمهنة قبل أن يسيئوا للضيوف… جعلوا الإعلام مسرحاً للسطحية… ومساحة للتفاهة… ومكانًا لتغذية الفضول الرخيص لا العقول… يتعاملون مع الخبير كما لو كان حكواتيًا… ومع الجريمة كما لو كانت قصة مشوقة… ومع المشاهد كأنه متلقٍ ساذج لا يستحق تحصيل المعرفة…
وجود هؤلاء بلا ضوابط… بلا محاسبة… وبلا تدخل من النقابة… يفتح الباب أمام فوضى إعلامية تهدد سمعة المهنة… وتقتل ما تبقى من احترام ووعي وثقة لدى الجمهور…
إلى نقابة الصحفيين…
هذا نداء صريح… لا ترف فكري… ولا مرافعة شخصية… هو دفاع عن المهنة التي يسيء لها البعض كل يوم… والتي تحتاج إلى وقفة حقيقية… إلى ضبط… إلى محاسبة من يستخف بالضيف… ومن يختزل الإعلام في قصص مثيرة… ومن يحول منصات الوعي إلى بسطات حكايات…
إن لم تتحركوا الآن… سيستمر الانحدار… وستسقط هيبة المهنة قطعة بعد أخرى… حتى نصحو على إعلام بلا وزن… بلا مهنية… بلا احترام…
الإعلام ليس مسرحاً لحكايات دم… والخبراء ليسوا حكواتية… والمهنة أكبر وأرقى من أن تُختزل في “قصص قتل” تُروى لمجرد رفع نسب المشاهدة…
هذا نداء… وجرس إنذار… لحماية الصحافة من الدخلاء… وحماية الضيوف من الابتذال… وحماية المهنة من الانحدار…
آن الأوان أن تعود الصحافة إلى أصحابها الحقيقيين… قبل أن يأخذها العبث إلى مكان لا عودة منه…وللحديث بقية.
#د. بشير _الدعجه